طريقة قياسنا للإقتصاد تحجب ما يحدث

هيذر بوشي- الفاينانشال تايمز – ترجمة قاسم مكي –

في كل ربع عام ( ثلاثة أشهر) نتطلع في الولايات المتحدة إلى المكتب الفيدرالي للتحليل الاقتصادي للحصول على بيانات جديدة عن إجمالي دخل وانتاج الاقتصاد، وأبرز مؤشر معتمد للأداء الاقتصادي هناك هو الناتج المحلي الإجمالي، إنه حاصل جمع كل ما ينتج في اقتصادنا.
إذا اقتصر اهتمامنا على ذلك المؤشر فقط سيبدو لنا دون شك أننا الآن في أفضل أحوالنا، فالناتج المحلي الإجمالي يشهد نموا على مدى 124 شهرا دون انقطاع، لذلك نحن الآن رسميا نعيش أطول فترة توسع اقتصادي سجلها التاريخ الأمريكي.
يدير القادة الأمور بتحديد أهداف معينة يسعون إلى بلوغها، وهذا بالضبط ما يفعله واضعو السياسات حين يشيرون إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي كمقياس للنجاح الاقتصادي. وحسب العبارة الشهيرة المنسوبة إلى جاك ويلش الرئيس التنفيذي السابق لشركة جنرال إليكتريك، فإن «ما تقيسه هو ما تحصل عليه»، لكنك إذا أدرت الأمور باستخدام القياس الخاطئ سيكون ذلك أسوأ من ألا تكون لديك مقاييس على الإطلاق.
وفي حين أن الناتج المحلي الإجمالي له دائما عيوبه إلا أنه ظل معيارا لقياس الدخل في أرجاء الاقتصاد.
واليوم حين ينظر واضعو السياسات إلى الناتج المحلي الإجمالي كمقياس لنجاحهم فإنهم لا يرون الصورة كلها، فهو لم يعد جيدا بما يكفي للوفاء بما نحتاج منه أن يفي به.
أعد الاقتصادي سيمون كوزنيتس أول تقديرات الدخل القومي الإجمالي في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي بطلب من وزارة التجارة الأمريكية؛ وفي عام 1934 قدم هو وفريقه البحثي أولى النتائج التي حصلوا عليها إلى مجلس الشيوخ في تقرير من 300 صفحة. زودت البيانات الواردة في التقرير الكونجرس والرئيس الأمريكي بأول لقطة خاطفة أو صورة موجزة للنشاط الإقتصادي وقادت إلى استحداث احصاءات الدخل القومي في عام 1942. وبعد ما يقرب من 30 عاما لاحقا حصل كوزنيتس على جائزة نوبل في الإقتصاد «لتأسيسه تجريبيا تفسير النمو الاقتصادي».
في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية قدمت الحسابات القومية مقياسا عكس التقدم الإقتصادي حول البلاد. ومع نمو الاقتصاد من عام 1963 إلى عام 1979 شهد الناس من كل الطبقات الفقيرة والمتوسطة والغنية زيادة في دخولهم عند حوالي نفس المعدل. لقد حقق الاقتصاد خلال تلك الفترة نموا بمتوسط 1.7% سنويا وظلت الزيادة في دخل معظم الأمريكيين قريبة من تلك النسبة. وفي الحقيقة كانت دخول من هم أكثر فقرا ترتفع بسرعة تزيد كثيرا عن المتوسط في حين كانت دخول الأغنياء ترتفع بوتيرة أبطأ، فدخول من هم في فئة النصف الأدني من سلم الدخل زادت بنسبة 2.6% في حين ارتفعت دخول من يشكلون فئة الواحد في المائة عند أعلى السلم بنسبة 1%.
لم يقصد كوزنيتس أبدا أن يصبح مشروعه الخاص بالحساب القومي المقياس الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة أكثر من أي شىء آخر في رصد التقدم الإقتصادي. وكتب في تقريره الأصلي للكونجرس « يصعب استنباط رفاهية بلد ما من قياس الدخل القومي.» لقد أدرك أن الأدوات التي قدمها لواضعي السياسات محدودة، فهؤلاء لم يضعوا في الحسبان كل الجوانب التي يهتم بها المقياس الحقيقي للعافية الإقتصادية.
تختص الحسابات القومية، بحكم تعريفها، بتبويب السلع التي بها بطاقات أسعار (المسعرة) فقط وتستبعد كل الأشياء التي نفعلها لبعضنا البعض مثل الوقت المجاني الذي ينفقه الوالدان في رعاية أطفالهم أو الذي يقضيه الأبناء الكبار في رعاية آبائهم عند شيخوختهم.
كما أن هنالك مشاكل أخرى كذلك، فعندما يطلق مصنع أبخرة سامة في الهواء المحيط لا يتم خصم التكلفة المترتبة عن ذلك من الدخل القومي، فنحن لا نحسب الأثر السالب للأبخرة على رئات الناس الذين يقطنون بالقرب منه. ما هو أسوأ من ذلك، أننا نحسب المال الذي ينفق لتنظيف الهواء والمال الذي يصرف لمواجهة الارتفاع في معدلات الإصابة بالأزمة وسط السكان المحليين ونعتبر كل ذلك زيادة في الإنتاج.

لقد قلل تزايد اللامساواة منذ عهد كوزنيتس من دلالة ومغزى الناتج المحلي الإجمالي؛ وقتها كان الإرتفاع في الناتج المحلي الإجمالي يعني نمو الدخل في عموم البلد، أما اليوم فغالبا ما يشير ارتفاع الناتج إلى ارتفاعات حادة في دخول عدد قليل نسبيا من الناس في أعلى سلم الدخل. قام الاقتصاديون توماس بيكيتي وإيمانويل سايز وجابرييل زوكمان بعمل رائد تمثل في تصنيف بيانات الحسابات القومية بغرض توضيح وضع أصحاب الدخول عند كل مستويات الدخل عاما وراء عام وخلال مدة طويلة من الزمن يتضح من بياناتهم أن الفترة من عام 1980 وحتى عام 2016 (وهو آخر عام تتوافر بياناته) زاد إجمالي الدخل القومي بنسبة 1.3 % في المتوسط على أساس سنوي، لكن هذا النمو في إجمالي الدخل القومي استفاد منه بقدر أكبر من هم في أعلى سلم الدخل، فالذين يشكلون نسبة الـ 10% الأعلى في سلم الدخل ارتفعت دخولهم بحوالي 2.9%. أما البقية أو الـ 90 % الأدنى فقد زادت دخولهم بنسبة 1% فقط.

  • الكاتبة رئيسة مركز واشنطن للنمو المنصف