مجلس التعاون الخليجي.. التجربة تنتصر للمستقبل

العزب الطيب الطاهر –

«إن مجلس التعاون الخليجي، ولد ليبقى»، ما زالت أصداء هذه العبارة، والتي قالها لي عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق للمجلس، في أحد حواراته الصحفية العديدة، التي أجريتها معه قبل سنوات، تسكن ذاكرتي وتجعلني مطمئنا، بامتلاك المجلس القدرة على أن يتجاوز أي مصاعب أو تحديات، قد تواجه مساره للانطلاق للمستقبل.

ولن تكون الأزمة التي انبثقت، قبل حوالي عامين ونصف العام، بين ثلاث من دول مجلس التعاون الخليجي: السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر في الجهة المقابلة، الأخيرة، فهو كثيرا ما تعرض لأزمات وتباينات على مدار السنوات الثماني والثلاثين، التي مضت منذ تأسيسه في الخامس والعشرين من مايو من العام 1981، بإرادة جماعية من قادة دوله الست في أول قمة جمعتهم بمدينة أبوظبي.
إذن الإرادة السياسية للإبقاء على منظومة مجلس التعاون متوافرة بقوة، وذلك هو سر ديمومته، رغم تداعيات الأزمة الأخيرة، وهي الأخطر في تاريخه، فعلى الرغم من مقاطعة الدول الثلاث للدوحة دبلوماسيا واقتصاديا وسياسيا، إلا أن قطر كانت حاضرة باستمرار في اجتماعات المجلس على كافة مستوياته، بدءا من مؤسسة القمة، مرورا بالمستويات الوزارية، وصولا إلى مستويات كبار المسؤولين والخبراء، ما شكل جدارا صلبا في وجه بعض الدوائر التي توقعت أن تنزع هذه الأزمة الصلابة عن هذه المنظومة.
ولا شك أن ثمة مؤشرات إيجابية على قرب إنهاء وطي ملف هذه الأزمة، وهو ما أكده خالد الجار الله نائب وزير الخارجية الكويتي، لكاتب هذه السطور في لقاء معه بالقاهرة خلال الأسبوع الماضي، على هامش ترؤسه لوفد بلاده في الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية، على مستوى وزراء الخارجية، فعندما سألته عما إذا كانت الوساطة التي يقودها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، بشأن أزمة قطر قد أثمرت عن نتائج إيجابية، سيتم بلورتها خلال القمة الخليجية بالرياض الشهر المقبل، قال بالنص: «ما أستطيع قوله في هذا الصدد هو أن هناك جهودا متواصلة لدولة الكويت كانت وما زالت وستستمر، كما أود أن أؤكد أن هناك انفراجا وأجواء إيجابية باتت تبدو في الأفق تحيط بهذا الملف الذي نتمنى في القريب العاجل طيه وإنهائه إن شاء الله».
وفى ضوء ذلك، وفي ظل ما يبدو من خفوت أصوات الحملات الإعلامية المتبادلة، ومشاركة كل من السعودية والإمارات والبحرين في بطولة كأس الخليج بالدوحة، التي انطلقت الأسبوع الماضي، بعد قرار بمقاطعتها، فإن ثمة توقعات بأن تفضي القمة الخليجية الأربعين، التي ستستضيفها المملكة العربية السعودية خلال شهر ديسمبر المقبل، للمرة الثانية على التوالي، إلى وضع الأسس والمرتكزات، التي من شأنها أن تدفع بالأزمة إلى التلاشي في المدى المنظور، على نحو يضع منظومة مجلس التعاون على بداية سكة استعادة الفعالية والعافية بالذات على الصعيد السياسي والاستراتيجي، وإن كانت ترجمة ذلك عمليا، قد يستغرق متسعا من الوقت.
إن انطلاق منظومة مجلس التعاون الخليجي في عام 1981، لم يكن وليد لحظته، إذ دفعته إلى حيز الوجود جملة من المعطيات والظروف الإقليمية والدولية، التي تفاقمت في نهاية سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الفائت، ما جعل دول المجلس الست، تدرك أن فكرة الاتحاد تمثل فرصة سانحة وحلا أنسب للتغلب على هذه المعطيات والظروف، الآخذة في فرض سطوتها على دول المنطقة، لاسيما أنها تتماثل في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال السعي في بناء تكتل إقليمي لمواجهة التحديات التي أفرزتها المرحلة، والتي كانت أمنية بالأساس، في ظل الأجواء التي خيمت على المنطقة، مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت للأسف ثماني سنوات كانت لها تداعياتها العميقة على المنطقة، بيد أن الأسس التي وضعها قادة دول المجلس، لكيفية التعاطي مع هذه التداعيات واحتوائها، أسهمت بدون شك في تجنيب المنطقة–أي منطقة الخليج- أي آثار جانبية تنطوي على الإضرار، باستقرار دولها ومصالح شعوبها، لاسيما أن رؤى القادة تشاركت على تطوير المنظومة، وفتح فضاءات جديدة من التنسيق والتعاون والتكامل، على مختلف الصعد السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، فباتت واحدة من أكثر المنظمات الإقليمية تماسكا، وقدرة على تبنى الاستراتيجيات، وترجمتها إلى خطوات وإجراءات عملية، وضعت نصب عينها مصالح المواطن الخليجي، الذي تحقق له الكثير من تذليل الصعوبات، التي كانت قائمة على صعيد التنقل والاستثمار والإقامة وهو ما بلور المواطنة الخليجية، وكان ذلك مدعاة لبناء جسور الثقة بين منظومة المجلس والمواطن، على نحو يجعل الأخير مرتبطا بها، لأنها تتفاعل مع احتياجاته ومتطلباته اليومية.
إن ما تحقق من خطوات تكاملية على المستوى الاقتصادي وإعلان الاتحاد الجمركي، وصولا إلى السوق الخليجية المشتركة، وإن كانت الأخيرة ما زالت تتطلب الكثير من الخطوات لاحتواء بعض المعوقات- على نحو يؤسس لحالة تفاعلية بين دول وشعوب المجلس، تمكنها من أن تصبح تكتلا اقتصاديا قويا، بحكم ما يمتلكه من ثروات وموارد متنوعة لا تقتصر على المواد الهيدركربونية فحسب – النفط والغاز– وإنما هي متعددة، فضلا عن الموقع الجيواستراتيجى، ووجود أعداد هائلة من خريجي جامعات المنطقة وجامعات العالم، ما وفر قاعدة كبيرة من أصحاب الكفاءات والخبرات والمهارات، أضف إلى ذلك، أن الدول الخليجية الست أخذت، خلال العقدين الأخيرين، تتحرك باتجاه تنويع مصادر دخلها، من خلال إقامة مشروعات ومناطق صناعية وبنية تحتية، تعد الأحدث في العالم، وكل ذلك يصب في خانة بناء هذا التكتل في المدى المنظور، إن تم التخلص من بعض البيروقراطية، التي ما زال البعض يتعامل بها الأمر الذي عوق- نوعا ما- الخطوات الرامية إلى رفع منسوب كفاءة السوق الخليجية المشتركة، وذلك من شأنه أن يدفع بهذا التكتل إلى مصاف العالمية، لما يمثله من ثقل اقتصادي نتيجة إمكاناته المالية الهائلة، ودوره المحوري في أسواق الطاقة العالمية.
ولا يمكن النظر الى مستقبل منظومة مجلس التعاون، كتكتل اقتصادي فحسب، على الرغم من أهمية ذلك، وإنما من الضرورة بمكان، بناء نسق عسكري وأمنى لحماية المنطقة من تداعيات، أي حراك حربي، خاصة أنها مرشحة دوما كميدان لتنازع أطراف إقليمية ودولية، وهو ما كابدت منه على مدى العقود الأربعة المنصرمة، وهو ما بات يستدعى تطوير المنظومة الدفاعية، التي تعتمد أساسا على قوة درع الجزيرة، التي شهدت في السنوات الأخيرة تطويرا كبيرا، في قدراتها اللوجستية والتدريبية والتسليحية، فضلا عن الأفراد، لكن الأمر- حسب رؤية الخبراء- بات يستوجب توسيع مفهوم الدفاع الخليجي المشترك، على نحو يعتمد على القدرات القتالية الذاتية التي بوسعها أن تشكل ضمانا لأمن واستقرار المنطقة، بما يجعلها أقل اعتمادا على العامل الخارجي، الذي ما فتئ أصحابه يفرضون شروطهم، ويطالبون بأثمان ما يمكن أن يقوموا به دفاعا عنها.
وفى هذا السياق، فإن بعض الخبراء الاستراتيجيين المتخصصين في شؤون المنطقة، يرون أن القواعد الأمريكية المنتشرة في بعض دولها، لم تعد كافية لتأمين الحماية لها، ما دفع العديد من هذه الدول، إلى مراجعة سياساتها الخارجية، والعمل على تنويع مصادر الحماية من أطراف دولية أخرى كروسيا والصين وهو ما شهدنا تجلياته على مدى السنوات الثلاث المنصرمة.
ولتحقيق المزيد من الفعالية في الأداء المستقبلي لمنظومة مجلس التعاون الخليجي، فإنه بات مطلوبا – وفق منظور هؤلاء الخبراء – أن تسعى دولها جديا، باتجاه بناء نسق توازني في توزيع عناصر القوة فيما بينها، وفي الآن ذاته تجنب إيجاد مجالات للتنافس على النفوذ الإقليمي بين دول المجلس، هذا أولا، أما ثانيا ، فإنه من الأهمية بمكان رفض استغلال القوى الإقليمية والدولية للأزمات، التي وقعت أو التي يمكن أن تتعرض لها مستقبلا، وذلك يتطلب تقوية البيئة الأمنية والسياسية في دول المنظومة الخليجية، وتوسيع أفق المنظور التكاملي والتنسيقي والتعاوني، بعيدا عن سياسات المحاور، وأظن أن دول المجلس، باتت في ضوء خبراتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية المحيطة بها، سواء في سوريا أم في اليمن أم العراق أم في لبنان، قادرة على تلبية متطلبات هذا المسعى.