الاقتصاد في عصر ما بعد الحقيقة

مصباح قطب –
منذ أسابيع كتب نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير الدكتور عزت سعد مقالا بعنوان : ( الأمن القومى في عصر ما بعد الحقيقة ) ، وقد كتبه في أعقاب عودته من مؤتمر مختص في روسيا ناقش هذه القضية وقضايا ذات صلة وكلها تدور حول انحسار تأثير الحقائق الموضوعية على الجماهير لحساب الأكاذيب والشائعات والمعلومات المنقوصة أو المشوهة أو المزورة الى آخره .
ومنذ أيام شاركت في اكثر من ملتقى حواري عن الشائعات .. أنواعها ومصادرها وكيف تصنع والى من يتم توجيهها وكيف تتم مقاومتها او وأدها إن أمكن؟ ، وعلى الرغم من ان الانشغال المستمر في العالم كله حاليا بأمر الشائعات ذات الطابع السياسي او الاجتماعي او العسكري الامني إلا ان غياب الحقائق ايضا في النشاط الاقتصادي يستحق ان يحتل أولية في النقاش العام . عصر ما بعد الحقيقة ليس عصرا سيأتي بل نعيشه على كل الأصعدة وقوامه الزمن الذي يعز فيه العثور على حقيقة متماسكة في أي شان من الشؤون بسبب قوة تعارض المصالح على مستوى الدول والأفراد والشركات والمنظمات والمؤسسات الخ ، ما يجعل لأطراف بلا حصر مصلحة بهذا الشكل او ذاك في التحريف والتزييف والتحوير والتمويه بل والكذب الصريح ، وبما يجعل من الصعب او حتى من المستحيل على من يتابع – لأنه متأثر او مسؤول عن حماية آخرين من التأثر- ان يكشف ويصوب ويدقق ، ومن ثم اصبح لا مناص من التعايش مع قدر معتبر من الأكاذيب او اللاحقائق اذا شئنا تعبيرا آخر، فكيف يمكن للقرار الاقتصادي الذي ينتج عنه بطبيعته تكاليف وإنفاق او حجب إنفاق او ضخ مزيد من الأموال او سحبها او تجميدها او ادخارها او حتى تبذيرها كما يترتب عليه تأسيس او عدم تأسيس شركات وزيادة عمالة/‏‏‏ أجور او خفضهما ، وإنتاج سلع او خدمات او تأجيل إنتاجها وغير ذلك ان يعمل في هذه الأجواء ؟ .
تتعدد المخاطر التي تتعرض لها الحقائق في كل مجال وكلامنا هنا سيقتصر على الشأن الاقتصادي ومن ذلك طبعا « التهكير» والتلفيق المحاسبي والتواطؤ على الإخفاء او التعمية او التضليل ، والتزوير والتضخيم والتقليل والتشويه ، والتلاعب بالمؤشرات وبالصور وبالوثائق ، والغش والتدليس وسرقة البراءات والمعلومات الداخلية والاتجار بها او توظيفها في إلحاق اكبر ضرر بالخصم الى غير ذلك ومعه كل ما نعرفه في قاموس قوانين العقوبات والقوانين المدنية والجنائية المرتبطة. وقد عرف الناس الكثير عن التلاعبات في الأسواق المالية بنحو خاص لأن لها تاريخا وقصصا وأفلاما ، ولا تزال منتعشة ويختلط فيها ما هو شرعي بما هو نصف شرعي او هلامي او ملفق ، بيد ان النطاق الذي باتت تشمله الأكاذيب وتقل فيه الحقائق بات أوسع بكثير في المجال الاقتصادي ويمتد حتى الى الفكرة في مهدها ، وقد أصبحت الماكينات المحترفة لإنتاج الأكاذيب اكثر شراسة ودهاء ، وبات الطلب على المنتجات من الشائعات او الأخبار الزائفة او الأكاذيب والفبركات والتلوينات مخيفا وغايته الإضرار بالدول او الشركات او الأفراد المشاهير، وهو ويقفز كل يوم متغذيا على الصعوبات التي تعانيها كل الدول وربما كل الشركات بلا استثناء في عالم ما بعد أزمة 2008 وما قبل الأزمة العالمية المقبلة.
إن ما كان يحد او واجبه أن يحد او يمنع من ردم الحقائق في عالمنا ألا وهو الإعلام اصبح قليل التأثير الى حد بعيد ، وتقترب الصنعة كلها من منعطف خطر قادت إليه تطورات تكنولوجية وتنظيمية ومالية وإدارية معروفة ، ولكن قادت إليه ايضا تقلصات مخيفة في القدرة على إنتاج الحقائق داخل صالات التحرير والبث ، وفي الطلب على الحقائق من الكيانات التي يفترض أنها مهتمة بها ، بل إن بعضا ممن كان يطلب الحقائق تحول تحت ضغوط طوفان حروب التضليل المعلوماتي الى تمويل صحف وقنوات ووسائط من اجل ان تخدمه في إنتاج إنصاف حقائق بل وأكاذيب للبقاء في عالم الأسواق . أيضا وهنت عزيمة المهنة ( الإعلام ) وقوانينها ومؤسساتها الرقابية والتنظيمية كما ضعفت المساءلة العامة عليها بحيث لم يعد احد قادرا على منع طوفان اللاحقائق او على ان يحاسب بالشكل المأمول ، وقد لفتني مؤخرا تنبيه غاية في الأهمية صدر عن كاتبة مصرية مختصة بالشأن الأمريكي خلاصته ان مكانة الصحافة المتراجعة فأمريكا هي التي سمحت لترامب بأن يرتع مستريحا عبر تويتر، حيث كانت الصحافة في زمن سابق همها البحث عن الحقائق واستهداف الوصول اليها، لكن من بداية الثمانينات انطلق شعار خادع تحت مسمى القيم التحريرية لم ندرك مغزاه في حينه ألا وهو الموضوعية والتوازن بحيث تتيح الصحف او القنوات مساحات لكل طرف وتعتبر أنها أدت واجبها وأنها امتثلت للمبادئ «السامية» المهنية ، بينما هي في الواقع تخفى بذلك عجزها عن الوصول الى الحقيقة او رغبتها في الوصول اليها او علمها بمدى استمرار غياب الحقيقة برغم كل ما مارسته من «موضوعية » ، وأخذت الصحف شيئا فشيئا تخفى تحت ستار الموضوعية تحيزاتها او عدم رغبتها في العمل من اجل الوصول الى الحقيقة الذي اصبح بدوره يتطلب قدرات ووقت وتمويل ونفس طويل يبدو ان أغلبية كبيرة لم تعد تقدر عليه او ان المناخ لم يعد يساعد على العمل عليه ، ومن هنا سادت التويتات والبوستات فهي بطبيعتها تلبى افضل متطلبات عصر الانطباع لا الإقناع كما وصفه الأستاذ الراحل محمد حسنين هيكل منذ ربع قرن .
تذكرت مع هذا القول كيف ان جميع المدربين الصحفيين ومنهم الكاتب لم يلتفتوا من قبل الى خطورة هذا التحول ، والى الخلل الذي تنطوي عليه القيم المهنية التي اعتدنا ان ننقلها الى الأجيال الجديدة من الصحفيين ( الدقة – الموضوعية – الحياد – التوازن ) ، أي خلل إهمال الهدف الأسمى للصحافة والأول والأخير لها وهو البحث عن الحقيقة والحفر المستمر من اجل الوصول إليها بضمير مطمئن .
في مجال التحرير الاقتصادي الورقي او التلفازي او الإلكتروني أصبحت مسابقات الهجوم على الآخرين أو الترويج للممولين والمعلنين بلا عدد ، والجوائز الكبرى هي ضياع الحقيقة وسط ما يكاد ان يكون احتفاء بذلك لا استنكارا له . من اجل ذلك فإن اهم ما يمكن عمله من وجهة نظري في عصر ما بعد الحقيقة هذا – من الناحية الاقتصادية كما قلنا – هو إشاعة اللامركزية المعلوماتية داخل الشركة او الكيان الى أبعد مدى ممكن مع حصر المعلومات في دائرة تسهل متابعتها ومحاسبتها على ما يتسرب منها بحيث انه وبافتراض حدوث خلل او تسرب تكون الآثار السلبية عند أضيق نطاق . بالتوازي مع ذلك إذاعة كل ما من شأنه ان يذاع لحظيا ولا يضر حتى دون انتظار طلب الميديا او أسواق المال – بالنسبة للشركات المدرجة – لأن تكلفة إخفاء المعلومات اكبر بكثير من تكلفة إذاعتها فضلا عن ان المبادرة بالإذاعة تمنح الشركة قيمة ومصداقية . بقية الوصفة معروفة فكل الخبراء ينصحون بزيادة الإنفاق على البنية التحتية للأمن السيبراني في المشاة او الشركة وتدريب الكوادر على حماية المعلومات والبيانات وعلى مقابلة أي إشاعات او معلومات خاطئة او منقوصة أو صحيحة ومضرة بوعي ومرونة . لقد عملت لفترة مستشارا لوزير المالية المصري للتواصل ، وكان يقيني الذي عملت على أساسه ان الخلل الجوهري في تعامل الحكومة مع الأخبار والمعلومات الخاطئة المبثوثة عن قصد او حسن نية ، يكمن في ان ضخ المعلومات او الشائعات او أرباع الحقائق او الآراء المنافية للواقع يبدأ بكثافة في المساء في الوقت الذي تنام فيه آلة الحكومة الإعلامية او التواصلية ،أي ينصرف فيه الموظفون المعنيون الى بيوتهم ، وعليه أوجدت طريقة للتفاعل والرد اللحظي على ما يذاع عبر برامج « التووك شو» والفضائيات عموما وكانت نتائجها جيدة للغاية ، بل وصل الأمر – ويا للطرافة – ان إحدى القنوات كانت تتحدث عن شبهات فساد معينة بقطاع بالوزارة ، وبينما المذيع يتكلم ، راح « البار نيوز» يبث رد وتوضيح وزارة المالية .