نوافذ :عندما ينجح الصغار

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تعاني كثير من الإدارات اليوم من ظاهرة؛ ليست غريبة؛ ولكنَ بقاءها مزعج إلى درجة كبيرة، وهي مقاومة التغيير، ولو كان هذا التغيير يذهب إلى الصالح العام، وإلى إحداث نقلة نوعية في الأداء، وفي النتائج، وخاصة في الإدارات الدنيا، كما يشاع أكثر، والصادم أكثر أن؛ في أغلب الأحيان؛ أن أولئك من هم على قمة الهرم لا يحركون ساكنا، إما لأن التغيير قد يستلزم الكثير من التغيير المقابل، وقد يحرك الساكن الإداري، فالحركة التغييرية في الإدارة قد تكون لها استحقاقات كثيرة، من أهمها إجراء تدوير إلزامي يستدعيه واقع الحال، بينما من هم في مختلف أقسام الإدارات العليا؛ القريب، والصديق، وصاحب المصلحة، والموصى بتثبيته، وهناك اعتبارات أخرى كثيرة، وبالتالي فالتضحية بهذه الاعتبارات لمسوغات التغيير، له تكلفة اجتماعية؛ أكثر؛ منها مهنية، وهذا أمر صعب.
ولكن الأصعب الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار، هو التضحية بمقدرات الوطن، من خلال التضحية بالصالح العام، فالصالح العام هو من المفترض أن يأخذ الأولوية القصوى بلا تردد، فالوطن حالة ديناميكية متغيرة، وحالة مربكة وقلقلة في حركتها، ولا تقبل الوقوف عند نقطة محددة، لأن في ذلك خمول مزعج استمراره، وتعطيل لمصالح العام، والمؤسسات لم توضع لأجل خاطر فلان وعلان، وإنما لخدمة هذا الصالح العام؛ الذي يقتضي التغيير والتبديل، وابتكار الحلول، والبحث عن أفكار إبداعية غير معتادة، مع التسليم بمنطقية الأشياء، وهي أن هناك علاقة عكسية بين السن «العمر» والتفكير، فكلما كبر الإنسان كسب خبرة في الحياة، ولكنه يتوقف عند مستوى معين من التفكير، ربما قد تسعفه الخبرة في إضافة أشياء تحسينية لمشروع ما، ولكن هذه الخبرة لن تتيح له أحداث نقلة نوعية في تكويناته الأساسية، فهذه النقلة الإبداعية لن يقدر عليها إلا من لهم القدرة على التفكير الإبداعي، وهذا لا يتحقق إلا عند الفئة الشابة ذات العقول المتحررة من عوالق كثيرة في الحياة.
نعم؛ للكبار «والمقصود بهم كبار السن» رؤية يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولكن هذه الرؤية لا تذهب إلى التغيير الرأسي، بقدر ما تذهب إلى المستوى الأفقي فقط، ومعنى هذا إن ظلت المؤسسة تتكئ على رؤية الكبار في التغيير، فإن ذلك التغيير لن يذهب بعيدا إلا بقدر الخبرة المكتسبة، بينما الواقع يضج بالتفاعلات، والتقاطعات، والامتزاج، والإحلال، والاستبدال، إنها حالة من المقاومة والتفاعل، وبالتالي فالإدارات الحديثة التي ينادى بها ليل نهار لن تتحقق إلا بالاستفادة من الأفكار الـ «مجنونة» كما تبدو في خطواتها الأولى، ومعنى ذلك أيضا؛ أن مقاومة هذه الأفكار بنزقيتها؛ أحيانا؛ ستبقي الحالة الإدارية في مكانها دون تغيير، وستتكرر الأخطاء، وستبقى الشكاوى، والانتقادات، وحالات التململ من الإجراءات البطيئة على مستوى خط سير النهج الإداري.
اليوم كل المؤسسات الإدارية والفنية مخصبة بالآلة الإلكترونية، وخدمات الأنترنت، وهذا يتيح لها لأن تحدث نقلة نوعية في أسلوبها الإداري، وهذه النقلة النوعية ستوفر الكثير من الجهد؛ للطرفين: المؤسسة، والمراجعين، والشاهد ما نراه من تقدم رائع في بعض المؤسسات التي استطاعت بفضل وعي إداراتها العليا أن تقدم نماذج للإدارات الحديثة الناجحة، التي استغلت مجموع التطورات التي تحدثها الخدمات الإلكترونية في شأن تسيير أعمالها اليومية، فأصبحت مضرب مثل للتقدم الإداري، ولا يترك فرصة للتأويل في مسألة المنجز، فهو ملموس، ومقدر، وبالتالي فما الذي يمنع الإدارات الأخرى في الحكومة من السير على نفس المنهج، وتوظيف كل الإمكانيات المعرفية لدى موظفيها، وهم كثر في كل المؤسسات بلا استثناء، يحتاجون فقط، إلى إفساح الطريق لهم للإبداع والابتكار والتميز.
ولكن المهم في كل هذا التحرر من العوالق المعيقة – التي جاء ذكر بعض منها في بداية المناقشة – والتي لا تزال تتمسك بها الكثير من هذه الإدارات.