الوقف الخيري.. وأهميته في دعم المشروعات الإنسانية والتنمية البشرية

مشروع اجتماعي –

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

«بالنظر إلى التاريخ الإسلامي يتضح جليا أن الوقف له جذوره العميقة في الشخصية المسلمة، قد علم كثير من الصحابة أثر هذا التصرف على النفس والمال والولد، فبادروا إلى الإنفاق والتصدق والتبرع بجزء من أموالهم ذخرا لهم للآخرة وأقبلوا على التنازل بأجزاء مهمة من أموالهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل بعد أن تمكن الإيمان من قلوبهم واستحوذ اهتمامهم وانصب على الآخرة باعتباره الملاذ الأخير والمستقر الأبدي، واستمر هذا الفكر يتطور عبر الزمن حتى بلغ إيمان الفرد بضرورة التنازل عن جزء من المال عقيدة سارية في نفوس المسلمين، ولكن بعد أن ظهر ما يسمى العولمة، ابتعد الناس عن المنهج الإسلامي الصحيح فبدأت تتخلخل موازين القوى عند المسلمين، حيث أصبح حب المال هو السائد».

الوقف في عمومه مشروع إسلامي استثماري، جاء به الإسلام ليعلي شأن الدولة الإسلامية ويحصّنها من آفات الفقر والخصاصة، وحثّ عليه لتغطية العجز الذي قد يحدث في ميزانية الدولة، أو في الحالات الصعبة التي تمر على العالم أجمع بعد أن صار قرية واحدة، إذا اشتكت منه دولة تداعت كل الدول بسبب الأزمة، ولهذا كان الإسلام الدين الحنيف الذي يرى أن الدولة الإسلامية لا بد أن تظل أركانها متينة لا تزعزعها الأحداث الجارية ولا هوى بعض الناس وميلهم إلى الفساد المالي، فهناك قوانين مشدّدة تردع الناس عن أي فعل يمكن أن يمسّ النظام الاقتصادي أو يتسبب في انهياره، ولو تمسّك العالم بهذه الأوامر الإلهية الربانية ما وجدنا فقيرا ولا أعزب ولا محتاجا ولا مشرّدا، فالكل يعيش تحت غطاء الأمن والأمان الجسدي والصحي والنفسي والاقتصادي.
هذه هي حقيقة الاستثمار في المال، وحقيقة إبقاء المال حيّا حتى لو مات صاحبه، فالوقف يقف فيه صاحبه شامخا حيّا وميّتا؛ لأنه يسهم في إحياء البلاد وتحويل جزء من المال إلى الانتفاع العام، لا يخص الورثة في شيء، تنتفع به الأجيال جيلا بعد جيل وترى الإبداع يخرج من خلاله لأن هناك من ينتظر الدعم فقط لإخراج مكنونات نفسه وليضيف على الموجود نسقا جديدا من الارتواء بالأفكار والمقترحات الجديدة، فأهم شيء هو البناء وبعدها يأتي من يكمل ويزركش ويصور الإبداع في صوره الجديدة المتنوعة والمختلفة، هذا ما يمكن أن يفعله الوقف في حياتنا المعاصرة التي التهمتها التقنية الجديدة، فصارت عنوانا للمعاملات والتصرفات فلا تحيد عنها أي مؤسسة أو هيئة أو شركة، فالكل محتاج للتقنية في عصر التقنية ويمكن للوقف أن يتكيف مع العصرنة التي تحتاج فقط إلى منح الشباب المتعلم الفرصة أن يضفي عليه لمسات تقنية ليكون أكثر ربحا واستثمارا لا أن يبقى على ماهيته الكلاسيكية. فهو مشروع استثماري إسلامي كبير له جناحان: المال والإنسان، وقد عرف الوقف تطورات ميدانية منذ النشأة الإسلامية الأولى وتبلور هذا الفكر مع التغيرات المجتمعية والحركة العمرانية والتطورات الإنسانية، ولم يختص في مجال دون مجال، فمجال المال واسع ومتشعب ويتكيف مع الواقع البشري والمد الفكري الأصيل، وليست له مجالات محددة يعمل فيها ما دامت الوسائل المستخدمة شرعية ولا تتعارض مع المبادئ الأساسية والخطوط العريضة لأساسات الوقف الإسلامي.
وبالنظر إلى التاريخ الإسلامي يتضح جليا أن الوقف له جذوره العميقة في الشخصية المسلمة إذ تُربي فيه روح التنمية الأخلاقية وتغرس في نفسه عمق التجربة الميدانية وروح التضحية من أجل الآخر دون عائد مادي، ويصور لنا نماذج من الواقع لها صدى كبير في التأثير على المسلم نفسه من جميع الزوايا، وقد بادر بعض الصحابة إلى التصدق بأحب أمواله إليه عند نزول قوله تعالى: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى»ٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ « وما روي عن أنس بن مالك أنه قال: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة نخلا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أُنزلت «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» قام أبو طلحة وقال: يا رسول الله: إن الله يقول : لن تنالوا البر…الآية، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اجعلها (أي ريعها) في قرابتك. كما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»، قال عثمان: « فاشتريتها من صلب مالي» ومعنى الحديث أن عثمان اشترى البئر وجعلها وقفًا على المسلمين، وروي أيضا عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن خالد بن الوليد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله والله تعالى يقول: «وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ».
وعلى هذا يتبين أن مجال الوقف واسع وفسيح، منه ينال المسلم الأجر والثواب العظيم الذي يبقى يصله إلى يوم الدين، فلا ينقطع بموت المتبرع، لأنه سيظل محبوسا في خزينة الدولة تشرف عليه إن صار الأمر إليها لتضع إيراداته وريعه في مكانه المناسب. وربما اتسع الوقف وفاقت استفادته ما كان يتوقع له المتبرع وهنا يفتح الباب أمام المجتهدين العلماء ليبحثوا عن المسألة فيما لو زاد ريع الوقف عن المعتاد الذي كان الوقف يجنيه ويرده على من أوصى به الميت، هل يمكن صرف المتبقي في جوانب أخرى من الحياة؟ ويبقى الجواب رهين اجتهاد العلماء في كل عصر لأن الحياة تتغير وتتبدل سريعا، ويمضي الإنسان في اكتشافاته واختراعاته ليأتي بالجديد والمتنوع المفيد، ولا يتجمد في وضع محدّد، ومن ثَمّ صار الوقف عقيدة يؤمن بها المسلم ويراها جزءا لا يتجزأ من حياته المالية وقد مثل ذلك قوة ضاربة في التاريخ الإسلامي حتى بدأ أعداء الإسلام يتوجّسون خيفة من هذا النظام البارع الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالوقف والزكاة وسيلتان فعّالتان للقضاء على أي عجز مالي في الدولة لأنهما استثمار على المدى البعيد لا يتأثران بالواقع المحيط ولا بالأسواق التجارية العالمية.
وقد علم كثير من الصحابة أثر هذا التصرف على النفس والمال والولد، فبادروا إلى الإنفاق والتصدق والتبرع بجزء من أموالهم ذخرا لهم للآخرة وأقبلوا على التنازل بأجزاء مهمة من أموالهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل بعد أن تمكن الإيمان من قلوبهم واستحوذ اهتمامهم وانصب على الآخرة باعتباره الملاذ الأخير والمستقر الأبدي وذلك نرى عددا كبيرا من الصحابة تصدقوا بدُورهم ومساكنهم، وجعلوها وقفا في سبيل الله أو على ذريتهم، واستمر هذا الفكر يتطور عبر الزمن حتى بلغ إيمان الفرد بضرورة التنازل عن جزء من المال عقيدة سارية في نفوس المسلمين، ولكن بعد أن ظهر ما يسمى العولمة، ابتعد الناس عن المنهج الإسلامي الصحيح فبدأت تتخلخل موازين القوى عند المسلمين، حيث أصبح حب المال هو السائد، وبدأ الناس يفكرون في الأنا ويصرفون أنظارهم عن الضمير الإنساني الجمعي، فتغلغلت في قلوبهم ألوان من الطمع والجشع والغش والاحتيال والحصول على المال وبدأت الرأسمالية تضخ تجربتها عبر الانتقاص من هذا الوزن الإسلامي الذي خلق العدل بين البشر وتبث في الناس وتنشر أنه تجربة فاشلة لأن الإنسان ينبغي أن يتمتع بماله الذي يكسبه بطرق شرعية وحتى غير شرعية وباتت الأخلاق عائقا يقف في وجه هذه الطغمة الاقتصادية والفكر الجديد الذي سمى نفسه «عولمة»، وعندما فشل هذا النظام الجديد في إيجاد طرق بديلة للخروج من الأزمة العالمية الاقتصادية الخانقة بدأ يتجه إلى ابتكار حلول هي في صميم الحلول الإسلامية وبدأ يدعو إلى إنشاء المصارف الإسلامية والحث على ابتكار وسائل وطرق جديدة كالوقف والاهتمام بالزكاة كحل وحيد وأوحد للتخفيف من الأزمة والابتعاد عن شبح الانهيار والإفلاس الذي يهدد كثيرا من الدول الآن. ومن هنا تتجلى أهمية الوقف الحضارية في النظام الاقتصادي الإسلامي، فبالوقف والزكاة استطاع الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز أن يغطي كل النقائص المادية والثغرات المالية إبان خلافته التي لم تستمر طويلا ولم تصمد كثيرا أمام الجشع الرأسمالي.
فالوقف يمكن أن نصنع منه قوة علمية وأخرى اقتصادية وربما عمرانية ومجتمعية تتبلور فيه كل معاني الثبات والعزيمة والصبر باعتباره الوجهة المحبوسة في مشروعات خيرية تنموية لها أثرها النفسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون الوقف باطلا غير مشروع إذا قصد به الواقف إلحاق الضرر بورثته، كمن يوصي بجميع ماله وقفا، وبالتالي يلحق ضررا كبيرا بالورثة خاصة إذا كانوا في حاجة ماسة للمال، لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه، بل إنه تعالى نهى عن الضرر والإضرار، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضر ولا ضرار».، ولا يؤتي الوقف أكله إذا كان هدف المتبرع الرياء والسمعة والأنانية بل ينبغي أن يكون الهدف الأساس ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى ورضاه. وللوقف مجالات متعددة ومتنوعة، لا يقتصر الانتفاع به في وجه معين، إذ ما يعين الدولة وينتفع به الناس يوجه إليه، كالمستشفيات والمدارس والأسواق وتعبيد الطرقات وكل ما يسهل على الناس حياتهم ويسهم في الارتقاء بالمدينة والقرية والولاية، وهكذا يكون الوقف قد أدى دوره الاستثماري في الحياة العامة، وكان جزءا لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية المعاصرة ويصبح الملاذ الذي ترجع إليه الدولة في كل زمان من أجل إنعاش الاقتصاد.

 

استثمار للدين والدنيا –

د. صالح بن سعيد الحوسني –

«إن كان الوقف الخيري بهذه المنزلة العالية والمنافع العظيمة على مر العصور فإن هذا العصر يستدعي من القائمين على الأوقاف عناية خاصة بحفظ وصيانة الأوقاف القائمة وتطويرها بطريقة تحفظ للوقف عطائه واستمراره؛ ومن ذلك سن التشريعات والنظم القانونية لهذه الأوقاف وتجرم كل طرق العبث بها أو التحايل على الاعتداء عليها دون وجه حق، وإنشاء الصناديق الوقفية الاستثمارية التي يهيئ لها الأكفاء من العاملين بها ممن يقومون برعايتها وتثميرها في مختلف الأوجه التجارية النافعة».
جعل الله الإنسان مستخلفا في هذه الأرض لعمارتها بمنهجه سبحانه وتعالى، وأمره بفعل الخير بحسب طاقته وقدرته، وان يسابق إلى ذلك ويسارع؛ كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)، وقال (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض..)، وقال في وصف عباده الصالحين: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات)، وبما أن حياة الإنسان محصورة بعدد معين من السنين بين ساعة الميلاد إلى وقت الوفاة لا يزيد ولا ينقص وهي سنوات قليلة محدودة فإن الإسلام جعل للإنسان من الوسائل والطرق ما يجعل حياته وعمله متواصل الثمرة والأجر إلى يوم القيامة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، ومن هنا فإن من أعظم أبواب الخير ما يُوقفه العبد من أموال وعقار بعد موته يعود ريعه وأجره للإنسان وهو في قبره إلى يوم القيامة.
والوقف الخيري هو كل ما يمكن للإنسان أن يضعه في جهة من جهات البر والإحسان تكون بحبس تلك العين بحيث لا تُملك لأحد وذلك من أجل أن يعم خيرها ومنفعتها جميع من تشملهم وصية الموصي من الفقراء والمحتاجين أو نحوهم من جهات البر والإحسان.
ونجد مشروعية الوقف واضحة في كتاب الله تعالى وهدي النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه فالله تعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، ويقول كذلك: (يا أيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)، ويقول: (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم)، بل نجد الحسرة والكرب عظيمة عندما يأتي الموت على الإنسان فيود أن يؤخر قليلا ليتصدق ولكن أنى له تحقيق هذه الأمنية قال تعالى في ذلك: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون).
وجاء في حديث أنس عند البخاري بأن أبا طلحة كان من أكثر الأنصار مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان الرسول الكريم يدخلها ويشرب من مائها الطيب، فلما نزل قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، فقام أبو طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وأن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «بخ بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وجاء في حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله ، وتصديقا بوعده فإن شبعه، وريه، وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة».
والوقف الخيري له الكثير من الصور من نحو وقف الأصول كالأراضي التي تبنى فيها المشاريع الخيرية من نحو المساجد والمدارس والمستشفيات والمباني الخيرية على اختلاف أشكالها من نحو المكتبات والمراكز البحثية والمعاهد العلمية، وما يبنى ليكون مسكنا للفقراء والمحتاجين، وكذلك من أنواع هذه الأوقاف ما يكون من تجهيزات وآلات مختلفة لخدمة الناس كتجهيزات المدارس والمستشفيات ومختلف أنواع الأثاث ووقف المصاحف والكتب والوسائل التعليمية، ويدخل في الوقف كذلك ما يكون من وقف المزارع والبساتين، والآبار وثلاجات المياه والمحال التجارية والأسواق ونحوها، وبعضها ما يكون لمنافع الحيوان وطعام الطيور وغيرها.
ومنافع الأوقاف كثيرة ومختلفة فهي كما أسلفت باب من أبواب المعروف والإحسان للإنسان يصله رفده وإحسانه بعد وفاته، وما أحوج الإنسان لأن ينتفع بما يخلفه من أموال يصله برها بعد وفاته، ومن منافع الأوقاف كذلك ما يكون من مسابقة للخير في بناء دور العبادة والتعليم وما تحتاجه هذه الدور من رعاية وأثاث ومرافق تؤخذ من ريع تلك الأوقاف ليستمر عطاؤها ونفعها، فبنيت الكثير من المساجد والمدارس وعمرت بالصلاة والذكر وصنوف العبادة والطاعة، وعقدت تحت ظلالها الحلقات القرآنية ومجالس العلم والذكر وفي نفس الوقت كان الاهتمام كبيرا لضمان استمرارية الانتفاع بالمسجد وما يحتاجه فسارع الناس طلبا للخير والأجر بوقف الكثير من الأملاك خدمة لمنافع المسجد فهذا يُوقف نخلة وذاك أثرا من الماء وثالثا يتبرع بقطعة أرض ورابع يتبرع ببئر ماء لخدمة منافع المسجد، وخامس يتبرع بأجهزة التكييف.. ويدخل في هذا العصر جلب برادات المياه لتحبس لمنافع رواد المسجد أو عابري السبيل ويناله من ذلك عائد من الأجر لا يعلمه إلا الله.
ويظهر أثر تسابق الناس لإنشاء هذه الأوقاف في الحركة العلمية في المجتمع فمن تأمل الأوضاع العلمية في المجتمعات الإسلامية على مر العصور وجد أن جُلها قائم على هذه الأوقاف لتشمل توفير متطلبات الدراسة من كتب وكراريس ودفاتر وأدوات تعليمية، وكذلك مجالات الإسكان والغذاء لطلاب العلم، ويدخل فيها ما يتقاضاه المعلمون من رواتب وأجور كما هو الحال في مدينة نزوى التي كانت منذ صدر الإسلام الأول من أبرز مراكز العلم والحضارة فلم يخل عصر من عصورها من طلاب وأساتذة يعلمون ويتعلمون والتي كان الفضل فيها كبيرا للأوقاف بعد فضل الله المنعم سبحانه وتعالى.
ويدخل في المنافع العلمية للوقف ما كان من وقف الكتب المختلفة لطلاب العلم ونسخها والتي كانت تُنسخ أحيانا في المساجد، كما هو الحال في نساخ الكتب في نزوى الذين كانوا يواصلون نسخ الكثير من الكتب في الليل على أضوء السرج والتي كانت من أسباب الرقي العلمي والحضاري، ولا ننس ما كان من وقف المكتبات التي تضم أمهات الكتب التي كانت منبعا للعلم والخير وقد انتفع بها المتعلمون انتفاعا كبيرا.
ومن منافع الأوقاف ما يكون من دعوة للخير والصلاح فقد وُجدت بعض الأوقاف التي تكون لكفارة الصلاة والصيام، وهو ملحظ رائق من ذوي الضمائر الحية لنشر مظلة المعروف والإحسان لتشمل المقبِلون على الله ممن وفقه الله للتوبة النصوح وأراد الخلاص من كفارة قد ترتبت عليه ليجد من يعينه على ذلك بأخذه من الأوقاف المخصصة لذلك.
ومن أعظم أشكال الأوقاف ما كان من توفير الأطعمة بمختلف أشكالها للفقراء وذوي الحاجة والمسغبة، فمنهم من يوقف أمولا لتفطير الصائمين في شهر رمضان ومنهم من يوقف وقفا لوجبة النهار الرئيسة؛ والتي تسمى «الهجور»، ومنهم يوقف الطعام لأوقات محددة كيوم الجمعة بل تعدى الحال ببعض مناطق عمان لتوفير بعض الوجبات والتي قد تبدو شكلا من أشكال الرفاهية كتوفير الحلوى وبعض أنواع الفواكه والتي تقصد عادة الفقراء والمحتاجين من الناس.
وشملت هذه الأوقاف كذلك ما يكون من تجهيز الأموات وحفر القبور وصيانة المقابر وتوفير ما تحتاجه من أدوات مختلفة كالطوب والحجارة والأكفان، ومن أشكال هذه الأوقاف توسيع الطرق وقطع الأشجار التي تعترضها والأوقاف المخصصة للمرضى وخاصة ما يكون منهم محتاجا للعزل دفعا لإنتقال ونشر المرض، ومن صور الأوقاف رعاية الأفلاج وصيانتها، ووجدت بعض الأوقاف المخصصة للتنور وهو مكان لشوي اللحوم خاصة في الأعياد ولا يخفى ما تفعله تلك الأوقاف من تقوية النسيج الاجتماع وبث مشاعر الرحمة والإحسان وتوفير المعيشة الكريمة للمحتاجين.وإن كان الوقف الخيري بهذه المنزلة العالية والمنافع العظيمة على مر العصور فإن هذا العصر يستدعي من القائمين على الأوقاف عناية خاصة بحفظ وصيانة الأوقاف القائمة وتطويرها بطريقة تحفظ للوقف عطائه واستمراره؛ ومن ذلك سن التشريعات والنظم القانونية لهذه الأوقاف وتجرم كل طرق العبث بها أو التحايل على الاعتداء عليها دون وجه حق، وإنشاء الصناديق الوقفية الاستثمارية التي يهيئ لها الأكفاء من العاملين بها ممن يقومون برعايتها وتثميرها في مختلف الأوجه التجارية النافعة، ويدخل في الاهتمام بالوقف النظر في القائمين على نظارة الوقف بمتابعتهم من جهات الاختصاص وتزويدهم بالقيم والمهارات المناسبة لمتابعة عملية النظارة على الوقف، ومن ضمن الأفكار المناسبة في هذا الشأن تحفيز الناس بشتى الأساليب وفي وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي بعرض القيم الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي يجنيها الفرد والمجتمع من عمل الأوقاف المختلفة، فقد يوجد من يريد المبادرة إلى هذا الخير العظيم ولكن تنقصه الرؤية الواضحة والأفكار المناسبة، ولا ننس أن تبادر جهة الاختصاص إلى تسهيل عرض تلك الفرص الوقفية للجمهور وتذليل كافة العقبات والصعوبات المختلفة حتى ينعم الفرد والمجتمع بهذا المورد الكبير من المنافع والفوائد التي تعود بها الأوقاف الخيرية للمجتمعات.