جرة قلم: هكذا بسطت كلمات الغناء الأصيل عروض الخليل وبحوره

محمود الرحبي –

حين نحبّ أسلوب أو طريقة أحد الباحثين أو الناقدين الأدبيين، بفضل تعاطيهم الأكاديمي الرزين والعميق والممتع مع الأدب وظواهره يرتفع، تلقائيا، سقف مطالباتنا غير المعلَنة، لهم، بطرْق جوانب أخرى لم يتطرقوا إليها في تأليفاتهم. في هذا السياق، تساءلت، مرارًا، ماذا لو أن الأستاذ عبدالفتاح كيليطو تناول، بطريقته الخاصة والمتفرّدة في البحث، العلاّمة الزاهد والعبقري الخليل بن أحمد الفراهيدي، على غرار ما فعل مع «المقامات» ومع أبي العلاء المعرّي وأبي عثمان الجاحظ.. لا شك في أنه واجد لنا مسالكَ وممراتٍ جديدة يسلّط عليها الضوء وينبّهنا إليها. وما دمنا قد أتينا على ذكر الخليل، راقتني كثيرًا فكرة نيّرة ابتكرها الصديق الشاعر د. هلال الحجري وطبّقها، مؤخرًا، في ورشة رعتها مؤسسة بيت الزبير، تقوم على تدريس عروض الخليل بموسيقى وكلمات فيروز وعبد الوهاب وأم كلثَوم…
لم يكن سهلاً إفهام بحور الشعر وتبسيطها لعموم الناس بدون تدخّل الفن. ويعيدنا تناول هذا الموضوع إلى السياقات الأولى التي أبدع فيها الخليل أو ابتدع بحوره المتشابكة وسقاها وحباها بما يلزم من إيقاع وتقطيع موسيقى، لنقف على تجليات عبقرية الخليل ونباهته ورهافة أذنيه وقلبه.
صاحَب «الورشةَ» عزفٌ على آلة القانون بأنامل الشاب رامي المنصوري، حتى تتبدد عن علم العروض تلك الصورة المستوحِشة التي اعترته وجعلته يصنّف ضمن العلوم «الصعبة».
وبسبب الورشة، اكتشفنا أن معظم الشعر العربي القديم مغنّى بفضل هؤلاء المطربين الكبار الذي يحترمون الكلمة الأصيلة، في الوقت الذي نشهد حاليًا انحطاطًا مخيفًا، في الكلمة كما في اللحن، الذي يكون -في معظمه- بغرض الرّقص الرخيص والإغراء الجسدي، والذي تتحول المرأة في غضونه إلى مجرّد سلعة إغراء، أي أنه يتمّ تشييئها وتجريدها من إنسانيتها وعواطفها وخجلها، لتتحول إلى مجرّد كتلة لحم لأهداف تجارية أبعدَ ما يكون عن روح الفنّ الأصيل وجماليته ورسالته/‏ رسائله.
فعلى سبيل المثال يمكن معرفة بحر الرمل من خلال
استحضار بيت قصيدة غنتها أم كلثوم قال ناظمها في مطلعها:
وفّق الله على النور خطانا
والتقت في موكب النصر يدانا
وقال في آخر: بارك الله خطانا وسرت صيحة الفجر فلبّينا الأذانا..
وقال الشاعر الأندلسي لسان الدين الخطيب في بيت من رائعته «جابك الغيث» التي غنّتها فيروز:
في لَيالٍ كتمت سرّ الهَوى * بالدّجى لولا شموسُ الغُرَر
مالَ نَجمُ الكأس فيها وهَوى * مُستقيمَ السّير سَعدَ الأثر…
إلى أن يقول:
جادَك الغَيثُ إذا الغيث هَمى * يا زمانَ الوصل بالأندلُس
لَم يَكُن وَصلُكَ إلَّا حُلُمًا * في الكَرى أو خَلسةَ المُختَلس!
ومن بحر المقتضب، أبدع أبو نواس هذه الأبيات، التي لم تكن فيروز اقلّ منه إبداعا وهي تؤديها بإحساس مرهف وصوت لا يتكرّر:
حاملُ الهوى تعِبُ * يستخفّه الطربُ
إِن بكى يُحَقّ له * ليس ما به لعبُ
تضحكين لاهية * والمحبّ ينتحبُ
تعجبين من سقَمي * صحّتي هيَ العجبُ!
كلّما انقضى سبب * منك عاد لي سببُ..
وفي بحر الرجز نظم «شاعر المرأة» نزار قباني قصيدة منها هذه الأبيات، التي أدّاها العديد من عباقرة الطرب العربي، منهم فيروز:
لا تسألوني ما اسمه حبيبي ** أخشى عليكم ضَوعةَ الطيوبِ
واللهِ لو بحتُ بأيّ حرف * تكدّسَ الليلكُ في الدّروبِ
تروْنه في ضحكة السواقي * في رفّة الفراشة اللعوبِ
في البحر في تنفّس المَرَاعي * وفي غناء كلّ عندليبِ
ومن بحر الخفيف، أدى محمد عبد الوهاب قصيدة لـ«أمير الشعراء» يقول مطلعها: خدعوها بقولهم حسناءُ * والغواني يغرّهن الثناءُ
أتراها تناست اسمي لما * كثرت في غرامها الأسماءُ
إن رأتني تميل عني كأنْ لم * تكُ بيني وبينها أشياءُ
نظرة فابتسامة فسلام * فكلام فموعد فلقاءُ
ومن الخفيف ننتقل إلى بحر المتدارك، لنعود إلى أغنية أدّتها فيروز بتميّزها المعهود، من كلمات الحصري القيرواني يقول في مطلعها
يا ليلُ الصبُّ متى غدُه * أقيامُ السّاعة موعدهُ
رقدَ السّمارُ فأرَّقه * أسفٌ للبيْن يُردِّدهُ
فبكاهُ النجمُ ورقّ له * ممّا يرعاه ويرصدهُ
كلِفٌ بغزال ذي هَيَف * خوفُ الواشين يشرّدهُ
ومن نظم صفي الدين الحلي في بحر الرجز غنّت «كوكب الشرق» أم كلثوم للشاعر الشاب الظريف:
مثلُ الغزال نظرة ولفتةً
مَن رآه مقبلا ولا افتتنْ