ثورة على الشعبوية

ديفيد برووكس- نيويورك تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

أضعفت حرب ترامب التجارية دينامية الاقتصاد الأمريكي. وابتعد شي جينبينج عن إصلاحات السوق واستهل تباطؤا اقتصاديا. وتحت إدارة الزعامة الشعبوية التي تتبنى سياسة زيادة الضرائب في باكستان هبطت مبيعات السيارات بنسبة 39% في ربع السنة الأخير.

هل لاحظتم أن العالم يشتعل؟
فالحشود تسير مواكبها للحفاظ على الحقوق الديمقراطية في هونج كونج ووارسو واسطنبول وبودابست وموسكو. والجماهير غاضبة في بلدان آسيوية عديدة وتُسقِط القادة في بوليفيا وغير بوليفيا.
موجة الاضطرابات المدنية التي تجتاح العالم الآن هي الأوسع نطاقا منذ عام 1989.
إنها حدث أكبر بعشر مرات من (حَراك) عزل ترامب على الرغم من أن الحدثين مرتبطان.
بُذِرت بذورُ القلاقل التي نشهدها اليوم في الأحداث التي وقعت قبل 30 عاما كسقوط الاتحاد السوفييتي وانتشار العولمة والبقية.
كانت تلك أيام عز الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية وراديكالية السوق الحر ونهاية التاريخ.
نحن جميعنا نعلم الآن ما لم يكن يعلمه العديدون منا حينذاك. لم يكن هؤلاء يعلمون أن الرأسمالية الديمقراطية المعولمة ستستثير رد فعل ضدها. وأنها أفضت إلى صدامات اقتصادية وثقافية متصاعدة بين سكان المدن المتعلمين الذين ازدهرت أحوالهم وجماهير الريف الذين تخلفوا عن الركب.
كانت هذه الرأسمالية هزيلة جدا روحيا ومفرطة في كوزموبوليتانيتها (عالميتها) ومقطوعة الجذور.
لقد شعر الناس أن ثقافاتهم الوطنية (في ظل هذه الرأسمالية الكوزموبوليتانية) تسلخ عنهم.
جاء رد الفعل الشعبوي بأشكال مختلفة في مختلف أجزاء العالم. ففي وسط وشرق أوروبا تمثل في الرجل «القومي» القوي من شاكلة فيكتور أوربان وفلاديمير بوتين وأيضا في حزب القانون والعدالة في بولندا.
وفي أمريكا اللاتينية اتخذ شكل المد الوردي (جماعة من الشعبويين الاقتصاديين اليساريين من أمثال هوغو شافيز ونيكولاس مادورو).
وفي مجموعة البلدان الناطقة بالإنجليزية تمثل في قومية العرق الأبيض التي رفع رايتها دونالد ترامب وحركة البريكست (دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). وفي الشرق الأوسط كان أصولية الإسلاميين.
أما في الصين فقد تجسد رد الفعل الشعبوي في سلطوية شي يجنبينج المتزايدة. وفي الهند تمثل في القومية الهندوسية بزعامة ناريندرا مودي.
في بعض الأماكن لا تزال الموجة الشعبوية في تصاعد. فحركة السترات الصفراء في فرنسا والاحتجاجات في شيلي يقودها أولئك الذين يشعرون أنهم تخلفوا عن الركب (المغبونون) اقتصاديا. لكن من الواضح أيضا أن الشعبويين عندما يكونون في الحكم لا يستطيعون الوفاء بالمطلوب. لذلك نحن نشهد الآن في بلدان عديدة «ثورة ضد الثورة» كما في انتفاضات الطبقة الوسطى الحضرية ضد الشعبويين أنفسهم.
إن المشكلة الجوهرية اقتصادية. فالسياسات الاقتصادية الشعبوية لليسار واليمين تدمر النمو. لذلك نجد أن فنزويلا كارثة اقتصادية. وفي المكسيك أدت السياسات الشعبوية اليسارية التي طبقها أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إلى توقف عجلة النمو.
ويقدر صندوق النقد الدولي أن معدل النمو في أمريكا اللاتينية ربما يهبط إلى 0.2%. ويستحدث لبنان 3000 فرصة عمل فقط في العام في حين أنه يحتاج إلى 20000 وظيفة جديدة على أقل تقدير. في الأثناء أيضا تصاعد الدين.
وأضعفت حرب ترامب التجارية دينامية الاقتصاد الأمريكي. وابتعد شي جينبينج عن إصلاحات السوق واستهل تباطؤا اقتصاديا. وتحت إدارة الزعامة الشعبوية التي تتبني سياسة زيادة الضرائب في باكستان هبطت مبيعات السيارات بنسبة 39% في ربع السنة الأخير.
حول العالم كله يشعر أفراد الطبقات الوسطى الجديدة بأنهم حوصروا وأهملوا.
وكما ذكر فريد زكريا (كاتب صحفي أمريكي) مؤخرا، يرى صندوق النقد الدولي اقتصادا عالميا «متزامنا في تباطؤه … وينمو بأبطأ وتيرة له منذ الأزمة المالية العالمية».
الشيء الثاني الذي جاءت به الشعبوية هو الفساد. فمحاولة «أخدمني لكي أخدمك» الترامبية مع أوكرانيا «عينة» من الممارسات الفاسدة التي جاء بها الشعبويون حول العالم كله. لقد تعهدوا بتحطيم القواعد لكن اتضح أنهم فعلوا ذلك في معظم الأحيان لإثراء وحماية أنفسهم. فإيفو موراليس متهم بمحاولة تزوير الانتخابات في بوليفيا. وفي الولايات المتحدة ينتفض أصحاب العلاقة بالحكم في واشنطن لتحجيم لامبالاة ترامب بالقواعد المرعية. وتظهر بيانات مؤشر الفساد أن الناس حول العالم يشعرون بتزايد الفساد.
إن الأنظمة الشعبوية /‏‏ السلطوية تفقد شرعيتها. وينتفض أبناء الطبقة الوسطى الحضرية في أماكن مثل هونج كونج واندونيسيا لحماية الحريات السياسية والاجتماعية.
ولا يحتاج الأمر إلى كبير عناء هذه الأيام لإطلاق موجة غضب عملاقة. ففي لبنان كان السبب (وراء الاحتجاجات) ضريبة مقترحة على استخدام تطبيق الواتساب على الإنترنت. وفي فرنسا وزيمبابوي والإكوادور وإيران كان ارتفاع أسعار الوقود. وفي شيلي انطلقت الاضطرابات بسبب مقترح برفع سعر تذكرة الترام بنسبة 4%.
إن العالم مضطرب ومستعد للانفجار. والرسالة الكلية هي أن عيوب العولمة الليبرالية حقيقية لكن البدائل الشعبوية لا تصلح.
الاحتجاجات في كل هذه الأماكن بدون قيادة. لذلك من غير الواقعي توقع امتلاكها أجندة سياسات.
لكن السؤال الكبير هو : ثم ماذا بعد؟
ما الذي سيأتي بعد فشل الشعبوية؟
المهمة الكبيرة القادمة للقادة في كل هذه البلدان تقريبا هي كتابة عقد اجتماعي جديد يمنح النخب الحضرية المتعلمة والطبقات العاملة «قطعة» من أكثر شيء يريدونه.
تحتاج الطبقات العاملة التي تؤيد الشعبويين إلى طريقة تؤمن لها ازدهارها في الاقتصاد الحديث وتشعرها بأن مساهمتها في المشروع الوطني تحظى بالاحترام.
أما النخب المتعلمة فتريد توفير الحماية لحرياتها الديمقراطية والعيش في مجتمعات تعددية ومتنوعة الأعراق.
من يستطيع كتابة هذه المساومة الاجتماعية هو الذي سيفوز بالمستقبل.

  • الكاتب مؤلف كتاب «الطريق إلى الشخصية» ومؤخرا جدا «الجبل الثاني».