العصر الرقمي .. فرصة للرفاهية أم مصدر للشقاء؟!

د. عبدالعاطي محمد –

أصبحت الثورة الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لا فقط من واقع الإقبال المذهل على اقتناء الأجهزة الذكية للتواصل والترفيه، فهذا أبسط صورها، وإنما من واقع الاهتمام الذي لا ينقطع ساعة واحدة من النهار من جانب المؤسسات الحكومية والدولية المعنية بمختلف مجالات الحياة، لجني ثمار هذه الثورة الرقمية فيما يتعلق بامتلاك كل وسائل القوة سواء على صعيد الاقتصاد أو الإدارة أو العلوم الطبيعية أو الخدمات أو المعدات العسكرية. فلا مبالغة إذن من القول إن العالم أجمع يعيش الآن ما أصبح يسمى بالعصر الرقمي، قديما كان أم جديدا.
لتقريب المعنى، توصل العقل البشري الحديث إلى تحويل البيانات والمعلومات والصور وغيرها من أشكال التعبير عن الأفكار والأشياء إلى رموز ثنائية ضمن سلسلة تحتوي على الرقم صفر والرقم واحد، ثم يعاد فكها مرة أخرى لتعود إلى أصلها وتظهر على أجهزة الحاسوب.
وتزامن التطور المذهل في أجهزة الحاسوب مع ثورة أخرى في عالم الاتصالات أبرز صورها شبكات الإنترنت التي جعلت التواصل سريعا لدرجة لا تقل ذهولا عما حدث من تقدم في أداء أجهزة الحاسوب. وهكذا أصبحت المعلومات أيا كانت قيمتها متاحة لكل البشر بلا فواصل أو حدود، وفي اللحظة التي ينقر فيها المرء زرا في جهازه أو لمسة على هاتفه المحمول!.
وربما بدا الهدف إبهار الإنسان المعاصر بتكنولوجيا تحقق له المزيد من الترفيه أو التواصل اللحظي مع الآخرين في فضاء الجهات الأربع من العالم، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما حيث الإبهار في هذا النطاق ظل أحد المخرجات التي تأتي متأخرة في سلم الاهتمام بالثورة الرقمية، وإنما الأهم هو استغلال هذا التطور المذهل في التعامل مع المعلومات في تطوير كل مجالات الحياة البشرية، وهكذا تسارعت وتيرة البحث من جانب العقل البشري الحديث عن الأفضل ثم الأفضل في ابتكار برامج أو تطبيقات رقمية تقدم كل ما هو جديد تماما بدءًا من مجالات الاقتصاد والإدارة إلى الاتصالات مرورا بعوالم الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والبيولوجي وصولا بالطبع إلى عوالم الأسلحة والفضاء. العامل الأساس وراء هذا التحول في مسيرة الإنسان المعاصر هو البحث عن المعرفة ليس من باب التعلم وزيادة الخبرات مع أن هذا ضروريا بالطبع، وإنما باعتبار المعرفة في حد ذاتها عنصرا جديدا من عناصر الإنتاج بجانب العمل ورأس المال، بل ربما لا تكون هناك مبالغة في النظر إلى المعرفة على أنها العنصر الرئيس. والمعنيون اليوم بتقدم المجتمعات لا يلتقون مستندين إلى هذه الأيديولوجية أو تلك (يضعونها وراء ظهورهم)، وإنما لتبادل الخبرات في كيفية استغلال المعرفة كأداة أساسية في زيادة الإنتاج ورفع مستوى الخدمات. وما كان لهم ذلك لولا الإمكانيات الضخمة التي وفرتها الثورة الرقمية وثورة الاتصالات.
ومع أن هذا التطور القائم على المعرفة المستندة للتقنية الرقمية يحدث كل يوم في المجالات المذكورة سلفا، إلا أن الاهتمام بمتابعته وإلقاء الضوء عليه يتركز في مجالات الاقتصاد والسلاح والتعليم والترفيه (الهواتف الذكية). وإذا استثنينا المجال الأخير (الترفيه) باعتباره أمرا غير تأسيسي في التعامل مع المعرفة كإحدى أدوات الإنتاج، فإن المجالات الأخرى هي موضوع عشرات إن لم يكن المئات من المؤتمرات التي تعقد في العالم سنويا ومحورها الرئيس هو التقنية الرقمية.
وما الإشارة إلى الترفيه إلا تعبير عن كونه ظاهرة سلبية كانت أم إيجابية، والدليل أن أرقام المبيعات من الهواتف الذكية (والأقل ذكاء) تصل إلى المليارات (عدد سكان العالم اليوم نحو 8 مليارات نصفه على الأقل يستخدم الهواتف النقالة بينهم نسبة كبيرة تتسابق على اقتناء كل جيل جديد من الهواتف الذكية.
وقد قرأت مؤخرا مقالا للدكتور محمود محيي الدين نائب رئيس البنك الدولي منشور في صحيفة الشرق الأوسط (20/‏‏11) تناول فيه خلاصة ما خرج به من مشاركته في مهرجان التقنية المالية بسنغافورة.
واستهل مقاله القيم بالتأكيد على أهمية ما أحدثته ولا تزال تحدثه التقنيات الرقمية في الاقتصاديات العالمية ومحذرا بشكل غير مباشر من تأخر منطقتنا العربية في اللحاق بما يجري من تغيرات في هذا المجال وما يسببه ذلك من تحديات ومخاطر. وفي تقديره – وفقًا لمداخلات المشاركين (جاءوا من مختلف دول العالم) – أنه حدث تغير في أربعة روافد اقتصادية، هي أولا تشكيل كيانات جديدة للتقنية المالية لا عهد للأسواق التقليدية بها، حتى أنه استمع إلى عدد من مطوري البرامج يؤكدون أنه أصبح بالإمكان تأسيس بنك رقمي متكامل الخدمات في أقل من 24 ساعة!!. وثانيا أن هناك هيئات للرقابة المالية والبنوك المركزية تحاول اللحاق بالتطورات الهائلة لشركات التقنية المالية، وذلك باستخدامها أساليب وإجراءات للتقنية الرقمية. وثالثا أهمية التقنية الحكومية في إشارة لضرورة التخلص سريعا من الوسائل اليدوية القديمة. ورابعا ضرورة تحقيق التقنية المجتمعية، أي الاستثمار في البشر للاستفادة من مستجدات العصر الرقمي.
ولا شك أنه من الطبيعي أن يخطف الاقتصاد الأنظار المتابعة لتأثيرات الثورة الرقمية، فهو أقرب المجالات إلى حيثياتها أو مقوماتها والمجال الأكثر استفادة وسريعا من إيجابياتها، ولكن هذا لا يعني أن المجالات الأخرى بعيدة عنها، وهنا فإن سباق التسلح يتضمن تنافسا شرسا بين القوى الكبرى المنتجة له منذ القدم، والمعروف أن شركات السلاح هي التي لها زمام المبادرة دائما في توفير سبل الابتكار والاختراع القائمة على أحدث ما يتوصل إليه العلم، وتستفيد منها في تطوير منتجاتها. وكثير مما قدمته شركات السلاح دعمًا للعلم والمعرفة انتقل لاحقًا إلى المجالات المدنية. وإذا كان هذا هو الحال قبل الثورة الرقمية، فليس غريبا أن يزداد التنافس فيما بعد هذه الثورة. والمتابع البسيط لمنتجات السلاح المعاصرة لا يصعب عليه إدراك استفادتهم الكبيرة من مخرجات الثورة الرقمية، يحدث هذا على سبيل المثال لا الحصر في أنواع الطائرات والصواريخ، ولنا أن نتأمل ظهور الطائرات الدرون التي تعمل ويتم توجيهها بأحدث ما أفرزته الثورة الرقمية. وأما عن التعليم فإنه حديث كل بيت في أي مكان من عالم اليوم، ليس بالنظرة القديمة التي تعتمد فقط على المعرفة المنظمة والمدرس وبمناهج محددة قد تكون ثابتة، وإنما بإدخال الثورة الرقمية إلى دور العلم المختلفة، أو بمعنى آخر استبدال الحاسوب بالكتاب، وتطوير ذكاء الطالب وقدرته على ابتكار أفكار تصلح في ذاتها لتكون مصدرًا للإنتاج وتحسين الخدمات (إنتاج المعرفة). ولنا أن نتذكر التقرير الذي صدر عام 1983 في الولايات المتحدة وقت رئاسة رونالد ريجان وكان يحمل عنوان «أمة في خطر». وكان موضوع التقرير هو تدني مستوى التعليم في الولايات المتحدة، مما اعتبره ريجان خطرا قوميا، فأصدر أمرا إلزاميا بخطوات إصلاحية في مراحل التعليم قبل الجامعي (المدارس) حكومية كانت أم محلية أم فيدرالية. ومنذ ذلك الوقت أصبح التنافس شرسا بين الدول المتقدمة والصاعدة في مجال التعليم. واليوم مع المخرجات الهائلة للثورة الرقمية أصبح التنافس يقاس بالساعة أو الدقيقة وليس فقط باليوم أو الشهر أو السنة!. الوعي بكل ما سبق مهم وضروري من جانب الحكومات والشعوب العربية، ومن المؤكد أن الوعي والاهتمام متوفران، وهناك تجارب ناجحة، وأخرى على الطريق، للاستفادة من الثورة الرقمية، كل وفقًا لإمكانياته وظروفه، ولكن المشكلة هي في الوجه الآخر لمخرجات هذه الثورة الرقمية، أو بمعنى صريح الوجه الخطير والقبيح لها. وليس ذلك ادعاء أو زعما. فاختراع الديناميت مثلا من جانب السويدي ألفريد نوبل تم استخدامه أساسا في أعمال شق الطرق والبحث عن النفط وفي المحاجر، وأوصى صاحبه بأن يكون استخدامه سلميا وخصص جائزة للسلام معروفة باسمه، ولكن فيما بعد أصبح سلاحا قاتلا!، وظهور القنبلة النووية كان ولا يزال وبالا على الإنسانية. ولا شك أن الثورة الرقمية تمنح المعنيين بإنتاج السلاح فرصا كبيرة لاختراع ما هو أشد فتكا. وبافتراض أن مجال التسلح من الممكن السيطرة عليه (المعتاد ليس نزع السلاح وإنما ضبط التسلح)، فإن التأثير الضار للثورة الرقمية على المجالات المدنية يأتي من ثلاثة جوانب: الأول يتعلق بما يسمى «البشر الافتراضيون» الذين يصبحون المنتجين الحقيقيين للمعرفة وليس المؤسسات والخبراء والجهات التي تعلن هويتها. وذلك لأن من أبرز معالم الثورة الرقمية أنها تتيح المعلومات والبيانات على نطاق عابر للحدود أي دون أي قيود وبشكل سلس وواسع النطاق، ويستطيع هؤلاء البشر توفير الصالح والطالح معا لبقية الناس أي الخير والشر. ولعل استخدام الجماعات الإرهابية لمخرجات الثورة الرقمية واحد من الأضرار الخطيرة، ناهيك عن نشر ما يدمر الأخلاقيات والأعراف. وأما الشق الثاني فإنه ذو طبيعة سيادية وأمنية، حيث تصبح سيادة الدول منتهكة كل لحظة وتتصاعد المشكلات الأمنية فيما بينها، وكثيرا ما تتم صناعة صراعات معينة بفعل آليات التقنية الرقمية. وأما الجانب الثالث من الأضرار فإنه يتعلق بالتباين الشديد في قدرات المجتمعات على امتلاك مقومات الثورة الرقمية، ليس فقط لتراجع التعليم، وإنما أيضا لضعف المقدرات القومية.