بين التعاون الأمني والتعاون الاقتصادي

صلاح أبو نار –

خلال شهر ديسمبر الجاري سوف تشهد المملكة العربية السعودية القمة الدورية الأربعين لمجلس التعاون الخليجي. وسوف تكون هذه القمة هي رابع قمة تشهدها المملكة هذا العام، ففي 30 و31 مايو من هذا العام شهدت مكة المكرمة ثلاث قمم: القمة الخليجية الرابعة الطارئة ودورة غير عادية للقمة العربية وفي النهاية القمة الإسلامية الدورية الرابعة عشرة. وخيم على مناخ قمم مايو الثلاث الصراع السياسي المتصاعد في الخليج، وسوف تندرج القمة القادمة في السياق نفسه لكنها ستندرج أيضا في سياق آخر، ينحو نحو قدر من التهدئة وفقا لمؤشرات الأزمتين اليمنية والقطرية.

وفي كل الأحوال ورغم صحة مؤشرات تلك التهدئة، لا تبدو القمة الخليجية القادمة مؤهله لاختراق أي منهما أو للأزمة الإيرانية. تخبرنا خبرة الأزمات العربية عامة، أن تلك الأزمات تصنعها وتصعدها الدول عبر صراعاتها وتحالفاتها السياسية، وإن وجدت حلا فلأن الدول ذاتها قد أعادت تشكيل سياساتها ومعها صراعاتها وتحالفاتها. وبالتالي تصبح علاقة القمم الدقيقة بتلك الأزمات، إما مجالاً للإعلان عن ما تم بشأنها خارجها وفي سياقات أخرى تماما، أو منبراً لتوطيد التحالفات وتوضيح المواقف والتعبئة السياسية، وليس مجالا تفاوضيا لصناعة الاقترابات أو الحلول القادرة على تخطيها. ولقد صُنعت الاختراقات التي مكنت بالفعل قدراً من تخطي الأزمات في الشهور السابقة على القمة، ولن تتراجع بل سوف تواصل نموها وتوطدها في الشهور القادمة، ذلك أن السياقات المصاحبة أشارت بوضوح إلى أن مصلحة الجميع تقتضي الاتجاه للتهدئة، حيث أصبحت تكلفة الصراعات عالية لكل الأطراف، ولأن السياقات الدولية أضحت معارضة تماما لاستمرارها.
والواقع أن خبرة القمم العربية العامة والإقليمية تخبرنا أنها تمارس الاختراقات السياسية الفعلية، وليس مجرد الإعلان عن مواقف متوافق عليها من قبل، في حالات معينة مثل الأزمات القومية والإقليمية الكبرى. وإذا أخذنا أمثلة من القمم العربية سنجد أمثلة في قرارات قمة الخرطوم في مواجهة هزيمة 1967، وقمة الرباط 1974 التي أقرت اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وقمة فاس التي أطلقت مشروع السلام العربي. وعلى الجانب الخليجي يمنحنا تاريخ القمم الخليجية بعض الحالات المماثلة البارزة، مثل قمة المنامة 1981 التي أطلقت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، وقمة الدوحة 1983 التي اتفقت على أسس السياسة الخليجية تجاة الحرب العراقية – الإيرانية، وقمة الدوحة 1990 التي حددت الموقف الخليجي من الغزو العراقي للكويت، وقمة الرياض 1993 التي أعلنت التأييد الخليجي لإعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير. ويبدو انعقاد القمة مناسبة جيدة للتأمل في مسيرة التعاون الخليجي وإنجازاتها والمشاكل التي أعاقت طريقها. انتهجت مسيرة التعاون الخليجي ثلاثة مسارات: المسار الأمني والسياسي والاقتصادي. وسنكتفي بإلقاء نظرة تحليلية علي المسارين الأمني والاقتصادي، من خلال الجدل النظري مع نتائج دراسة جيفري مارتيني ومعه أربعة باحثين آخرين، والتي نشرتها مؤسسة راند الأمريكية الشهيرة للبحوث تحت عنوان: «آفاق تعاون بلدان الخليج العربي» 2016.تحددت مسيرة التعاون الأمني من حيث شمولية وجوده ودرجة قوته عبر تفاعل أربع مجموعات من العوامل. مجموعة أولى تدفع بقوة صوب التعاون الأمني، سنجد أهمها في حماية أمن المنطقة ونظامها الإقليمي بموقعها الاستراتيجي كموطن لاكبر منتجي النفط وموقع لممرات عبوره البحرية إلي العالم، وحماية أمن نظم المنطقة في وجه التهديدات والتدفقات السياسية الخارجية الحادثة والمحتملة، ودعم قوة الدولة عبر توطيد مسيرة التنمية وتوسع وتكامل الأسواق الإقليمية. ومجموعة ثانية كانت تدفع لتحجيم درجة التعاون الأمني وسنجد أهمها في الحرص الطبيعي على استقلالية القرار الوطني وحماية السيادة القومية، والتفاوت فيما بين دول الخليج في مستويات وكثافة الموارد المادية والرمزية وبالتالي النفوذ السياسي والنتائج المترتبة على ذلك في مستوى تعاون الأطراف، وفي النهاية الأزمات الثنائية حول حدود الأرض والمياه الإقليمية وتأثيرها على قوة التعاون. وتتمثل المجموعة الثالثة في طبيعة الأزمات والتحديات الأمنية، وترتبط بدرجة شمولية الأزمة وقوتها أي مدى تهديدها التهديد للأمن الخليجي الجماعي. وسنجد المجموعة الرابعة في خصوصية الرؤية الاستراتيجية للدولة.
ورغم هذا التنوع في وجهة وتأثير تلك المجموعات الأربع حققت مسيرة التعاون الأمني نجاحات أساسية سنجدها على مستوى المؤسسات مع تكوين قوات درع الجزيرة 1982 والتوقيع على ميثاق الدفاع المشترك 2000.
ولكن مستوى وجودها الأهم هو السياسات الأمنية، لكنها كانت في جزء منها نجاحات متفاوتة في درجة الإجماع. سنجد تلك السياسات في الموقف المتناسق من الحرب العراقية – الإيرانية 1990 – 1991، والموقف من حرب ناقلات النفط والتوافق حول تبديل أعلام السفن، والموقف من الغزو العراقي للكويت والتوافق حول استضافة القوات الأمريكية، والموقف من أحداث 2011 وتداعياتها السياسية، والموقف من حملات التحالف الغربي ضد داعش في العراق. ولكن في المقابل سنجد سياسات حظيت بدرجة اقل من الإجماع، بحيث أضحت أقرب إلى سياسات المحاور الخليجية الواسعة منها إلى السياسات الجماعية، ونموذج ذلك الموقف من الأزمتين اليمنية والقطرية.
والأمر المؤكد أن مسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي هي المسيرة الأكثر وعدا وقدرة على الإنجاز. خصص «النظام الأساسي» لمجلس التعاون الخليجي مادته الرابعة لتحديد أهداف المنظمة علي النحو التالي: «وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين، بما في ذلك الشؤون الأمنية، والشؤون الاقتصادية والمالية، والشؤون التجارية والجمارك والمواصلات، والشؤون التعليمية والثقافية، والشؤون الاجتماعية والصحية، والشؤون الإعلامية والسياحية، والشؤون التشريعية والإدارية، ودعم عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الزراعة والصناعة والتعدين والثروات المائية والحيوانية». وتلك هي مادته الوحيدة التي تناولت وظائف المجلس، وبالنظر إلى تكوينها سنلاحظ تركيزها على المجال الاقتصادي حيث تتناول مفرداته بالتفصيل، بينما حظيت المجالات الأخرى بإشارات عامة وكعناوين. ويمكن لتلك الملاحظة أن تمنحنا مؤشرا واضحا على مركزية التعاون الاقتصادي في مشروع مجلس التعاون. وهي مركزية تبدو بديهية إذ تفيدنا الخبرات التكاملية الاقليمية انها غالبا ما تنطلق من المجال الاقتصادي، وقد تصل بعد مرحلة تطول او تقصر إلى المجالين السياسي والأمني.
وعلة أولوية المجال الاقتصادي واضحة، إذ ينطوي على منافع متبادلة وعامة وسريعة التحقق إذا ما أحسن التخطيط لمسيرته، ويبتعد عن حساسيات السياسة وعلى رأسها حساسيات السيادة القومية واستقلالية القرار السياسي.
وعندما ننظر لمسيرة التعاون الاقتصادي الخليجي منذ تأسيسه عام 1981، سنجدها مسيرة طيبة لكن بعد ما يقرب من أربعين عاما من تأسيسه لا يمكن اعتبارها قوية أومبهرة. تخبرنا الإحصائيات أن التجارة الداخلية بين دول المجلس تضاعفت مرتين منذ تأسيسه، وتصل الآن إلى 19% من إجمالي تجارته الخارجية.
وصحيح أن هذه النسبة أدنى قليلا من تجارة رابطة دول جنوب شرق آسيا 23%، لكنها أدنى كثيرا من الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا. ولكن الاستثمار فيما بين دول الخليج حقق معدلات نمو افضل.
ففي الفترة ما بين 1990 و2003 شكل الاستثمار المباشر بين دول المجلس 3% فقط من معدل الاستثمار الأجنبي فيها، ثم ارتفع في فترة ما بين 2009 و2011 إلى 23%، أي من 3.6 مليار دولار في الفترة الأولى إلى 30 مليار دولار في الثانية. وتبدو الأيدي العاملة هي الأسوأ حظا، ففي 2013 كان عدد مواطني دول المجلس العاملين في دول أخرى من المجلس لا يتعدى 35,000، أي ما يوازي نصف في المائة من إجمالي القوي العاملة.
ويعبر وضع التكامل الاقتصادي عن مفارقة، ذلك اننا لو راجعنا موقع المجلس الرسمي وألقينا نظرة على ما يحتويه من اتفاقيات ومشاريع أقرت رسميا للتكامل الاقتصادي، سوف نجد أمامنا مشاريع كثيرة تعبر عن طموحات قوية وتتسم بالطابع التفصيلي والممنهج، لكن الوضع في مجمله قابل للتفسير، دون أن يعني ذلك غياب إمكانية تخطيه، فالاقتصاديات الخليجية في مجملها تتسم بهيمنة النفط الاقتصادية، وضعف القطاعين الصناعي والخدمي، الأمر الذي يقلل من إمكانيات التبادل بينها، وحتى الآن تفتقر دول المجلس إلى أنظمة سريعة واقتصادية للنقل الاقتصادي عبر حدودها مثل السكك الحديدية، الأمر الذي يحرمها من وسائل النقل القوية والموفرة. وعلى الرغم من المشاريع المطروحة لتطوير القوانين والأنظمة المالية والنقدية الجامعة لا تزال تلك المشاريع في بدايات تنفيذها.
وفي كل الأحوال من المؤكد أن العمل من اجل الدفع بتجربة مجلس التعاون يحب ان ينطلق أساسا من المجال الاقتصادي. يدخل العالم كله الآن عصر الطاقة المتجددة، الذي لن ينطلق بكامل قوته إلا بعد ما يقرب من ربع قرن؛ فترة تبدو كافية تماما لبناء أساس وطيد لاقتصاديات ما بعد النفط، تقوم على التنوع والتقنيات الحديثة والذكاء الصناعي والاندماج في سلاسل القمة العالمية، وهو المسار الذي انطلقت فيه بالفعل أغلبية دول المجلس على رأسها السلطنة. وفي هذا السياق سوف يجد مجلس التعاون أساسا وطيدا لتكامل اقتصادي صلب ومتنوع ومتصاعد، وسيجد أيضا فيما لديه بالفعل من مخططات للتكامل صاغتها نخبة من خيرة أبناء الخليج، بدائل ممتازة للتعامل مع التوجهات الجديدة.