ظاهرة الإرهاب والصحراء الإفريقية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

بعد انحسار منظمة داعش والقاعدة في العراق وسوريا وحتى أفغانستان بدأت الأنظار تتجه إلى الصحراء الإفريقية ودول الساحل من خلال ما تم رصده مؤخرا من انتقال عدد من القيادات لتلك المنظمات الإرهابية إلى تلك الجغرافيا الخالية، خاصة في مالي وتشاد والنيجر وفي عدد من المناطق الليبية المحاذية للحدود مع تلك الدول وهناك إشارات إلى أن القاعدة القادمة لداعش بالتحديد سوف تكون منطقة الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء.

وعلى ضوء الحرب الأهلية المشتعلة في ليبيا والتوتر على الحدود الإفريقية فإن داعش سوف تجد مكانا مثاليا في مناطق صحراوية مفتوحة، ومن خلال تدفق السلاح الذي يأتي عبر العصابات التي تتاجر وتبيع السلاح ومن خلال صعوبة السيطرة حتى على الصحراء الليبية المحاذية لمصر.
وهناك تقارير موثقه تشير إلى أن المنطقة الإفريقية وخاصة دول الساحل وجنوب الصحراء سوف تشهد نشاطا مكثفا في المرحلة القادمة في ظل الانشغالات بالحرب في ليبيا بشكل خاص، كما ان النشاط الإرهابي في دول مثل تشاد والنيجر ومالي تصاعد في الآونة الأخيرة علاوة على منظمة بوكو حرام في نيجيريا.
وعلي ضوء ذلك فان انتقال ظاهرة الإرهاب إلى إفريقيا قد بدأت مع المنظمات الإرهابية المحلية وسوف يكون انتقال داعش والقاعدة إلى تلك الصحاري الواسعة منطقة مثالية لتنامي نشاط الإرهاب في إفريقيا والتي تعاني عدد من دولها مشاكل اقتصادية تحتاج إلى مناخ من الاستقرار الأمني والسياسي.

المجتمع الدولي

في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب في إفريقيا خاصة في دول الساحل وجنوب الصحراء فإن المجتمع الدولي لابد أن يتحرك من خلال التنسيق بين الدول والأمم المتحدة لمنع تصاعد تلك الظاهرة حتى لا يتكرر نموذج داعش والقاعدة في العراق وسوريا وهذا التحرك يحتاج إلى موارد من الدول الفاعلة في المجتمع الدولي علاوة على التعاون مع الاتحاد الإفريقي وقوات الإيجاد.
ظاهرة الإرهاب وانتشارها في إفريقيا سوف تشكل خطرا كبيرا على استقرار القارة وسوف تسبب مشكلات كبيره تؤثر على التنمية والأمن في هذه القارة الواعدة اقتصاديا، ومن هنا فإن الخطوة الأساسية تتمثل في إنهاء الحرب في ليبيا والسيطرة على الحدود الإفريقية لدول الساحل وجنوب الصحراء وهي مسألة تحتاج إلى موارد مالية وإرادة سياسية.
الاتحاد الإفريقي وهو من المنظمات الإقليمية الفاعلة عليه دور مهم من خلال اجتماعاته ووضع الخطط المناسبة لمواجهة تفشي ظاهرة الإرهاب في عدد من الدول الإفريقية، كما أن زحف داعش على تلك المنطقة سوف يخلق أجواء سلبية وسوف ينتشر السلاح مع المجموعات الإرهابية المحلية.
فمنظمة بوكو حرام في شمال نيجيريا لا تزال نشطة وهناك مجموعات مسلحة في مالي والنيجر وتشاد تنطلق من تلك الصحاري الواسعة والطرق الخلفية التي تفصل الحدود الليبية مع تلك الحدود.
المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمن عليه مسؤولية إنهاء الحرب في ليبيا وإطلاق حوار سياسي بين الفرقاء في برلين كما دعت الى ذلك المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وبدون إنهاء الحرب الليبية فإن خطر الإرهاب سوف يزداد في مناطق الصحراء والساحل في تلك الدول الإفريقية وسوف تكون الممرات الآمنة بين حدود تلك الدول محفزا لتلك المنظمات الإرهابية للقيام بمزيد من عمليات العنف وضرب الاستقرار في إفريقيا أو حتى جزء منها كما يحدث الآن.
والحرب علي ظاهرة الإرهاب تحتاج إلى موارد مالية كبيرة وأمور لوجستية وهي لا تتوفر لدى دول القارة الإفريقية لدول الصحراء والساحل بشكل خاص، ومن هنا لابد من التعاون الإقليمي والدولي لمحاربة تلك الظاهرة الخطيرة وانعكاساتها الكارثية على التنمية ومقدرات الشعوب في تلك الدول الإفريقية، وبدون إنهاء النزاعات الإفريقية والحروب الداخلية، فإن ظاهرة الإرهاب سوف تتعمق وسوف يكون من الصعب اجتثاثها في المستقبل، وسوف تحتاج إلى موارد اكبر تتعدى إمكانية الدول وهذا يقودنا إلى ضرورة التحرك محليا ودوليا لقطع الطريق على التحركات الإرهابية في تلك الصحاري الممتدة جنوبا وطوال الساحل جنوب تلك الصحراء.

تمويل الارهاب

الجماعات الإرهابية لا يمكنها الاستمرار دون تمويل ولعل نموذج داعش هو أبرز مثال من خلال تمدد هذا التنظيم الخطير في العراق وسوريا لسنوات حتى تم دحره مؤخرا، رغم أن بعض خلاياه النائمة لا تزال موجودة وهذا يفسر انتقال تلك الخلايا إلى دول الساحل وجنوب الصحراء وبعض المناطق في ليبيا ذات التماس الحدودي مع تشاد والنيجر ومالي وحتى مصر.
إذن التمويل هو حجر الزاوية ولابد من قطع ذلك الموارد من خلال دور الأجهزة الأمنية ومتابعة ظاهرة الإرهاب من خلال التنسيق بين الدول وتبادل المعلومات الأمنية ومتابعة مصادر التمويل أن كانت محلية أو دولية.
فهناك تعاطف شعبي من أفراد وجماعات مع تلك الجماعات الإرهابية لأسباب أيديولوجية وفكرية وأيضا من خلال وجود سياسات داخلية غير عادلة تحفز بعض الفئات للتعاطف مع تلك الجماعات وكأنها مخلصة للمجتمع من الظلم والاستبداد وهذه حقيقة تم رصدها من خلال وجود المسلحين من الرجال والنساء الذين ناصروا منظمة داعش من أوروبا والولايات المتحدة واسيا.
إذن ظاهرة تمويل الإرهاب هي الحلقة الأهم في تجفيف منابع الإرهاب المحلي والعابر للحدود، كما أن الدور الإعلامي مهم واستراتيجي من خلال التوعية والتركيز على دراسة ظاهرة الإرهاب وغرس مفاهيم وقيم موضوعية تؤمن بالحوار والابتعاد عن التشدد والقبول بالآخر.
وهناك ظاهرة التشدد التي سببها الغلو الفكري والتصادم مع الآخرين، ومن هنا فإن تحصين المجتمعات تعد أولوية قصوى من خلال دور الإعلام ووسائله المختلفة خاصة وأن سلاح الإعلام استخدم من قبل تلك المنظمات الإرهابية وبشكل مكثف ومحترف لإيصال الرسائل التي تحث على الصراع والمواجهة مع الطرف الآخر.
إن ظاهرة الإرهاب الفكري هي ظاهرة خطيرة وتتعدى المواجهة المسلحة، فتغيير الفكر هي عملية صعبة وتحتاج إلى جهود وتوعية ومتابعة، ولعل نشر القيم الفكرية المعتدلة والتربية الصحيحة على المبادئ السمحة للإسلام وترسيخ القيم الأخلاقية، هي من الضرورات التي نجحت عدد من المجتمعات في ترسيخها وهي تنعم بالأمن والاستقرار لعقود عديدة، ولعل النموذج العماني هو أبرز تلك النماذج حيث استطاع جلالة السلطان المعظم أن يرسخ تلك القيم النبيلة من خلال مجتمع متسامح ينشد الحوار وتقبل الآخر مما جعل السلطنة وهي تقترب من نصف قرن من نهضتها الحديثة واحة للسلام والاستقرار.

إفريقيا الواعدة

كل المؤشرات الاقتصادية تتحدث أن القارة الإفريقية بها من الموارد والثروات مما يؤهلها أن تصبح منطقة مزدهرة وواعدة، وهناك نماذج في هذا الصدد منها جنوب إفريقيا ذات الاقتصاد الأهم في جنوب القارة وهناك نموذج متصاعد وهي رواندا والتي تسجل أرقاما مذهلة في النمو والاستثمار بعد حرب أهلية طاحنة.
وعلى ضوء تلك الإمكانات الكبيرة فإن تحقيق ذلك الازدهار الاقتصادي لن يتحقق في ظل غياب الأمن والاستقرار، وهذا ما يفرض على دول الاتحاد الإفريقي وبالتعاون مع المجتمع الدولي أن يتحرك بقوه لضرب ظاهرة الإرهاب والتي بدأت بالظهور في دول الساحل وجنوب الصحراء.
وإذا تركت الأمور دون تحرك فسوف تواجه القارة الإفريقية مخاطر كبيرة في ظل المساحات الجغرافية المفتوحة والتي يصعب السيطرة عليها بشكل كامل، ومن هنا تأتي أهمية مراقبة الحدود الإفريقية وقطع التمويل ومتابعة منابعه المحلية والدولية وأيضا من خلال عملية تبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية في المنطقة وحول العالم حتى يمكن ضبط المشهد الإفريقي، كما أن وقف الحرب في ليبيا بشكل خاص هو مدخل صحيح لوقف التمويل وانتشار بيع السلاح لتلك المجموعات الإرهابية.
ولا شك أن القضاء على الإرهاب بشكل كلي هو عملية شاقة بسبب الجانب الفكري المتشدد، ومن هنا فإن الحل هنا هو محاربة الفكر بالفكر على المديين المتوسط والبعيد حتى تنتهي ظاهرة التطرف والغلو من قبل الأفراد والجماعات وهذه هي الحرب الحقيقية التي تحتاج إلى تضافر الجهود.
ولعل إطلاق مشروع السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني مؤخرا في جاكرتا هو إحدى الآليات والتي من خلالها يتم اختراق ذلك الحاجز من الفكر المتشدد وتطلق عملية الحوار المتبادل والتعارف بين الناس بصرف النظر عن انتماءاتهم المختلفة، وهذه العملية تحتاج إلى تكاتف المجتمعات والمؤسسات المدنية والدينية وأصحاب العقول النيرة
حتى يستقر هذا العالم بسلام وتنمية بعيدا عن ظاهرة الإرهاب والتي سببت الكثير من المتاعب للشعوب شرق العالم وغربه.