المفكر المصري – فهمي هويدي خرجنا منذ زمن من التاريخ.. وعلى السلطات أن تتصالح من الشعوب

في حديث لــ «عمان»:-
حوار : عاصم الشيدي –

كان هذا أول لقاء مباشر بيني وبين الصحفي والمفكر المصري فهمي هويدي، رغم أنني متواصل منذ زمن مع كتاباته، سواء استطلاعاته في مجلة العربي، أو مع مقاله الأسبوعي الذي كان ينشر في أكثر من صحيفة عربية في نفس اليوم «الثلاثاء» وعندما أتيحت لي الفرصة أن ألتقيه وأحاوره لم أتردد، ورحت مباشرة أبحث وراءه أكثر وأكثر حتى لا أبدو أمام صحفي كبير مثله مرتبكا.. وفي بهو فندق «رمادا» بالقرم كان اللقاء الأول والذي استمر لأكثر من ساعة كان من حصيلته الحوار الآتي:

■ تتحدث في محاضرتك بالنادي الثقافي عن أزمة الوعي في العالم العربي.. لكن رغم كل هذه السنوات والقرون والتحولات التي مر بها العالم العربي لماذا ما زلنا نشكو من أزمة وعي؟
بصراحة فيه أزمة في العالم العربي، ولكن ليست أزمة وعي بقدر ما هي أزمة سياسة. لو لاحظت الشعار الذي رفع في عدة أقطار عربية، وبلهجات مختلفة، من «يَتْنَحَّاوْ قاع» في الجزائر إلى «كلكن يعني كلكن» في لبنان، فيها ضيق بالطبقة الحاكمة وهذا ما أدركه الناس. ثم لاحظ أن أجيالا طلعت، انفصلت عن مجموعة من الظروف السابقة، اكتشفت في لحظة ما إن أن هذه الأوطان مقموعة أو بالضبط أقطار مخطوفة. في العراق تجد رسومات كاريكاتير تبدو فيها خارطة العراق معلقة وتحتها تعليق «نريد وطنا»، في لبنان الناس تتكلم عن الطائفة: شيعة، سنة، دروز، موارنة، لكن أين الوطن؟! قبل عدة أيام قرأت أن اللبنانيين أنزلوا صور الزعماء السياسيين ورفعوا صورة العلم.
الناس في بعض الأقطار العربية أدركوا أنهم ليسوا أصحاب الوطن. في الجزائر مثلا هناك طبقة سياسية منذ 1961 و1962 احتكرت السلطة وأدارت البلد لحسابها. واعتقد أن هذا الإدراك له علاقة «بالربيع العربي» الذي قمع في 2011.
■ إذن أنت ترى أن أزمة العالم العربي تنبع من الداخل وليس من الخارج؟
الخارج يحاول استغلال الأزمة وليس تفجيرها، أما الخارج فهو شماعة يعلق عليها باستمرار أي فشل أو أي اعتراض في الداخل. ومن المفارقات أن حسن نصر الله في لبنان قال إن المظاهرات في لبنان ممولة من الخارج في حين قال إنه هو بنفسه ممول من إيران!
الخارج يحاول أن يستفيد ويستثمر ما يحدث وهو ليس بريئا ولا يريد بنا خيرا، ولكن للأمانة ليس هو مفجر هذه الأحداث.
■ لكن هناك من طرح وبالأدلة أن «الربيع العربي» كان مخططا له من الخارج أو أن هناك خطة لفوضى في العالم العربي وجدت في الأحداث فرصة ذهبية؟
هذه أكذوبة كبرى طبعا.. من العجز أن يقال إن الربيع العربي نتيجة إحباط ومشكلة من الداخل، ليس هناك نظام يقول أنا فشلت وخرج الناس عليّ وطالبوا برحيلي أو إسقاطي. وأنا أكرر أن الخارج ليس بريئا ولكنه حاضر ليس في تفجير الغضب ولكن في محاول استثماره.
■ إذن أين المخرج لأزمة الوعي؟
إذا عرفنا السبب كما نقول في مصر بطل العجب، بمعنى إذا عرفنا أن هناك غضبا كامنا في الداخل، وهناك شعور أن السلطة تعمل لحسابها، وأحزاب وقبائل وطوائف وعائلات لا تعمل لصالح الشعوب، فإن المخرج يبدأ بفكرة بسيطة جدا هي المصالحة بين السلطة والشعب. لا أريد أن أتحدث عن عقد اجتماعي ولكن لا بد من الانتباه أن المشكلة في الداخل، ولذلك لا حل إلا بمحاولة التصالح مع الداخل، والتصالح لا يكون إلا من خلال التحري. نتحرى لماذا يزداد أصحاب السلطة في الغنى والشعب في الفقر. وأنا لا أريد أن أتحدث عن رئيس وزراء عربي تبرع بـ 16 مليون دولار لعارضة أزياء في جنوب أفريقيا بينما المستشفيات في بلاده لا تعمل. يحتاج الأمر إلى تصالح مع المجتمع، والمجتمع يريد أن يعيش فقط، لا يريد أن ينقلب، وهذا الانقلاب والغضب تعبير عن قهر مختزن.
■ أتمنى أن لا تستغرب هذا السؤال ولكن ألا تلاحظ أن الملكيات في العالم العربي تعيش في استقرار ورفاهية وعدالة أكثر من الجمهوريات فيما يفترض أن تكون الجمهوريات أفضل حالا؟
نعم ممكن. أنا أفهم هذا الملكيات، وهي أكثر ذكاء من الجمهوريات. في الملكيات أنت تتحدث عن أسر ممتدة وراسخة منذ أزمنة طويلة لا عن أشخاص قفزوا على السلطة فحرصوا على أن يشبعوا سريعا. الملكيات ذكية ومستقرة وتسترضي الناس وإلى حد كبير توفر لهم احتياجاتهم. ولذلك أنا أتحدث عن التصالح الذي تستطيع أن تقوم به الملكيات. الملك حسين بن طلال كان شديد الذكاء، تختلف تتفق معه هذا أمر متاح، ولكنه كان ذكيا جدا، وكان يعرف أن بلاده فيها مكونات عشائرية وفيها قبائل ويحتاج الأمر إلى كثير من التوازنات، وأنا أعرف أنه أخرج شخصا من السجن وذهب واصطحبه بسيارته من أمام السجن وأوصله بيته. لكن اليوم هناك حكام في العالم العربي متعجرفون لا يقبلون مثل هذا التصرف. الملكيات مستقرة وتريد أن تبقى مستقرة وتحافظ على ميراثها ولذلك تبني علاقات طيبة مع المجتمع وتحاول قدر الإمكان أن تكون عادلة. والعبرة في العالم العربي ليست بالملكيات أو الجمهوريات نعلم جميعا أن من يسترضي الناس رضي الناس عنه ورضي الله عنه ومن قهر الناس فعليه أن يتحمل المسؤولية.
■ عودة إلى أزمة الوعي.. قال صديقك الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل إننا نوشك أن نخرج من التاريخ. هل خرجنا فعلا من التاريخ؟
أنا علقت على المقال ولي معه قصة. هيكل استشعر إحباطا في مرحلة معينة فقال إننا نوشك الخروج من التاريخ وهو يعلم أننا خرجنا فعلا من التاريخ. وفي ذلك الوقت أردت تفكيك ما قاله، أو ما لم يرد التصريح به، أردت أن ألقي عليه ضوءا حتى أنبه به، واتصلت به هاتفيا حتى أستئذنه في هذا وكان مسافرا إلى لندن.. فكتبت مقالا شرحت فيه ما أومأ إليه تأدبا أو دبلوماسية منه وتكلم به وهو فوق التسعين. وحين عاد من سفره قال أدركت أنك اتصلت بي هاتفيا لكي تحدثني في هذا الموضوع نحن خرجنا من التاريخ فعلا. لاحظ أنه لا توجد مشكلة في العالم العربي تحل اليوم بوسطاء عرب، في سوريا داخل بوتن وإيران وأردوجان، في اليمن وسيط من الأمم المتحدة، في ليبيا وسطاء من الأمم المتحدة، أين العرب؟ من يشارك في كتابة الدستور السوري؟ نحن خرجنا من التاريخ فعلا وبالمناسبة في بعض الدول الأوروبية لا يتحدثون عن عالم عربي، يتحدثون عن أقطار عربية، لم يعد عالما واحدا.. يعني نحن عدنا شعوبا وقبائل مرة أخرى. لا أريد أن أتحدث عن الدولة العربية الواحدة ، ولا أريد أن أتحدث عن سنة 1960 عندما ذهبت السفينة المصرية «كليوبترة» لتفرغ حمولتها من القطن المصري وتأتي بقمح أمريكي، صارت مقاطعة للسفينة بضغط من إسرائيل نكاية بالرئيس جمال عبدالناصر لأنه منع بعد عدوان 1956 عبور السفن الإسرائيلية.. كانت هناك ردة فعل عربية على مقاطعة «كليوبترة» فأضرب 230 ألف عامل عربي في مختلف الموانئ العربية عن تفريغ السفن الأمريكية.. تحركت الأمة العربية مباشرة، الآن يحدث ما يحدث ولا تحرك الأمة ساكنا سواء كان ذلك يتعلق بالقدس أو بغيرها.
■ لماذا وصلنا لهذه المرحلة؟
طبعا عدة أشياء.. أنا أزعم أن مصر هي العمود في الخيمة العربية، وقد انكسر العمود فسقطت الخيمة.
■ متى انكسر العمود بالتحديد؟
بدأ الانكسار من هزيمة 67 ولكن حينما خيمّ الاستبداد على العالم العربي، ومصر لم تثبت حضورا.. نحن الآن في مصر متعلقون باللاعب محمد صلاح في ليفربول، مجرد لاعب كرة قدم ونعتبره «فخر الأمة العربية» وهذا ما نسمعه في الإعلام، أما زمان فكنا نتحدث عن علماء ومبتكرين. انكسرت الخيمة حينما خيمّ الاستبداد ولم تثبت الشعوب حضورا قويا على صعيد الاقتصاد ولا السياسة والإبداع.
■ هل المشكلة في العقل العربي؟
لا. العقل يتكيف. العقل العربي أثبت أنه مبدع. أنا أدافع عن العقل العربي لأن هذا العقل له إنجازات. لكن نحن مللنا من التغني بإنجازات التاريخ.. فيه ناس بلا تاريخ. هل إسرائيل لها تاريخ، لكنها تبني جامعات ضخمة. كم واحد أخذ نوبل من إسرائيل وكم واحد أخذ نوبل من مصر؟ نجيب محفوظ، زويل، زويل محسوب على الأمريكان. أين العلماء أين حضورك الثقافي والسياسي والاقتصادي؟ الأمة العربية كلها منبطحة الآن. العقل يتكيف. المشكلة في السياسة وليس في العقل العربي، والمشكلة ليست في الشعوب العربية، الشعوب العربية مقهورة وكما رأيناها في أكثر من قُطْر شعوب خارجة تريد أن تتنفس وتتحدث وتعيش.
■ البعض يلقي بجزء كبير من اللائمة على الإسلام السياسي باعتباره لعب دورا في تسطيح العقل العربي.. هل تعتقد أن هذا الكلام دقيقا؟
إلقاء اللوم على الإسلام السياسي ذريعة. لكن أين هو الإسلام السياسي من كل ما يحصل الآن.. كل الناس الذين تشتبك معهم السلطة هم من خارج الإسلام السياسي. الناس في كل مكان يمكن أن تنجح ويمكن أن تفشل وفيه أخطاء مع الجميع ولكن لاحظ أن هناك أخطاء سياسية وهي أخطاء لا تعالج بجرائم جنائية. ترامب في أمريكا دهور سمعة أمريكا في الحضيض بشعبويته، وماكرون في فرنسا وبوتين في روسيا. أعتقد أن مثل هذا الكلام مجرد ذريعة وهو يشبه موضوع الإرهاب في العالم الإسلامي. أمريكا اللاتينية «مليانة» حروب ولم يلتفت لها أحد، هذه مجرد ذرائع. لكن لا بد أن أعترف أن الإسلام السياسي مورس بأخطاء ومارس أخطاءه.
■ هل داعش صناعة غربية؟
هذا جزء معقد.. لا بد أن نقرأ دور أجهزة المخابرات العراقية في عهد صدام حسين.. وهذا مثل العنف الذي حدث في سجون مصر منذ الستينات. تُحتل العراق وترتكب فيها المجازر ويعذب الناس في السجون، ورأينا ما حدث في سجن أبو غريب ولا تنتظر أن تحدث ردة فعل؟! لا بد أن تكون هناك ردة فعل من الشارع. لا أريد أن أعمم ولا أريد أن أقول أن طرفا واحدا هو المشكلة لكن الاستبداد الذي حدث في العالم العربي وقهر الشعوب هو أكبر أسباب ما حدث ويحدث.
■ في هذا السياق يتحدث البعض عن غياب قيم الديمقراطية وأنها ساهمت كثيرا في تجريف العالم العربي؟
أين قيم الديمقراطية! طبعا لا توجد قيم. لا يوجد تداول للسلطة، حتى ما حدث في تونس ربما حدث صدفة عندما يظهر لنا واحد مثل قيس بن سعيّد، وهذا يحسب على انفجار الشارع والغضب الشعبي وليس على وجود آلية سياسية تتيح تداول السلطة ووجود قيم ديمقراطية.
■ لكن حتى في الغرب قيم الديمقراطية تنهار الآن وتسود قيم الشعبوية خذ أمريكا على سبيل المثال وفرنسا؟
كلامك صحيح. ولكن هناك أمران: الأول أن هذه مجتمعات ما زالت تعيش في حماية مؤسسات قوية. مهما فعل ترامب ولكن هناك مؤسسات قوية، وهناك الآن موظفون يشهدون ضده ولا يستطيع منعهم. يدور الجدل في أمريكا حول المهاجرين وإقامة أسوار لمنع دخولهم أو منع دخول رعايا تسع دول بينها دول عربية لكن هناك قضاء وقوانين تضبط ترامب وغيره أما نحن في العالم العربي فلا قوانين ولا مؤسسات.
أما الأمر الآخر فهناك تحدث تداولات في السلطة، يأتي الشعبويون ولكن تحدث انتخابات في كندا، مثلا، فينجح جاستن ترودو فيهزم الشعبويين.. صحيح أن الشعبويين يأتون تحت ذرائع «الإرهاب الإسلامي» وأسلمة أوروبا لكن لديك شعوب ولديك مؤسسات.
■ ننتقل إلى موضوع آخر.. أنت قرأت إيران من الداخل هل ثمة مساحة يمكن أن يلتقي فيها العرب مع إيران، أعني العرب كتجمع وليس كأقطار؟
في السياسة لا بد أن تكون هناك فرصة. وأنا كنت خبيرا في الشأن الإيراني ولكن قطعت صلتي لأسباب كثيرة، لكن الذي حدث في الحرب العراقية الإيرانية مثلا في الثمانينات أن الأقطار العربية انحازت جميعها تقريبا إلى صدام حسين وهو ما شجع دعاة الفارسية. وكنت أكرر في ذلك الوقت أنه لا بد أن تكون هناك مساحة ولو في حدها الأدنى لخط رجعة. والإيرانيون طرحوا أخيرا ما يسمى «عدم الاعتداء والتفاهمات المشتركة». لكن هل المشكلة هي بين العرب وإيران أم بين إيران وإسرائيل؟ إسرائيل لا تريد إيران، خصوصا أنها قوية ومعها مشروع نووي ينافس تفوقها النووي في المنطقة باعتباره القوة العظمى، وهي مصرة على تدمير قوة إيران. والواضح أن إسرائيل استخدمت الدول العربية في تفجير قضايا مع إيران ليس بدءا بالجرز وليس انتهاء بتفجيرات في الداخل. الحاصل أنه لا بد أن يكون هناك مساحة. بالمناسبة أن أستحي أن أقول أننا في العالم العربي عملنا تطبيعا مع إسرائيل ولا نعرف كيف نطبع مع إيران!
■ هل تقصد أن جزءا من العداء اليوم مع إيران هو عداء بالوكالة؟
في شق كبير منه نعم. لا توجد مشكلة حقيقية مع إيران. وعلى سبيل المثال مصر لا توجد مشكلة حقيقية بينها وبين إيران إطلاقا بل إن مصر يقال عنها تاريخيا أنها شيعية الهوى، وفيها الكثير من المزارات لرموز التشيع، حوالي عشر مزارات في القاهرة وحدها، وكان المصريون، في الأربعينات، يزورون هذه المزارات في مواعيد يومية ولم تكن هناك مشكلة.
■ الذين يتحدثون عن المشكلة يقولون إن إيران متدخلة في عمق بعض الدول العربية؟
نتحدث عن كيف انتهت أم كيف بدأت؟ إيران ارتكبت أخطاء نعم. أنا لا أوافق على ما تفعل إيران في العراق ولا في سوريا، هناك أخطاء سياسية ولكن لماذا حدث هذا. في بداية حكم حسني مبارك، مثلا، لم تكن هناك مشكلة بين مصر وإيران. في نهاية عهد السادات كانت في مصر محطات إذاعية ضد الثورة الإيرانية، بالضبط كانت هناك ثلاث محطات، وبعض جنرالات الشاه من الهاربين أعطوا جوازات سفر مصرية. أريد أن أقول إن إيران ارتكبت أخطاء ولكن أعتقد أن المسألة بدأت بأخطاء من الدول العربية أو من بعض الدول العربية ثم تفاقمت وفي أشياء في السياسة مثل الحرب تطلق الرصاصة الأولى ولكن لا تعرف كيف تطلق الرصاصة الأخيرة.
■ هل تعيش إيران تشظيا في الداخل؟
لا أظن. ولكن تحتاج إلى جرعة ديمقراطية ولكن السياسة فيها فعل ورد فعل، هذا عندما نقول إيران تحت الحصار طبعا ماذا تفعل إيران وهي تحت الحصار، في دول عربية ليست محاصرة ومعها طوارئ من عشرات السنوات.
■ من وجهة نظرك هل أمريكا على عداء مع إيران وتريد تدميرها من الداخل أم هذا فقط ذريعة لتخويف دول الخليج من أجل شراء المزيد من الأسلحة.. تطرح هذه النظرية كثيرا في الإعلام؟
أمريكا ليست ضد إيران. المهاجرون الإيرانيون في بعض الولايات الأمريكية متواجدون بكثرة. أمريكا تريد أولا مصالحها، ثانيا تريد دعم الموقف الإسرائيلي والاستجابة لضغوط اللوبي الإسرائيلي الذي يريد تحجيم إيران. لو أن إيران تفاهمت مع إسرائيل لانتهى كل هذا.
■ ننتقل للصحافة.. كما ترى المشهد الصحفي في العالم العربي متراجعا إلى ما بعد حده الأدنى هل تلوم الصحافة أم تلوم السياسة؟
ألوم السياسة طبعا. لم يعد هناك صحافة في العالم العربي، وهي ظالمة ومظلومة.
■ كيف ظالمة وكيف مظلومة؟
مظلومة لأنها استسلمت للقهر، وظالمة لأنها لم تقاومه. أنا أتفهم، في ظل الاستبداد المخيّم على العالم العربي، أن تكون الهيمنة على الإعلام للهيمنة على الشعوب أصبحت قاعدة. لكن هذا جزء من حرب الفضاء.. لو شفت قناة العربية تتكلم عن العراق وشفت الجزيرة تتكلم عن العراق ستشعر أن العراق الذي تتكلم عنه العربية ليس هو العراق الذي تتكلم عنه الجزيرة. السياسة أفرزت جيلا وإن همشت جيلا من الصحفيين المحترمين ولكنها أيضا أبرزت جيلا من المطبلين ممن يهتفون ويؤججون المشاعر وهم ليس لديهم أي انتماء لا عربي ولا قومي أبدا.
لدينا صحفيون ولكن ليس لدينا صحافة.. توجد عوامل أخرى مثل ارتفاع أسعار الورق والاستيراد والتصدير ولكنها كلها عوامل ثانوية وليست أساسية، الإعلام ما زال مؤثرا حقيقيا في الرأي العام ولكن مركز القوة فيه ينتقل للتلفزيون والسوشل ميديا.
■ لكن السوشل ميدايا مخترقة سياسيا من الداخل والخارج؟
نعم لكن لاحظ أننا نتكلم ونحن غرقى تحت الماء. أنت مخترق وأنت تتحدث، تريد أي شيء لتتنفس لا أن نستعيد الحيوية.
■ ما زلت متابعا للصحافة.. هل هناك صحفيون حقيقيون يحملون نفس قدرة جيل الكبار من الإبداع؟ وتراهن عليهم؟
طبعا موجودون. أنا أعذر الشباب فنحن نتحدث عن آلاف من الشباب من الذين لا يعطون فرص. المتاجرون والمنتفعون هم وحدهم من يحصل على الفرص، وهذا يحبط الشباب ويحبط أجيالا من الصحفيين.. وأعرف أجيالا كثيرة محترمة تحاول برغم ما تتعرض له من قمع ومصادرة للمستقبل. الصحفيون موجودون إذا أعطوا فرصة، المسألة في البيئة غير الصحية التي تقمع وتكبح وتحول دون أن تسمع أصوات هؤلاء.
■ هل اختلفت كثيرا مع صديقك الأستاذ محمد حسنين هيكل في نهاية حياته؟
من البداية كنا نختلف. ولكن للدقة علاقتي بالأستاذ هيكل بدأت بعد خروجه من الأهرام، أثناء وجوده في الأهرام كانت علاقتي به علاقة رئيس بمرؤوس فقط ولكن كان هيكل مهتما بي وكان فيه احترام كبير متبادل، وحين خرج من الأهرام كنت والكثيرون غيري متعاطفين معه، ولكن كنت شابا صغيرا ولم تكن لدي الفرصة للتعبير عن مشاعري اتجاه ذلك، ولكن كنت أسأل عنه، وكان يحتاج لمن يسأل عنه. اختلفنا في أشياء كثيرة ولكن الحاصل أننا كنا لا نتناقش كثيرا فيما نختلف فيه ونتكلم فيما نتفق عليه، وكنت أقول له ملاحظات وكان ينتقدني في أشياء ولكن كان على قاعدة الاحترام، وليس هو فقط ولكن الأستاذ أحمد بهاء الدين أيضا وهو من أهم الصحفيين في تاريخ مصر الحديث، اختلفنا جميعا ولكن على قاعدة الاحترام. في مجلة العربي كان عندي صلاحيات أكثر ونفوذا أكثر وكان رئيس التحرير أحمد بهاء الدين حينها وكان يشجعني فيما أكتب ويحيي المجهود الذي أعمله، كنا نتكلم عن فكر إسلامي مستنير وآراء حرة وهذا هو المطلوب.
■ في أواخر حياته رد عليك هيكل بمقال وكان نادرا ما يرد على انتقادات الآخرين عندما شكّكت في حرق مكتبته؟
توجد مشكلة حقيقية ليس في مصر وحدها ولكن التاريخ مليئا بالثغرات.. هو قال أن مكتبته أحرقت لأنه أبلغ بأن توجيها بالهاتف صدر أن أحرقوا المكتبة، الذي أعرفه أن هذا لم يحصل. أولا هذه مصادر أمنية، والمصادر الأمنية تتهم الآن أي واحد بأي شيء، ثانيا: ليس هذا هو السلوك المتبع لا معه ولا مع غيره. وأنا اختلفت أيضا مع الأستاذ أحمد بهاء الدين وانتقدني في أحد أعمدة الأهرام وأرسلت له برقية وقلت له: من حق المعلم أن يكون مؤدبا. وتصافينا لأن الكبار عندما تتعامل معهم لا تقلق. هو شد أذن فقلت أنت مؤدب ومعلم ولك أن تعلم. وما زلت أحمل لهم قدرا كبيرا من الاحترام والانتقاد أيضا وليس هناك مشكلة المهم كيف نتعامل على أساس من الوضوح ونتجنب الصغائر والخلاف وربنا خلقنا مختلفين وكان لا بد أن نختلف.