الأدب في مناهج التربية والتعليم

تُعبر النصوص الأدبية والسرديات في أي مجتمع من المجتمعات عن صور الحياة في ذلك المجتمع، أفكار الناس وقصصهم وتأملاتهم، واقعهم ورغبتهم في فهم الحياة والمعنى والتطلعات، فهذه النصوص ليست مجرد قصص مسلية إذا ما مثلت مشهداً أدبياً حقيقياً، بل هي أعمق من ذلك في كونها تعكس تصورات هؤلاء الأدباء والفنانين حول مجمل صور الحياة في تمثلات التاريخ واللحظة المعاصرة تطلعاً لأجل المستقبل الأفضل.
في هذا الإطار يمكن الحديث عن الحلقة النقاشية التي نظمها النادي الثقافي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بعنوان «النصوص الأدبية العمانية في المناهج الدراسية في سلطنة عُمان»، التي هدفت إلى تسليط الضوء على أهمية النصوص الأدبية العمانية في المناهج المحلية ومن ثم إعادة قراءة هذه النصوص ومدى ملاءمتها أو مواكبتها للتطلعات المتعلقة ببناء أجيال المستقبل، في ظل البحث عن القيم والمفاهيم الأمثل لصياغة الجيل الصاعد الذي يأتي في مرحلة جديدة ومختلفة من التاريخ الإنساني، تتسم بالمتغيرات على كافة الأصعدة، ما يتطلب الوعي الجديد بالتحولات والمضي في عملية التوازن المنشود بين قيم الأمس التاريخية ومتطلبات اللحظة والحضارة الإنسانية المعاصرة.
إن النصوص الأدبية حتى لو أنها تصور لنا التاريخ أو لقطات من الحاضر، فهي تطرح بشكل أو بآخر صوراً عن المجتمع وكيف ينظر للحياة، بهذا فهي تعمل على شحذ ذهن الطفل لكي يعزز علاقته بالأرض والتراب والوطن والناس من حوله من خلال مفاهيم غير مباشرة في الرؤية، كما يحصل مع أدوات التلقي المباشرة، فميزة الأدب والفنون وقدرتها الهائلة، تكمن في تجاوز التلقين إلى التأثير المعرفي الذي يقوم على تحريك الذهن ليكون قادراً على الابتكار وتوليد الأفكار والرؤية النشطة والمتجددة التي لا تركن لمجرد الحفظ والتلقي من الأساليب التقليدية في التعليم.
إن الحديث عن هذا التأثير للكتاب المدرسي من حيث ربطه بالأطر الأدبية والتصورات المعرفية والفكرية التي تعكس البيئة والمكان والمجتمع المحلي، كل ذلك لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة دراسات مستمرة في التجربة العالمية على مستويات علم الاجتماع والنفس وعلوم الأدب والقراءات الأكثر حداثة في الفنون والآداب، وأن صياغة الإنسان بالتصورات الأدبية يكون أكثر تأثيراً من خلال المزج بين بعض الأساليب المتوارثة والكلاسيكية في ربط الطفل بالقيم السمحة والأخلاق ورسالته المنشودة منه في هذا العالم، والقيم الجديدة في تدريب الطفل على كيفية الاعتماد على الذات والنجاح في الحياة عامة، وغيرها من الأهداف التي لا حصر لها مما يصبّ في الأهداف التربوية المتعددة.
لهذا فالتجويد والإحسان في إعداد الكتاب المدرسي من الناحية المتعلقة بالنصوص الأدبية، عمل ليس بالهين، يتطلب اختيارات دقيقة وعارفة، كما أن مُساءلة المسطر حالياً في المناهج يبقى أولوية ملحة، لاسيما في ظل المراجعات المستمرة للتعليم العام التي تفرضها أولويات هذا العصر والاتجاه إلى مسارات جديدة من النهضة الحديثة في المستقبل القريب التي تواكب ثقافة إنسانية صاعدة.