الأيام :الأزمة الإسرائيلية ليست أزمة حكومة

في زاوية آراء كتب الدكتور عبد المجيد سويلم مقالاً بعنوان: الأزمة الإسرائيلية ليست أزمة حكومة، جاء فيه:
في الظاهر تبدو الأزمة الإسرائيلية وكأنها تتركّز في صعوبات تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد جولتين انتخابيتين. وتبدو هذه الأزمة وكأنها- هذه الأيام- الاتهامات التي وجهها المستشار القضائي لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو وما استتبع ذلك من جدل (قانوني) حول «دستورية» بقائه في الحلبة السياسية، وبما يتصل بتولّيه منصب رئيس الوزراء سواءً بالاتفاق أو بنتيجة انتخابات «ثالثة»، ربما تكون قادمة في غضون عدة أشهر قادمة. فهل هذا هو جوهر الأزمة الإسرائيلية حقاً؟
للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نستخدم فرضيات معينة علّها تساعدنا في الإجابة عنه. دعونا نفترض أن نتانياهو رحل، أو تم «إجباره» على الرحيل. فهل سيرحل دون أن تحدث في اليمين الإسرائيلي هزّة مدمّرة؟ سؤال آخر: هل ستكون هذه الأزمة «فرصة» لتشكيل يمين جديد من المستوطنين واليمين الجديد وجماعات كاهانا ومن غلاة التطرف الديني، وأصحاب منهج «الشريعة» اليهودية أم لا؟.
وإذا كان مثل هذا الاستنتاج وارداً ومرجحاً، فهل «سيقبل» هذا اليمين المتحرر من آخر «ليبرالي وعقلاني» يميني باللعبة الديمقراطية، أم أنه من المحتمل أن يعمل بكل الوسائل المتاحة، أم التي يمكن أن تتاح له للانقضاض عليها؟!.
ألم نقرأ أن أنصاراً مثل هؤلاء من غلاة التطرف والعنصرية والاستيطان قد تسللوا في السنوات الأخيرة إلى مراكز معينة وحساسة في المؤسسات العسكرية والأمنية في إسرائيل…؟ ثم سؤال آخر عن ليبرمان: ألم يمتنع ليبرمان عن المشاركة في حكومة بقيادة نتانياهو بسبب تحالفه «أي نتانياهو» مع «الحريديم»؟!.
أليس معنى هذا أن ليبرمان بالرغم من كل يمينيته المفرطة ومواقفه المتطرفة ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ألم يطرح ليبرمان على جدول الأعمال القادم في إسرائيل بنداً حول دور «أنصار الشريعة اليهودية» في إسرائيل؟ ألسنا والحالة هذه أمام منعطف كبير يتعلق بأسس ومرتكزات إعادة بناء النظام السياسي، وبمستقبل العلاقات بين المكونات السياسية الرئيسية في الدولة الإسرائيلية؟!.
وبالمقابل: هل أن تحالف الوسط قادر على الهروب من الإجابة عن هذه الأسئلة، فيما لو قدّر له الإمساك بزمام الأمور في إسرائيل؟!.
وهل لدى هذا «الوسط» برامج حقيقية للتعامل مع الفرضيات التي تبدو أنها ليست نظرية خالصة، بل هي في واقع الأمر فرضيات حقيقية وواقعية أكثر من كونها «استدلالية»؟، أليس من المرجّح أن يرتبك هذا «الوسط» أمام «جموح» اليمين المتطرف نحو «التمرد» على الديمقراطية في إسرائيل، وأن لا يبقى واحداً وموحداً ومتماسكاً؟!.
وحتى لو بقي واحداً وموحداً ومتماسكاً حيال هذه المسألة بالذات، وحتى لو أن ليبرمان اصطفّ واندرج مع هذا الوسط في معركة الدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية، فهل سيتمكن هذا «الوسط» من «الصمود السياسي» في حال ان سقطت الترامبية في الولايات المتحدة، وفي حال تعزيز دور هذه الترامبية بالمقابل؟!.
ما هي الخطوط المتماسكة أو «الثوابت» السياسية لـ «الوسط»؟! أليست هي قريبة وربما متماثلة مع «ثوابت» اليمين «الليبرالي والعقلاني»؟ بل أليست هذه «الثوابت» في جزء منها على الأقل جزءاً من «ثوابت» اليمين المتطرف؟!.
أقصد أن أزمة تشكيل حكومة في إسرائيل هي مجرد تعبير عن أزمة أكبر وأعمق بكثير مما تبدو عليه الأمور من على سطح الأحداث الدائرة فيها.
هذه الأزمة تحدث للمرة الأولى منذ قيامها، وهي وإن تشابهت في بعض مظاهرها مع الأزمة التي أعقبت الانقلاب اليميني الكبير في العام 1977، وتتشابه إلى هذه الدرجة أو تلك مع بعض المنعطفات التي مرت بها إسرائيل بُعيد اغتيال إسحاق رابين، ولكنها اليوم لا تتشابه من حيث العمق ومن حيث ما تعكسه، وما ستؤدي إليه، وما يمكن أن يترتب عليها من تحولات وتغيرات مع أي مختنق سياسي مر بإسرائيل منذ تأسيس الدولة العبرية.
كل الطبقة السياسية في إسرائيل تهرب من الحديث عن حقيقة الأزمة وكل السياسيين أو غالبيتهم يستطيبون هذا الهروب، باستثناء نسبي من قبل ليبرمان، والجواب عن سؤال: لماذا يهربون؟ هو جوهر الأزمة التي تمر بها إسرائيل في الواقع.
يهربون لأن إسرائيل استطاعت أن تتهرب من الإجابة عن هذا السؤال، لأن التهرب كان ممكناً، وكان مريحاً، ولم يكن مكلفاً، ولم تكن الأمور قد وصلت في «حقل» التحولات في البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي في التعبير السياسي عنها… إلى ما وصلت إليه اليوم، ولم تكن قد وصلت إلى مستوى «النضج» الذي نراه اليوم.
لاحظوا، أرجوكم المؤشرات التالية: المهاجرون من إسرائيل غالبيتهم الساحقة من الشباب ومن العلمانيين والذين ضاقوا ذرعاً بالحياة «الطبيعية» في إسرائيل.
القادمون الجدد غالبيتهم الساحقة من أصحاب الأفكار التوراتية والتديّن القومي. معدلات الإخصاب لدى «الحريديم» تزيد على 2.5% من معدلات الإخصاب لدى أنصار العلمانية والتعقل والحريات.
«أثمرت» ـ والأصح أن نقول استبرزت ـ سياسة الاستيطان مئات آلاف المستوطنين الذين باتت لهم مصالح اقتصادية عميقة في سياسة الاستيطان، إضافة إلى تمكينهم من التغول والتطرف وإرضاء شهواتهم العقائدية والخرافات التي تقوم عليها هذه الشهوات.
هناك ما يقارب المليون شخص في إسرائيل، إما هم من المتدينين الذين يريدون البقاء في كنف رعاية الدولة لهم، أو هم يعتاشون على هذا الدعم من الحكومة إلى درجة أن انقطاع هذا الدعم عنهم سيعني التشرد الاقتصادي في نهاية المطاف، إضافةً إلى «التشرد» السياسي والثقافي.
هذا كله بدون أن تمر إسرائيل بأي أزمات اقتصادية كبيرة حتى الآن، ولا حروب كبيرة ومدمّرة.
لنتصور معاً لو ترافقت كل هذه المؤشرات ومحصّلاتها مع أزمة اقتصادية جدية؟! أو تحديات أمنية داهمة. أزمة إسرائيل أعمق وأكبر بما لا يقاس من أزمة تشكيل حكومة. والهروب منها لم يعد سهلاً ولا متاحاً، وكلفة الهروب توازي كلفة التصدي لها.