«ترويض الجمهور».. هل يتقاطع مع المسألة الأخلاقية؟

أحمد بن سالم الفلاحي –

تمثل المسألة الأخلاقية حالة شديدة الحساسية إلى درجة الارتباك عند الحديث عنها، ذلك لأنها ترتبط بأخلاقيات الفرد، وسلوكياته، التي يتقاسمها مع الآخرين من حوله، وبالتالي فهو مقبول لديهم إذا توافقت أخلاقياته مع الرؤية التقييمية منهم له، أو رفضها بالمجمل إذا لم تتوافق معهم؛ وفق ذات التقييم أيضا،
ولأن المسألة الأخلاقية مسألة نسبية إلى درجة كبيرة، فإنه يصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الحكم المطلق لهذه الحالة، وتظل على نسبيتها أسلم، سواء قبلها الطرف الآخر، أو لم يقبلها، وللوصول إلى مستوى من التوافق بين مختلف الأطراف في هذا الجانب، وجدت مجموعة من المخارج كمناهج، وبرامج، تلزم بعض الأطراف في ظروف خاصة، أو حالات خاصة بضرورة تعلمها، والتدريب عليها، حتى تخرجه من مأزق الاختلاف في مثل الظروف الخاصة بها، وبعد أداء واجبه يظل حرا، في التمسك بها، أو رفضها جملة وتفصيلا، وهناك من يمتهن بعض المهن التي تجبره على الامتثال الدائم لسلوكيات محددة، تحت عناوين معروفة: «كالبرتوكولات» و«الإتيكيتات» و«برامج التوعية» المختلفة، ومع طول الممارسة يتلبسها، وتصبح عادة سلوكية تصل إلى مستوى العلاقات العضوية بينه وبينها، أي جزء لا يتجزأ من سلوكه اليومي، والخطورة هنا، أن ينظر إلى جميع الناس بضرورة أن يكونوا مثل ما هو عليه، أو لا يقبل منهم أي سلوك خارج عن ذلك، وعادة ما يكون هذا الشعور عندما يكون في موقع المسؤولية.
والأمة بمجملها-دائما- تمتحن في سلوكيات أفرادها، حيث تصدر الأحكام، والتقييمات بناء على توظيف هذه السلوكيات في مجملها على الواقع، حيث يشار في ذلك إلى البلد، أو المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد، وقد يساء الفهم في هذا الجانب كثيرا، للحكم المطلق العام والشامل على الجميع، من مجرد سلوك فرد، أساء في توظيف سلوكه عند الآخر، وبالتالي، حتى يلغى الحكم العام يتطلب الوصول إلى البلد الأم، لمعرفة الحقيقة كما هي، وهذا ما لا يتأتى للكثيرين من الناس البعيدين عن مجتمع هذا الفرد أو ذاك، ومن فرط توظيف السلوك السيئ خارج وطن الفرد، اتخذت مواقف، وقرارات مهمة تجاه الدول التي ينتمي إليها الأفراد الذين أساؤوا السلوك في البلد المضيف، وهذه من أنكى المواقف، وأخطرها، وأسوأها، وتلافيا لتجاوز توظيف السلوك السيئ من قبل البعض، تعمد بعض المؤسسات إلى توقيع الفرد على تعهد بعدم الدخول إلى متون الممارسات السيئة عندما يكون خارج وطنه، وينطبق هذا الإجراء على الطلبة المبتعثين؛ على سبيل المثال؛ وأتوقع؛ ولست متأكدا؛ أن بعض الموظفين يقومون بذات الإجراء، خاصة أولئك الذين يعملون في السفارات.
ومع خطورة ذلك يبقى من الصعوبة بمكان ترويض الجمهور لكي يكون على سلوك رشيد لجميع أفراده، فهناك عوامل كثيرة تتحكم في ذلك، منها التربية الأسرية، وأخلاق الفطرة، وتشعب الجمهور، وعدم تقبل السلوك المفروض بقوة التوجيه، حتى ولو كان على شكل نصائح، ومواعظ، لأن القناعات لا تتوافق بالجمل عند جميع أفراد المجتمع، فما يقبله واحد، يرفضه العشرات، ولذلك تظل المسألة الأخلاقية من أعقد المسائل في الفهم الاجتماعي، مع أن أفراد المجتمع في حالتهم الفردية، يؤمنون بأهمية السلوك الرشيد، ويعتبرونه مقوما مهما من مقومات الحياة، وأساسا مهما من أسس العلاقات القائمة بينهم، وينظرون إليه بشيء من التقدير، والتبجيل والاحترام، ولا يتنازلون عنه «قيد أنملة» لأنه الوحيد الذي يقوّم حياة المجتمع، ويعلي من سقف مكانة الفرد في المجتمع، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالزواج؛ على سبيل المثال؛ يحل سلوك الفرد لكلا النوعين (الولد/‏‏ البنت) كأهم محدد لإتمام الزيجة من عدمها، تبذل في مرحلة الخطبة الكثير من الجهود للسؤال من كلا الطرفين، وذلك كله خوف الوقوع في مطب السلوك السيئ لأي منهم، وتقويض الحياة الزوجية حاضرا أو مستقبلا؛ لأن الحياة الزوجية حياة أبدية لكلا الزوجين، إلى أن يودع أحدهما الآخر إلى مثواه الأخير.
والسؤال هنا من الذي يحدد هذا السلوك أو ذاك على أنه مقبولا، أو غير مقبول، هل هي القيم الاجتماعية، أم الأدوات الرسمية لبعض الممارسات، أم تخضع للمنهج التربوي الذي يفصّل الكثير من ممارسات السلوك، ويصنفها على أن هذا سلوك راشد وقويم، وهذا سلوك رديء وسيئ أو معوج؟ مع أن الصورة العامة تحتمل الوجهين لكل الأفراد، فليس هناك فرد نقي، مهما بلغت به درجة النسب؛ كما ينظر البعض؛ فالمتناقضات صفة رئيسية عند كل فرد في هذه الحياة، فكما يصيب يخطئ، والعكس صحيح أيضا، وبالتالي حمّل ممارسة السلوك في ظرف ما، على أنه سيئ، أو أنه صواب، سيخضع لكثير من الاعتبارات الاجتماعية؛ لأن المقياس هنا- أغلبه- مقياس اجتماعي صرف، حيث كل مجتمعات الدنيا، لها مقاييس معينة لذات السلوك، وهي تختلف في الحكم عليه، فما يتوافق من سلوك مع ثقافة مجتمع ما، لا يتوافق ذات السلوك مع ثقافة مجتمع آخر، وبالتالي فما يعده مجتمع ما؛ وفق ثقافته؛ على أنه «قلة أدب» يراه مجتمع آخر؛ وفق ثقافته؛ مقبولا إلى حد كبير، ومشجعا عليه، ولكن كل المجتمعات تتفق على أن بعض السلوكيات سيئة، ويحاربها الجميع، لا فرق بين مشرق ومغرب، وخاصة تلك السلوكيات التي تتصادم مع الفطرة الإنسانية.
تفرض بعض الأماكن سلطتها على سلوك الجمهور، فتتيح شيئا من الحرية، وتقلص من مستواها في مواقف معينة، ومن هنا-كما أتصور- جاءت مفاهيم حديثة في تقنين السلوك، مثل مفهوم الإتيكيت، ومفهوم «البروتوكول» فما الذي يدفع فلانا من الناس أن يخضع نفسه لمنهج «الإتيكيت» مع أنه نشأ في بيئة أخلاقية تمثل فيها الحرية أحد استحقاقات البقاء؟ ذلك لأنه يريد أن يعيش في مجتمع متعاون، ومتفق على مجموعة القواعد والنظم التي تعينه على البقاء والاستمرار، فالمسألة التواصلية بين الأفراد لا ينظر إليها من زاوية «الحرية المطلقة» ولا «اللا مبالاة» وإنما لا بد أن تتوافق، وتتقارب إلى الحد الذي يلغي الفروقات بين أبناء المجتمع، ويفعّل من تصالحهم مع ذواتهم، وقد سبق المنهج الرباني جميع الترتيبات والنظم التي يتخذها الإنسان لكي ينظم حياته وفق مفهوم «الإتيكيت» فالشرع الحكيم، أمر بغض النظر، وبعدم البوح بأسرار المنازل، وبآداب كثيرة عند دخول منازل الآخرين، وإلى إنزال الناس منازلهم التي يستحقونها، وإلى احترام الكبير، والعطف على الصغير، وإلى إجلال قدر العلماء، وإلى شكر الآخرين، وعدم نكران الجميل، حيث فصل كل هذه الآداب، في كل جزئيات حياة الأفراد، وفي علاقاتهم المختلفة، ويأتي مفهوم «البروتوكول» كواحد من الأنظمة الصارمة لتقنين السلوك، وهو ينحى المنحى الرسمي، أكثر منه اجتماعيا، وله أماكن خاصة، ومناسبات خاصة، ولعله من أكثر الأنظمة المتعارف بها على المستوى الدولي، وإذا كان «الإتيكيت» خاضع للمسألة الاجتماعية أكثر، وبالتالي تختلف المجتمعات وتتفق في آلياته وإجراءاته، فأتوقع أن «البروتوكل» يقترب أكثر في الفهم والتطبيق عند جميع الشعوب، لعلاقته المباشرة بالجانب الرسمي، يعاني السلوك العام الـ «مشاع» من مجابهة الترويض، ذلك أنه سلوك «مملوك» وغير مقنن، ولا يخضع كثيرا للمنهج، فهو ملك صاحبه يكيفه بالصورة التي تتفق مع أمزجته، واتساع حريته في الممارسة، كما أنه كثيرا ما يكون مرتبط بالقناعات التي يؤمن بها الفرد، وكثير منهم لا يشترط أن تكون ممارسة سلوك ما تتفق ومع رضا الآخرين حتى تحظى بالرضا، أو لا تتفق مع رضا الآخرين حتى تجابه بالنقد، وذلك ترى كثيرا ما يضربون بعرض الحائط لأي توجيه يصدر بتقويم سلوك ما، ومن ذلك تعاني بعض الجهات المعنية بتوجيه التوعية والإرشاد من عدم تقبل الجمهور لأي توجيه في ذات السياق، وبالتالي حتى تترسخ القناعة تحتاج إلى جهد مضاعف تبذله هذه الجهة أو تلك، والشيء ذاته ينطبق على الأسرة في ترويض أبنائها الذين للتو يبدؤون حياتهم العامة.
أختم هنا؛ بطرح السؤالين التاليين: إلى أي حد يساهم هذا الترويض في خدمة المجتمع، ويساهم في الحد من تراكم الأخطاء والممارسات السلوكية المختلفة، اتساقا مع ما تدعو إليه مختلف النظم والبرامج الذاهبة إلى تعزيز الخدمات المسخرة للجمهور من ناحية، وإلى إضفاء نوع من التنسيق والاحترام للذوق العام؟ وهل الترويض الأخلاقي هو للسلوك المادي الذي يصدر عن الأفراد قصدا أو من غير قصد، يشمل أيضا النصوص الأدبية؛ أغلبها؛ بحيث لا تتصادم مع قيم المجتمع، ولا مع الثوابت المجتمعية والدينية، والسيادية، أم أن النص المكتوب هو ملك صاحبه مهما كان الأسلوب الذي كتب به، حيث لا يخضع لمقياس الترويض؟.