تحولات القراءة في عالمنا الرقمي

محمد جميل أحمد –
«عليك أن تقرأ هذا الكتاب، فهو مفيد» إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الجملة التقليدية دعاية لقراءة كتاب ما، في هذا الزمن المتغير، الذي أصبحت فيه فضاءات البث المعولم تحاصر الفرد وتطل عليه من الشاشات الثلاث «التلفزيون ـ الكمبيوتر ـ الموبايل» لتقترح عليه أساليب لامتناهية من دعايات مختلفة لمنتج ما قد يكون كتاباً أو غيره.
وإذا ما بدا لكثيرين أن الوسائط الرقمية (والكتاب الإلكتروني جزء منها) كما لو أنها أصبحت اليوم لها الكلمة الأخيرة في الدعاية والتوجيه لجملة من المنابر التي تغري بالكتابة، مطلق الكتابة، كوسائل التواصل الاجتماعي مثلاً في الفيس بوك وتويتر ، فإلى أي مدى يمكن القول؛ إن مرجعية تلك الكتابة هي بالضرورة من تأثير الكتاب؟
النقاش الذي يدور في أغلب أنحاء العالم المتقدم، بين الحيثية الأكثر تفاعلاً في وسائط المعرفة، وما إذا كانت الكتاب الإلكتروني أم الكتاب الرقمي، قد لا يكون بالضرورة نقاشاً على ذات السوية في فضاء منطقتنا العربية؛ لأن السجال العربي العريض اليوم، كما تكشف عنه تعبيرات وسائط التواصل الاجتماعي، لا يعكس إلا انطباعات نسقية فقيرة ومسدودة حيال فعل القراءة، ناهيك عن جدوى الكتاب أصلاً، سواءً أكان إلكترونياً أم ورقياً.
صحيح أن فعل القراءة، في حد ذاته، فعل إيجابي وأن التفاعل مع الوسائط الرقمية الجديدة في منابر التواصل الاجتماعي يقتضي مطلق عمليات أولية للكتابة والقراءة؛ لكنه في الوقت ذاته، ذلك ليس كافياً لإلغاء جدوى القراءة من مصادرها المعرفية الأساسية كالكتاب.
وليس الجدل هنا في أولوية الكتاب الرقمي على الورقي أو العكس، بل أصل الجدل في هوية القراءة من الكتاب بوصفها عملية معرفية تنقلنا من مجتمع الشفاهة إلى مجتمع القراءة.
لابد من القول إن الحديث عن القراءة وجدواها، هو الأهم ، لأن توفر الإرادة والرغبة لفعل القراءة سيعني بالضرورة العثور على كتاب ، كيفما كان هذا الكتاب.
هذا يعني أن من يتحدثون وينساقون في مفاضلات نوعية ــ وهي غالباً مفاضلات متمايزة أي يتميز كل منها بصفة في مقابل صفة للآخر ـــ في الخصائص بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي، جرياً وراء الانبهار بمسالة الاختلاف الرقمي، والطقس الرقمي والتبشير بالعالم الرقمي هم غاليا ما ينساقون وراء الهالة التي تجعل منهم منفعلين بالسياق ومنجرفين في التيار أكثر من القدرة على رؤية المعنى ودلالة الإدراك.
ولهذا سنجد أن أصحاب هذا الأسلوب التبشيري بصرعات الموضة الرقمية فيما هم يصورون أنفسهم مواكبين لهوية التطور التكنولوجي إلا أن ذلك غالباً لا يكون صحيحاً لأن أي حماس يبشر بالاختلاف النوعي الهائل في خصائص قابلة للإدراك النسبي بين منتجين يحملان ذات الهوية ويختلفان في الأعراض ،لا في الهوية ذاتها، هو حماس شكلاني ويعكس أزمة متصلة بطبيعة إدراكهم أكثر من أي شيء آخر.
إن دعوى البعض إلى تجاوز الكتاب الورقي بحجة التطور في نمط القراءة عبر الكتاب الرقمي، في واقع كالواقع العربي (الذي أثبت أن مستويات القراءة تراجعت مع أدمان وسائل التواصل الاجتماعي، كـ«الفيسبوك» وتوتير» لا تعكس إدراكهم لنسبية الخصائص البينية بين المنتجَين؛ فالأزمة متصلة بفعل التماهي الزائف مع دعاوى مواكبة التطور الخادع فحسب.
إذ كيف يمكن أن تتراجع مستويات القراءة عن سابقاتها قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، فيما القياس الموضوعي يقول: إن كل تطور هو توسع في استخدام وسائل للمعرفة ودخول في مرحلة جديدة أفضل من المراحل السابقة للتطور الجديد.
وللقياس والمقارنة أيضاً هل يمكن القول أن ظاهرة كهذه يمكن أن تحدث في مجتمعات العالم المتقدم؟
هكذا سنجد أن دعوى : «عالمنا المتغير» يراد بها ، لا شعورياً؛ تجريف عادات القراءة وثباتها الجوهري ضمن قواعد اللعبة ـــ التي لا يمكن أن تكون لعبة أصلا بدون تلك القواعد – في مجتمعات نظام الشفاهة، هي في حقيقتها دعوى تمثل جزءاً من العبث الذي يردنا إلى مشكلات التخلف وخزينها الذي يفعل فعله دون وعي منا حتى!
في تقديرنا: ليس هناك عالم متغير في البنيات الأساسية لخزين التخلف الذي يحكم حياتنا ويعيد إنتاج نفسه في مجتمعات الشفاهة. فيناقش البعض في هذه المجتمعات مثلاً قضية المفاضلات البينية للكتاب الرقمي والكتاب الورقي عبر توهم أنهم بالفعل يمارسون فعل القراءة في الأصل كتقليد ونمط لوعي العالم نظرياً تماماً كمجتمعات القراءة في العالم الأول.
وبهذا المعنى فإذا عرفنا مثلاً، في مؤشر مبيعات معارض الكتب؛ أن الأولوية لكتب الطبخ مثلاً أو للروايات الرومانسية من بين الكتب الأكثر مبيعاً، فماذا يعني ذلك في تقييم و إدراك سوية عامة لمجتمعات الشفاهة؟
لا شيء تقريباً ــ إذا استثنينا مطلق القراءة كفعل أولي مطلوب منا لفك الحرف والتمتع ببعض الهويات الدنيا لفعل القراءة. أي بغير جدوى فاعلة في قراءة تنقل مجتمعاتنا العربية من الشفاهة إلى الكتابة!