فتاة إسطنبول

في أثناء تجولي في شوارع مدينة إسطنبول لفت انتباهي فتاة في عمر الزهور، قصيرة، شعرها أشقر، ترتدي ملابس واسعة، تقف على الرصيف حاملة ما يبدو أنها باقة من الزهور الحمراء، كانت تنتظر ظهور اللون الأحمر على إشارة المرور لكي تنطلق إلى السيارات وتبدأ بطرق نوافذ السيارات لكي توزع على ركّابها من هذه الزهور، وتلك البسمة الساحرة والغامضة في الوقت نفسه لا تكاد تفارق شفتيها، تعجبت من هذه الفتاة في البداية فقد خيّل إليّ أنها كانت تحاول كسب بعض المال، ولكنني كنت أراقب الذي يحدث، فهي تنتقل بين السيارات وتوزع على الناس الزهور وهي مبتسمة ولا تأخذ أي مقابل جراء ذلك.
عندما اقتربت هذه الفتاة الغامضة من السيارة التي كنت فيها خطرت في بالي فكرة لكي أقنعها أن تأخذ مني المال مقابل شرائي لكل الزهور، لأن شكلها كان يوحي بأنها بحاجة إلى المال لكنها لم توافق أبدا، ثم قلت للسائق أن يحاول إقناعها بأن تأخذ المال مني ولكنه عجز عن ذلك أيضا، ثم سمعتها تتكلم إلى السائق وأنا كنت منصتا ولكن لم أكن أفهم كلمة واحدة، بعد انتهائهما من الكلام نظرت إليّ بنظرة عفوية ورحلت لتكمل توزيع الزهور على السيارات التي خلفنا.
بعدها سألت السائق عن الحوار الذي دار بينه وبين الفتاة فقال: حاولت أن أقول لها أنك كنت تريد إعطائها بعض المال، ولكنها كانت ترد عليّ بنفس الإجابة دائما وهي: «قالت لي أمي أن لا آخذ أي نقود من أحد أبداً». ثم سألت السائق عن قصة هذه الفتاة الذي أثارت فضولي لمعرفة قصتها فقال: كانت لهذه الفتاة أمٌ لديها مزرعة كبيرة من الزهور في هذه المدينة وكانت دائما محبةً للخير، فقد كانت كل يوم تقطف من هذه الزهور وتوزعها على المنازل وتتجول في الطرقات، فمن تجده في طريقها أعطته من هذه الزهور ولكننا لم نكن نعلم أبدا سبب قيامها بهذا الفعل.
وكانت هذه الفتاة هي الابنة الوحيدة لهذه المرأة، بل في الحقيقة لم يكن لديها أي أولاد سوى هذه الفتاة، فقد توفي زوجها عندما كان عمر هذه الفتاة 3 سنوات، فحملت هذه المرأة على عاتقها رعاية طفلتها الوحيدة وتعليمها بنفسها، لأنه لم يكن لديها التكاليف الكافية لإرسالها لإحدى مؤسسات التعليم الموجودة آنذاك. مرت الأيام وكبرت هذه الفتاة إلى أن وصل عمرها 15 سنة، في اليوم التالي أحسّت أمها بألم شديد في ظهرها مما أدى إلى عدم قدرتها على الوقوف والمشي أو حتى النهوض من السرير، فأصبحت عاجزة تماما على القيام بأي عمل وعرفت أنها لن تقدر على توزيع الزهور مرة أخرى على الناس.

في إحدى ليالي إسطنبول الباردة نادت الأم لابنتها بالحضور معها فهناك حديث تود أن تخبرها به، جلست الفتاة بجانب والدتها المستلقية على السرير وهي تنصت إليها وهي تقول: يا ابنتي أريد منك طلبا واحدا وهو أن تقومي بما كنتُ أقوم به قبل عجزي وهو توزيع الزهور على الناس في المدينة. وهكذا ظلت هذه الفتاة تقوم بعمل والدتها في توزيع الزهور في الشوارع وعلى الناس الذين تصادفهم في طريقها، وتعود لوالدتها في المساء لتحكي لها ماذا فعلت في الصباح، وتعتني بأمها وتقدم لها الذي تحتاجه وتنال رضاها وتنطلق في الصباح الباكر لعملها.

أمجد العلوي