الآمال والتحديات

إميل أمين –

هل باتت الانتخابات الفلسطينية هي الأمل المتبقي للشعب الفلسطيني الذي عانى كثيرا داخليا وخارجيا طوال الأعوام الأخيرة؟
الشاهد أن الداخل الفلسطيني يعاني من أزمة قاتلة هي انشقاق البيت على نفسه، وهذه في الأدبيات الكلاسيكية أكبر كارثة يمكن أن تحيق بأمة أو بشعب، لا سيما أن كل بيت ينقسم على ذاته يخرب، وكل أمة تنقسم على ذاتها لا تثبت.

لا يزال المشهد الفلسطيني ممزقا بين توجهات حركة حماس من جانب، ورؤية حركة فتح من جانب آخر، والتي تمثلها اليوم السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس أبو مازن، وهو وضع تشارعي وتصارعي أضعف كثيرا من اللحمة والسدى بين الجانبين.
أما على الصعيد الخارجي فربما كانت الضربات المتوالية مدعاة لأن يلتئم الشمل الفلسطيني، ويكفي القرار الأمريكي الأخير الذي اعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية شرعية، لكي يتذكر الفلسطينيون أن وراء الباب تحديات كبيرة بدأت منذ عقود وتعقد مشهدها في العامين الماضيين لا سيما بعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى هناك.
يعن لنا التساؤل: «هل كانت التطورات أو إن شئت الدقة قل التدهورات في وضع القضية الفلسطينية هو السبب الذي دعا الرئيس الفلسطيني أبو مازن نهار 26 سبتمبر ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ؟
يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل، غير أن غالبية المعلقين وثيقي الصلة بالملف الفلسطيني قد ذهبوا إلى ان الانتخابات من دون توافق على الفكرة نفسها، وبالتحديد من دون موافقة واضحة وصريحة من قبل حركة حماس، لن يكون لها جدوى.
من جانب آخر لا يمكن للمرء أن يوفر في التحليل طرح علامة استفهام: «هل التوقيت ملائم لإسرائيل التي تعاني من أزمات داخلية قوية، ولهذا تحاول حكومة نتانياهو كما يرى البعض عرقلة مثل هذه الانتخابات الأمر الذي يجعل من الموافقة الإسرائيلية على القيام بهذه الانتخابات أمر مستبعد لا سيما في القدس الشرقية.
والمؤكد انه إذا وجهنا الأعين صوب حركة فتح نجد أنها ترى في الانتخابات الفلسطينية الشاملة افضل الحلول للخلاص من حالة الوضع الانقسامي القائم منذ سنوات بين الشعب الواحد، فهي تتيح للشعب الفلسطيني صاحب السلطة الحقيقية أن يقول كلمته وينهي هذا الخصام الذي طال أمده، وبخاصة في ضوء الإدراك الجمعي بأن اللحظة الآنية حرجة جدا وتستدعي أعلى درجات التكاتف والوقوف صفا واحدا في مواجهة الأخطار المحدقة بالجميع.
يعن للمراقب للمشهد الفلسطيني أن يتساءل: «هل من علاقة ما بين الدعوة لهذه الانتخابات من جهة والحديث عن صفقة القرن وما يدور من حولها من جانب آخر؟
لا يقطع أحد بذلك، ولكن بنفس القدر لا يمكن للمرء أن ينفي وجود مثل هذه العلاقة بصورة أو بأخرى، بمعنى أن الصفقة التي كانت من المنتظر لها أن تعلن قبل نهاية العام باتت في حكم المؤجلة لأكثر من عام، وهذا ما رشح من تصريحات أمريكية عديدة تكاد تجمع على أنها قد تأجلت لا سيما أن العام الجاري هو عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والرئيس ترامب لديه من الإشكاليات الداخلية الكثير، ما يعجزه عن الدخول في طريق واحدة من اعقد القضايا السياسية التاريخية في المنطقة .
هل قطعت حماس بمشاركتها في الانتخابات القادمة ما يغلق الباب أمام أوجه الشقاق والفراق بين الفلسطينيين وبعضهم البعض ؟
لا يمكن اعتبار الموافقة المبدئة لحركة حماس على المشاركة في الانتخابات التشريعية قرارا نهائيا، الأمر الذي تفسره تصريحات « فوزي برهوم»، المتحدث باسم حركة حماس، والذي اكد على وجودة عدة متطلبات لإنجاح الانتخابات العامة … ماذا عن تلك المتطلبات ؟
يرى برهوم أنها تدور حول مسائل مثل الحريات العامة، ومحكمة قضايا الانتخابات، والنزاهة، والشفافية، واحترام كل هذه القضايا أمر مهم كي يضمن الجميع عملية انتخابات ناجحة تسير بالركب الفلسطيني إلى بر الأمان بالنتائج ….
هل تحليل هذه المطالب يؤكد على أن وحدة الصف الفلسطيني لا تزال مسألة بعيدة عن التحقق في اللحظة الآنية ؟
اخطر ما يعمق الشرخ في الجدار الفلسطيني الداخلي هو الأجندات غير الوطنية، والتي تموج بها المنطقة في ظل لحظة غير عقلانية من الانفلات الأيديولوجي والدوجمائي، وفي ضوء رياح مثيرة للخلافات السياسية مرة أخرى بعد عقد تقريبا من أزمات ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي .
يقول قطاع كبير من عقلاء القضية الفلسطينية أن مباشرة حق الانتخاب يعزز من حضور فلسطين في عيون العالم كدولة تستحق الاستقلال الذاتي ويليق بها أن يكون لها ترابها الوطني وكافة مقومات الدولة، في حين أن عدم المقدرة على تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية أمر سيضعف من هذا الحضور في أعين دول العالم المتقدم والتي ألفت الديمقراطية وصناديق الاقتراع كأداة لإنهاء أي خلافات.
هذا الفريق يشجع ويدفع باتجاه سير عجلة الانتخابات إلى الأمام، ويرى أنه قد حان الوقت الذي تحسم فيه حركة حماس موقفها وان تعلن ذلك بصراحة وبدون التواء أو التفاف على الموافقة الصريحة والمباشرة، والأمل أن يكون بالموافقة من غير شروط تعقيدية أو تعجيزية، الأمر الذي يمكن السلطة الوطنية الفلسطينية من القيام بواجبها في قطاع غزة لتسهيل عمل لجنة الانتخابات المركزية، لا سيما وأن أزمات حماس الداخلية والخارجية تتزايد يوما تلو الآخر.
ولعل الانتخابات إذا جرت بالفعل فإنها قد تسلك مسالك مثيرة وأولاها فكرة الطريق المزدوج والمباراة الإدراكية بين حماس وفتح سيما أن البيئة الفلسطينية الداخلية باتت بيئة معقدة ومركبة، والأجواء في واقع الحال بعيدة كل البعد عن السياقات الديمقراطية والتي يمكن خلالها إجراء انتخابات في إطار من الحريات، فقد عانى الفلسطينيون في الصفة وقطاع غزة من صراعات الأدلجة السياسية، وتحكمات الفصائل الأمنية، والتخويف المستمر والمستعر، الأمر الذي يجعل مسالة التفضيلات الانتخابية الحرة بعيدة عن واقع الحال والآمال.
في هذا الإطار التحليلي ينبغي التأكيد على أن هناك عقبة كبيرة في طريق ومسار تلك الانتخابات وحتى تضحى ناجحة، إنها عقبة السلاح المتوافر لدى الجميع، ما يختصم من سلمية العميلة الانتخابية، فهل يمكن بداية وقبل الانتخابات الاتفاق على مصير ذلك السلاح ؟.
خذ إليك على سبيل المثال تأمل مسار مزدوج لقضية الانتخابات ونتائجها الاستشرافية وما يمكن أن يحدث من تبعات واستحقاقات لكل من السيناريوهين.
السيناريو الأول هو أن يختار الشعب الفلسطيني حركة فتح أي السلطة الوطنية بقيادة أبو مازن، تلك التي رفضتها حركة حماس لسنوات طوال، ولا تزال في واقع الحال، وفي حال مثل هذا الفوز سيكون التساؤل المنطقي والعقلاني هل ستقبل حماس بتلك النتائج، وتتخلى طوعا عن كافة المكتسبات التي أدركتها طوال سنوات خلت؟
ربما يضحى من الأحلام المخملية القبول بهذا السيناريو، وحتى إذا مضينا معه على صعوبته فإن القضية الأكثر تعقيدا وتشابكا مع أوضاع إقليمية معقدة في المنطقة: «ماذا عن مصير الأسلحة التي تمتلكها حركة حماس، لا سيما الترسانة الصاروخية التي أعدتها لمواجهة إسرائيل، هل سيمكنها التخلي عنها بسهولة وكانها لم تكن؟
يقول أبو مازن والسلطة الوطنية من ورائه: إنه يجب أن تكون هناك سلطة واحدة وسلاح واحد، لكن أبجديات المشهد في المنطقة تفيدنا بأن الأمر ربما يجري على العكس من ذلك بمعنى أن الاحتفاظ بسلاح ما تعتبره حماس مقاومة أهم في الحقيقة من نتائج تلك الانتخابات.
أما السيناريو الثاني، فهو السيناريو العكسي أو الضد بمعنى أن تحقق حركة حماس مفاجأة كبرى بفوزها في الانتخابات القادمة، وقد يكون ذلك واردا في ظل حالة الاحتقان التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الداخل من جراء الضغوطات الإسرائيلية، وربما يكون نوعا من التصدي والتحدي المقصود به العالم الخارجي والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا التي وجهت ضربات لكرامة الإنسان الفلسطيني حيث تسرق منه جغرافيته وآدميته في آن واحد … هنا ترى ماذا سيكون موقف السلطة الوطنية ؟
الحلم المخملي المقابل هو أن الرئيس محمود عباس ربما يقبل بمثل تلك النتيجة، غير أن الإشكالية والعقبة الكؤود هنا ستكون إسرائيل فهل تقبل حكومة نتانياهو أو أي حكومة إسرائيلية أخرى قادمة شراكة مع حماس؟
قبل نحو أسبوع حمل الرئيس أبو مازن السيد «حنا ناصر» رئيس لجنة الانتخابات المركزية، رسالة إلى كافة الفصائل الفلسطينية في غزة تحمل رؤية واضحة وتوافقية حول الانتخابات القادمة اكد فيها على إصدار مرسوم رئاسي واحد لإجراء الانتخابات التشريعية تتبعها الانتخابات الرئاسية ضمن تواريخ محددة، وان تجرى الانتخابات استنادا إلى القانون الأساسي، وأن تأتي الانتخابات التشريعية على أساس قانون النسبية الكاملة.
الرسالة عينها حملت كلاما توافقيا طيبا في مجمله إذ أكدت على «احترام نتائج الانتخابات والالتزام بها، وانه لتأكيد النزاهة والشفافية للانتخابات الحرة سيتم دعوة هيئات عربية ودولية ومؤسسات تشريعية للمراقبة والإشراف الدولي على عملية الاقتراع عينها، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والدولية .
ينتوي أبو مازن عطفا على ما تقدم فتح قنوات حوارية مع كل قوى الشعب الفلسطيني التي طال بها الانتظار لتوحيد جهودها في مواجهة جيوبولتيك عالمي متغير ومضطرب، من اجل شراكة وطنية حقيقية تمنع الأسوأ من أن يطال ما تبقى من أبجديات الحق الفلسطيني المعلن والمعروف بحسب القانون الدولي.
وهنا يبقى السؤال النهائي قبل الانصراف: «هل ستغلب كافة تلك الجماعات المصلحة الوطنية العامة وترسل إلى الرئيس أبو مازن موافقة خطية تفيد بالموافقة على النقاط المتقدمة، أم أن خطوطها الاستراتيجية وعلاقاتها الفوقية سوف تدفعها إلى مسارات ومساقات على غير هوي السلطة الوطنية ؟
مهما يكن من أمر الجواب فانه يتوجب على كل الأطراف والأطياف الفلسطينية أن تتذكر أن الساعة حاسمة وكلما تأخر الاتفاق تباعدت استحقاقات الفوز لصفوف الشعب المكافح.