بين المؤتلف الانساني والصراعات في العالم

عوض بن سعيد باقوير /صحفي ومحلل سياسي –

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن بدأت الصراعات في العالم تأخذ أشكالا متعددة من خلال سيادة ثقافة التعصب والتشدد والكراهية بين الشعوب وهي معايير سلبية تتناقض مع سماحة الدين الإسلامي الذي جاء رسالة معبرة عن التسامح والحوار والوسطية والابتعاد عن الغلو مما جعل البشرية تعاني الأمرين حتى في منطقتنا العربية والتي تعاني الآن من نتائج ذلك الفكر الضيق وتلك التوجهات السياسية القائمة على الغطرسة والاندفاع غير المدروس مما اشعل الحروب والصراعات وفقدان مقدرات الشعوب.

وفي ظل هذه الهيمنة السلبية من الأفكار يأتي مشروع جلالة السلطان المعظم حول المؤتلف الانساني والذي يدعو الى التعارف الانساني والى تقبل الآخر والى إيجاد قواسم مشتركه تتيح للإنسان أن يتقبل أخيه في الإنسانية وأن تكون هناك علاقات ودية بين الافراد والجماعات والدول لتجنب الشرور التي نراها الآن مندلعة في أكثر من منطقة جغرافية.
إن إطلاق مشروع جلالته – حفظه الله – مؤخرا من العاصمة الإندونيسية جاكرتا بمناسبة اليوم العالمي للتسامح يأتي انسجاما مع التطبيق الفعلي الذي تمارسه السلطنة منذ نصف قرن من خلال المُثل الأخلاقية التي رسخها جلالته منذ بزوغ فجر النهضة المباركة في المجتمع العماني، وتأتي امتدادا لتاريخ أهل عمان في الشرق والغرب الذي يستمد تلك المُثل من دينه الإسلامي السمح.
ومن هنا فإن العالم وفي ظل هذه الضبابية والتناحر الفكري أن يكون يستمد من هذه النظرة العميقة والتي تهدف إلى إسعاد البشرية والتركيز على نهضة الإنسان وتطويره واستثمار العلوم في نهضة الشعوب بدلا من تبديدها على حروب لا طائل منها، ومن هنا فإن المؤتلف الإنساني هو دعوة صادقة لانتشال البشرية من الوضع المعقد والصعب والذي يجري حاليا في الشرق والغرب على حد سواء من خلال الحروب والصراعات وفرض الايديولوجيات المتعصبة كما هو الحال في صعود اليمين المتشدد في أوروبا علاوة على المتشددين في الشرق الإسلامي ووجود ظاهرة الإرهاب الذي يسعى إلى إيجاد حاضنة تدمر عقول الشباب في العالم الإسلامي بشكل خاص وقد أدى ذلك إلى ضياع حلم الملايين من أولئك الشباب والذي يعول عليهم في خدمة أوطانهم.

المشروع الحضاري

وقد جاء هذا المشروع الإنساني والحضاري من لدن جلالته – حفظه الله – لتذكير العالم بأن صراع الأفكار المتطرفة وزرع الكراهية بين الشعوب واستخدام الأديان كوسيلة لتناحر الشعوب هي عملية مدمرة للحضارة الإنسانية وأن النموذج العماني الحديث يعد آلية ناجحة من خلال اللحمة بين المجتمع وأن الحوار والاحترام المتبادل يخلق تجانسا في السلوك بصرف النظر عن وجهات النظر المختلفة.
فالاختلاف الموضوعي هو أمر موجود ومردود ولكن نحن نتحدث هنا عن التشدد الذي يصل بصاحبه إلى التمرد والسلوك العدواني، ومن هنا فإن الحضور المميز في جاكرتا من الشخصيات العالمية التي تمثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية ذات العلاقة علاوة على الشخصيات من السلطنة تعطي ضوءا في آخر النفق بأنه من الممكن إيجاد قواسم مشتركة بين الناس وأن المؤتلف الإنساني هو القاعدة الصحيحة الذي لابد أن يلتف حولها العالم المتحضر. صحيح هناك آخرون لديهم مشاريعهم الخاصة المتمثلة بتجارة الحروب ونشر الكراهية ونرى الآن الاحتجاجات من الشرق الأوسط إلى آسيا وأمريكا اللاتينية والسبب هو الشعور بفقدان الأمل والحياة المستقرة الكريمة والاستغلال البشع من القلة نحو السيطرة الاقتصادية وخداع الناس باسم شعارات لا تحقق شيئا لتلك المجتمعات طوال سنوات طويلة.
إذن المؤتلف الإنساني ينبغي أن يكون حاضرا في المجتمعات في بلدانها حتى تنطلق إلى الفضاء الخارجي فالمجتمعات المتصالحة مع نفسها تكون القادرة على التحاور والقبول بالآخر، ولا شك أن نموذج السلطنة هو استلهام حقيقي لما حدث خلال نصف قرن لأن القائد – حفظه الله – أدرك مبكرا أهمية التوازن المجتمعي لأنه يصعب بناء حضارة مدنية في أي مجتمع وسط تضارب وتضاد الأفكار والانقسام والتعصب، إذن الرسالة واضحة ومن خلال الملتقى في جاكرتا كانت هناك إشادات كبيرة وإيجابية بهذا المشروع السلطاني الإنساني الذي يهدف إلى خير الإنسانية وأن تعيش بسلام على هذا الكوكب.
ومن خلال هذا المشروع فإن المسألة تحتاج إلى جهود مضنية لمواجهة المضاد الآخر التي نرى بعض أحداثه تدور الآن وفي أكثر من منطقة جغرافية اعتمادا على الطمع الإنساني والتقديرات الخاطئة في السياسات ونشر الكراهية بين الشعوب لتحقيق مآرب شيطانية تحطم أحلام الملايين من البشر علاوة على انعدام الحوار وتقبل الآخر والإصرار على وجهة النظر الواحدة واستعداء الشعوب.
وفي ظل دعم هذا الفكر الإنساني المتطور فإن العالم يحتاج إلى تغيير المعادلة بين التوجهات البناءة والتوجهات الخاطئة ويمكن للعالم أن يعيش بشكل أفضل وللأجيال الجديدة بعيدا عن الحرب الفكرية المدمرة.

بعيدا عن المواجهة

في ظل الأفكار الأحادية وانتشار التعصب فإن العالم سوف يعاني الأمرّين من خلال المواجهات الفكرية والتي تؤدي إلى حروب والتي أصبحت صناعة يستغلها تجار الحروب وأصحاب الفكر الأناني الذي لاتهمه مصلحة البشرية.
ويمكن القول بأن ما يجمع البشرية من مجتمعات ودول من مصالح اقتصادية وتطور حضاري وتواصل عبر القارات هو أكبر بكثير من تلك الأفكار المتشددة فالإنسان هو الإنسان بصرف النظر عن لونه وجنسه وديانته يبقى المؤتلف الإنساني هو الذي يجمع الناس والذي يصل بالمجتمعات إلى تقبل الآخر من خلال منطلقات حضارية فأهل الشرق عاشوا في الغرب والعكس صحيح ويمكن إيجاد علاقة سوية لأن تجارب الحروب والمواجهات تحتاج إلى مراجعات.
الإنسانية تحتاج إلى فكر وتعاطٍ مختلف ولا شك أن مشروع جلالته حول المؤتلف الإنساني ينطلق من فكر راق ومتقدم في ظل انفلات سياسي وأخلاقي يعيشه العالم شرقا وغربا على حد سواء، ومن هنا فإن تلك المنظمات والشخصيات التي حضرت إطلاق المشروع عليها مسؤولية كبيرة للعمل بجهود كبيرة ومن خلال برامج محددة لتعميق هذا المشروع حتى يحدث التغيير المطلوب والذي بلا شك سوف يحتاج إلى وقت وجهد حيث إن تغيير الأفكار والمنهجية هي من أصعب الأمور ومع ذلك فإن الأمر يستحق العناء والمثابرة من الأخيار في هذا العالم.
حروب تستنزف المقدرات وتحصد الأرواح دون نتيجة تذكر وهناك تعميق للكراهية بين الشعوب تحتاح إلى أجيال وأجيال للخروج من صدماتها وجروحها، ومن هنا فإن جلالة السلطان المعظم وهو عسكري محترف يدرك هذه الحقائق ونتائجها كما أن مشروع المؤتلف الإنساني سوف يغير من الشكوك بين البشر ويعطي أملا في سلوك إنساني مدني يقوم على الاحترام المتبادل وتبادل الثقافات والمصالح المشتركة وينهي معاناة الشعوب.
المواجهات الفكرية المتشددة ساهمت في خسارة كبيرة لعدد من الأوطان ومنها في منطقتنا العربية، فالفكر القائم على الطائفية والمذهبية والتعصب لفكر محدد لا يعطي فرصة للإبداع ويجعل الأمور أكثر تعقيدا مما يؤدي إلى الانفجار والانهيار، وعلى ضوء الحقائق المؤلمة الآن على الساحة الإنسانية فإن مشروع جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – هو مشروع يعالج تلك السلبيات والسلوكيات والمواجهات المتعصبة ويعطي نافذة جديدة للخروج من تلك البوتقة الضيقة والتي أضفت على المشهد الكثير من السوداوية والانغلاق وعدم فهم الآخر.
وأن يأتي هذا المشروع الحضاري الإنساني من شخصية آمنت بالسلام والتسامح ورسخت تلك المفاهيم في مجتمعها فإن القبول والتجاوب يكون أكثر موضوعية وان يكون الحماس والاشتغال على هذا المشروع الراقي مسألة متوقعة في ظل احتقان إنساني خلقته سياسات غير مسؤولة وأطماع جلبت على البشرية أو جزء منها على الأقل آلام ومتاعب تحتاج إلى عقود لتجاوز نتائجها.
وجلالة السلطان المعظم بفكره الراقي والمستنير يعطي من خلال هذا المشروع الإنساني نافذة جديدة يمكن من خلالها استلهام هذا الفكر النير الذي يهدف إلى خدمة الإنسانية في كل مكان وزمان.