الانتخابات الفلسطينية.. الإرادة السياسية وهواجس التعطيل

العزب الطيب الطاهر –

يمثل إجراء الانتخابات المرتقبة، خطوة بالغة الأهمية باتجاه استعادة التوافق الوطني المفقود، في المشهد الفلسطيني منذ أكثر من اثنتي عشر عاما، أي منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو من العام 2007، أي بعد عام تقريبا من فوزها في الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2006، والتي حققت فيها الأغلبية، ما أهلها لتشكيل الحكومة، غير أن الصراع على السلطة مع حركة فتح، قاد إلى هذه النتيجة السلبية، والتي شكلت على نحو آو أخر انقلابا على الخيار الديمقراطي.

وعندما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال شهر سبتمبر الماضي، اعتزامه إجراء الانتخابات، ودعوته كافة الفرقاء في الساحة الفلسطينية للمشاركة فيها، بدا أن ثمة أملا باستعادة الاحتكام الى لغة الاقتراع، بدلا من لغة السلاح، أو حتى لغة الحملات الإعلامية التي ظلت تحكم العلاقة بين الفصيلين الرئيسين : فتح وحماس، على مدى السنوات المنصرمة،الأمر الذي أسهم في تعميق جوانب الاختلاف حد التناقض، وتخفيض منسوب الوحدة الوطنية، التي تشكل في حد ذاتها شرطا ضروريا، بل ملحا لاستمرارية النضال الفلسطيني، باتجاه إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق المغتصبة وبناء الدولة المستقلة، من خلال التصدي لجملة التحديات التي فرضها – وما زال يفرضها – التحالف الأمريكي الإسرائيلي، والتي بلغت مداها الأسبوع الماضي بإعلان «مايك بومبيو» وزير خارجية الولايات المتحدة، شرعنة الاستيطان في الضفة الغربية، بحسبانه لا يتعارض مع القانون الدولي – حسب زعمه-، ومن قبل الخطوات الأحادية بالاعتراف بالقدس المحتلة، عاصمة لدولة الكيان الصهيوني ( ديسمبر2017 )، ثم نقل السفارة الأمريكية إليها (مايو 2018 )، وغيرها من الخطوات العقابية سياسيا واقتصاديا للشعب الفلسطيني، ومحاولة شطب رقم اللاجئين المهم من المعادلة الوطنية الفلسطينية.
وعلى مدى الأشهر الثلاثة المنصرمة، تفاعلت إشكالية الانتخابات، وشهدت ما يمكن وصفه بالمد والجزر، وإن قوبلت على وجه العموم بالترحاب، من قبل أغلبية الفصائل الفلسطينية، وفي المقدمة منها حركة حماس، التي اعترضت في موقفها الأولى على إجرائها متتابعة – وفق رؤية القيادة الفلسطينية وحركة فتح، والتي تقوم على أساس تنظيم الانتخابات التشريعية أولا، ثم بعدها بفترة، تنظم الانتخابات الرئاسية، وقبل أيام وافقت حماس على تتابع العملية الانتخابية، على نحو قرب منظورها من منظور حركة فتح، ولم يكن ذلك موقفها هي فحسب، وإنما كان موقف مختلف الفصائل التي اجتمعت مؤخرا بقطاع غزة مع رئيس لجنة الانتخابات المركزية «حنا ناصر» والتي توصلت فيما بينها إلى تفاهم من بنود عدة، في صدارتها الموافقة على المشاركة في العملية الانتخابية، وإجراء عملية التصويت في هذه المرحلة، حتى لو لم تكن متزامنة، حيث لا تزيد المدة بينها على ثلاثة أشهر، كما تم الاتفاق في هذا الاجتماع على وثيقة من بندين، الأولى: يحتوي مبادئ عامة، تؤكد تتضمن ضرورة استعادة الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، وترتيب البيت الفلسطيني وفق مبدأ الشراكة، وتؤكد تمسك الفصائل بالانتخابات الشاملة «الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني» وفق الاتفاقات الفلسطينية الموقعة، إلى جانب ترتيب البيت الفلسطيني منظمة التحرير والسلطة والشراكة الوطنية والسياسية .
ويتضمن البند الثاني رد الفصائل على رسالة أبو مازن التي حملها رئيس لجنة الانتخابات، وتشتمل على ثلاثة مرتكزات على النحو التالي :
– التمسك بانتخابات شاملة غير متزامنة على ألا تزيد المدة على 3 أشهر .
– عقد لقاء وطني شامل ومقرر لبحث سبل مواجهة التحديات والأخطار المحدقة بالقضية الفلسطينية .
– مناقشة كافة التفاصيل والإجراءات المتعلقة بالانتخابات وسبل نجاحها وتحصينها واحترام نتائجها .
وقد وقع على هذه الوثيقة، التي يمكن اعتبارها بمثابة خارطة طريق للعملية الانتخابية، كل من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية ممثلا عن الفصائل الفلسطينية ورئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر
بيد أن ذلك، لم يمنع بعض المراقبين من إبداء هواجسهم حيال هذا الاتفاق، فعلى الرغم مما يبدو من توافق بين الفصائل الموقعة عليه، فإن الوثيقة تنطوي على اشتراطات ونقاط تحتاج إلى تفاصيل ما يجعلها تحمل في مضمونها عوامل تفجيرها أو قل نسفها فعلى سبيل المثال فإن اشتراط إجراء العملية الانتخابية وفق الاتفاقات الموقعة، لم يحدد أيا منها لاسيما أنه جرى التوقيع على عدد كبير منها منذ انبثاق الانقسام ووقوع التشظي في المشهد الوطني الفلسطيني خلال العام 2007، والتي ما زالت الخلافات بشأن تفسيرها عميقة.
وفي الآن ذاته، فإن الاتفاقات السابقة تقضي بإجراء الانتخابات حسب النظام النسبي والفردي، في حين أن الرئيس أبو مازن أصدر قرارا بتعديل نظام الانتخابات ليتم وفق النظام النسبي الشامل، إلى جانب ذلك فإن مسألة الشراكة وإعادة ترتيب منظمة التحرير من القضايا المهمة، غير أن المعضلة تكمن في صعوبة تنفيذ ذلك في فترة وجيزة.
ويضيف هؤلاء المراقبون عاملا آخرا، قد يفضي إلى تفجير العملية الانتخابية برمتها، ويتمثل في عدم وجود موقف واضح من إسرائيل حتى الآن من الانتخابات في القدس المحتلة، في ظل قناعة بأن سلطات الاحتلال لن تقبل بإتمامها في هذا المدينة، التي أخضعتها الدولة العبرية لقبضتها بالكامل، بعد قرار ترامب بالاعتراف بها عاصمة لها، وإن كان ذلك لا يؤثر، من منظور القانون الدولي، على وضعيتها كمدينة محتلة، جنبا الى جنب الضفة الغربية التي تنظر الشرعية الدولية إليهما، بحسبانهما مناطق خاضعة للاحتلال . وفي السياق، فإن حركة الجهاد الإسلامي – القوة الثانية في قطاع غزة – أعلنت أنها لن تشارك في الانتخابات، بحسبانها نتيجة من نتائج اتفاق أوسلو،الموقع بين منظمة التحرير وسلطات الاحتلال في العام 1993، والتي لم تعترف به، وإن كانت لن تعترض أو تعوق أجراءها، غير أنها أعلنت أنها ستشارك في الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل البرلمان لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، بالإضافة إلى ذلك، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تطالب الرئيس أبو مازن، بالدعوة لاجتماع طارئ للأمناء العامين لمختلف الفصائل الفلسطينية، والتي يبلغ عددها ثمانية فصائل، للبحث في طبيعة النظام السياسي والقانوني الانتخابي، بحيث تجرى على نحو شمولي دون تجزئة، معتبرة أنه من الأهمية بمكان، أن يكون المدخل لهذه الانتخابات تشكيل حكومة وحدة وطنية، تتولى مسؤولية التحضير والتجهيز لها، ووضع سقف زمني محدد لإتمامها.
ودون ذلك فإن الفصائل الأخرى مثل حزب الشعب وجبهة التحرير الفلسطينية تؤيد العملية الانتخابية مع بعض التحفظات غير المؤثرة وهو ما يعكس على وجه الإجمال في ضوء المعطيات السابقة، إن الإرادة السياسية الفلسطينية باتت من النضوج بمكان، للإتكاء على الخيار الديمقراطي، وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني سواء رئاسيا أو تشريعيا أو فيما يتعلق بإعادة صياغة منظمة التحرير الإطار التمثيلي الأوسع، وفي هذا الصدد، تحدث وكيل وزارة الإعلام الفلسطيني، يوسف المحمود، لكاتب هذه السطور، في حوار خاص خلال زيارته للقاهرة مؤخرا، قائلا : إن التوجه لإجراء الانتخابات ينطوى على ضرورة لتجاوز الحالة الداخلية الفلسطينية، التي باتت تؤرق الجميع والمتمثلة في حالة الانقسام وثمة ما أود التنويه بشِأنه في هذا الصدد، وهو أننا كابدنا بالفعل تداعيات هذا الانقسام على مدى أكثر من عقد، وهو ما كان ينبغي أن يكون قائما، بيد أنه حصيلة ظروف تكالبت علينا، في مقدمتها استمرار الاحتلال لأراضينا، فضلا عن البيئة العربية المحيطة بنا، لا أود هنا – يتابع المحمود – أن أحمل المسؤولية لطرف بعينه، غير أننا نعول على إجراء هذه الانتخابات، والتي بدأنا في توفير كافة الاستعدادات اللوجستية لها، وهناك ورشة عمل مفتوحة أطلقها الرئيس محمود عباس فنحن مجتمع ديمقراطي، نؤمن بالديمقراطية وفي مقدمة أدواتها العملية الانتخابية، ونرى أنه آن الأوان لتجديد ديمقراطيتنا من خلالها، كما نعتقد أن إجراء الانتخابات هو جزء من كفاحنا الوطني لإثبات وجودنا كشعب، مثل غيره من شعوب العالم سعيا لتحقيق الاستقلال الوطني.
وسألته : هل باتت كل الأطراف الفلسطينية متوافقة على إجراء هذه الانتخابات؟
فيجيب قائلا : « هناك نقاش واسع وحوار بين كل الأطراف الفلسطينية، وقد أعلنت حركة حماس مؤخرا قبولها بإجراء هذه الانتخابات، والرئيس أبو مازن يعتقد بوجوب تنظيمها، والحالة الوطنية الفلسطينية بتنويعاتها المتعددة أخذت تتجاوب مع هذه الرؤية، وفي هذا السياق، فإننا طلبنا من مصر التي نتمسك برعايتها للمصالحة الوطنية، أن تقوم أيضا برعاية الانتخابات المقبلة، وأن تختار من تراه من ممثلي الدول العربية والدول الصديقة،لمتابعة كل مراحل العملية الانتخابية وتوفير شبكة أمان لها.