الحصانة .. بين الالتزام الأخلاقي والقانوني

أحمد بن سالم الفلاحي –

يفضي مفهوم الحصانة إلى إكساب الأفراد الحماية، سواء أكانت هذه الحماية وفقا لتطبيق القانون، أو العرف السائد بين الناس، ومتى شعر الفرد بهذه الحصانة، أقبل على الحياة بنوع من من الثقة، والاطمئنان، لأنه يعي أن حقوقه مصانة، وقيامه بالواجب المنوط به هو انعكاس لهذا الاطمئنان الذي يكون عليه، حيث تلبسه الحصانة ثوبا يشعره بالاطمئنان والرضا في آن واحد.
تأتي الـ «حصانة» كمصطلح حديث قياسا بعمر المعرفة القانونية لدى كثير من الناس، حيث تمارس في حدود ضيقة، وتصنف على فئات قليلة العدد «وظائفيا» قياسا بحجم الجمهور العريض، وقياسا بكم الوظائف التي يمارسها الناس في مختلف المؤسسات، ولذلك فهي غير مشاعة المعنى، وحتى عندما يأتي ذكرها في سياقات كثيرة معرفية، وقانونية، يذهب المعنى مباشرة إلى فئات بعينها، ومن ذلك: الحصانة الدبلوماسية، والحصانة القضائية، والحصانة البرلمانية، والحصانة السيادية، مع أن الحياة والممارسة تقتضي أن يكون مفهوم الحصانة يستوعب كل الممارسات، وكل الوظائف، العام منها والخاص، فمعنى الحصانة ينطبق عليه القول: «الأمر كلما ضاق اتسع» فللأفراد حصانة، وللبيوت حصانة، وللعلاقات حصانة، وللجماعات حصانة، وللمفاهيم عامة حصانة، وللسلوكيات حصانة، والمعنى يتقصى كل التفاصيل الدقيقة في حياتنا اليومية، استوعبنا هذا الفهم، أو لم نستوعبه، وبالتالي تكون هناك مغالطة موضوعية عندما نحصر المعنى للحصانة على الفئات الشائعة، التي تحظى بشرعية قانونية لمفهوم الحصانة، كما هو الحال في الوظائف التي جاء ذكرها أعلاه، فالشائع عند الناس هو حصانة وظيفتين؛ هما: الحصانة الدبلوماسية، والحصانة البرلمانية، ولذلك يكثر ترديدهما، لأنهما موثقتان قانونيا، ولهما تعريفات في الشرعة الدولية، أما بقية الحصانات وهي كل ما يتعلق بالممارسات الإنسانية لم تخصص لها نفس المسمى، وإن كان لها مكانتها الواسعة والشاملة في التشريع، تحت مسميات أخرى أيضا، وهي الحقوق المصانة بحكم القانون، مع أن الحقوق ذاتها تحتاج إلى حصانة، وهي عدم المساس بها أو تضييعها، أو تعطيلها.
وتعتبر حالة الزواج من أهم الموضوعات في الحياة الاجتماعية تحصينا، وقد جاءت نصوص قرآنية كثيرة، تعلي من شأن الحصانة في مختلف الممارسات المتعلقة بالزواج، ومن ذلك قول الله عز وجل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون» و «والمحصنات من النساء …» و «ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات …» و «محصنات غير مسافحات»و «فعليهن نصف ما على المحصنات …» وغيرها الكثير من الآيات التي جاءت في شأن حصانة المرأة وحصانة الحياة الزوجية بشكل عام، وكل ذلك لصون المجتمع من الانحلال والتردي في الرذيلة، وفي البهيمية العمياء، حيث يتسلسل مفهوم الحصانة منذ ذلك العهد الاجتماعي البعيد، الذي أرخ لمفهوم الحصانة، وأكسبها نوعا من الرزانة، والسمو، فترقت إلى مستوى الخلق الرفيع، فحصانة الزواج من الفاحشة التي تستعر فيها الشهوات، وتذل من خلالها النفوس، وتسحق من خلالها الكرامات، حيث تعرض على أرصفة الشوارع في حالات من المهانة والانحطاط، وهدر للكرامة الإنسانية، وتلويث للفطرة السليمة، هو الذي يذهب بالمجتمع إلى الطهر والنقاء، ووجود أفراد سليمي الفطرة، والمنبت، ولذلك يقال: حصنوا شهواتكم بالزواج، وعفافكم بغض النظر، وسلامة ضمائرك بالصدق، ووعودكم بالأمانة والوفاء.
يفضي مفهوم الحصانة إلى إكساب الأفراد الحماية، سواء أكانت هذه الحماية وفقا لتطبيق القانون، أو العرف السائد بين الناس، ومتى شعر الفرد بهذه الحصانة، أقبل على الحياة بنوع من من الثقة، والاطمئنان، لأنه يعي أن حقوقه مصانة، وقيامه بالواجب المنوط به هو انعكاس لهذا الاطمئنان الذي يكون عليه، حيث تلبسه الحصانة ثوبا يشعره بالاطئمنان والرضا في آن واحد، وتأتي (حصانة الأخلاق أو السلوك) من الانحلال، حيث سمو القيم، وتأثيرها الحافظ للحقوق، والواجبات، وإشاعة الأمن والاستقرار، فاستشعار أهمية الأخلاق «معنويا» هو الذي يفضي إلى بسط أردية الطهر في المجتمع، ويعيش الجميع تحت مظلة الأمن والأمان، فلا يخاف الجار من جاره، ولا الصديق من صديقه، ولا القريب من قريبه، ولا الموظف من مسؤوله، فتخيم هيبة المؤسسة الحاضنة للحصانة على الجميع، ويكون الشعور لا إفراط ولا تفريط في الواجبات، وفي الحقوق، كما أن شيوع (حصانة المعرفة) من الجهل؛ حيث تلبس الحياة مساحة آمنة من المعرفة الحقة، القائمة على البحث، والاجتهاد، فيسير الناس على بصيرة من أمرهم، عبادة، وتعاملا، وسلوكا، وتكاملا في الأدوار والواجبات، دون وجود أي فضاء معتم قائم على الجهل، ووفق هذه المميزات كلها التي توفرها الحصانة للحياة العامة والخاصة للأفراد، إلا أنه في المقابل كان من الحصانات التي يتخذها البعض ذريعة لجلب المصلحة، كاتخاذها نوعا من الوجاهة الإجتماعية، حيث يذهب المعنى إلى شعور من يتمتع بحصانة ما، أنه متحرر من سلطة القانون عليه؛ سواء أكانت هذه السلطة: أخلاقيا «ذاتية»، أو عرفيا «اجتماعية»، أو قانونا عاما، مع أن الحصانة ذاتها هي قانون تؤكد عليه الشرعة الدولية، وقد تتطور المسألة إلى إلحاق الضرر بالآخرين، وخاصة الذين تظللهم الحصانات بحكم وظائفهم العامة كـ (الدبلوماسيين؛ والقضاة؛ والبرلمانيين) وكثيرا ما نسمع، ونقرأ، ونشاهد، أحداثا مسيئة يقوم بها أفراد يستظلون بحصانات وظائفهم العامة، ولأنهم تحت مظلة هذه المسميات، فهم يظلون إلى وقت ما، خارج إطار القانون لتجريمهم، ومقاضاتهم، وإعادة حقوق الآخرين منهم؛ وعلى سبيل المثال؛ فـ «الحصانة الدبلوماسية» بقدر أهميتها بما توفره للدبلوماسي من حماية، فإنها؛ في المقابل؛ لا تعطي الدبلوماسي الحق في توظيفها التوظيف السيئ الذي يذهب بحاملها إلى انتهاك الحقوق، والمغالاة في توظيف ما تحمله الحصانة الدبلوماسية من القيم والأعراف الدولية، وتتجاوز حقوق العلاقات القائمة بين الدول، وبما يحقق الأمن والسلام الدوليين، وحتى تحافظ «الحصانة الدبلوماسية» على حقوقها ومكانتها، وأهميتها، وفق الأعراف والقيم المتبادلة بين الدول، و«الحصانة القضائية» لا يجب ان تتجاوز العدالة الحقوقية للأفراد في المجتمع، وتذهب إلى ما يحقق لرجل القضاء مصالحه الشخصية، ويلبي نزواته الضيقة، والتضحية بالعدالة في متونه الخاص، وجعل العام مالا مشاعا، وأنفسا تتقاذفها حمى المصالح الذاتية، حتى تسقط الحقوق والملكيات في متون الظلم والظلمات، ويدفع الأبرياء ثمن نزوات القضاة، وتماهيهم مع مصالحهم الخاصة، كما تأتي «الحصانة البرلمانية» كأحد الاستحقاقات المهمة لعضو البرلمان، لكي يتمتع بالحرية في الحوار الموضوعي الذي يقوم به بدلا من أبناء المجتمع الذين أولوه الثقة لكي ينوب عنهم في مشروعية الحوار القائم مع السلطة التنفيذية؛ وهو حوار يذهب إلى زيادة لبنات في مشروع التنمية للوطن، وليس لإسقاطه في خندق المصلحة الخاصة، وبالتالي فمتى تجاوز البرلماني هذا المحدد، يصبح ليس جديرا لأن يحمل هذه الحصانة، وليس جديرا لأن يكون تحت قبة البرلمان الممثل للشعب كله.
أختم هنا بتعريف موقع «ويكيبيديا» الموسوعة الحرة (https:/‏‏/‏‏ar.wikipedia.org/‏‏wiki) للحصانة؛ وهي: «الإفلات من العقوبة أو الهروب من دفع الغرامات» ويشير هذا المصطلح في القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى الإخفاق في محاكمة مرتكبي جرائم انتهاك حقوق الإنسان وهذا في حد ذاته يعد إنكارًا لحقوق الضحية في الحصول على العدالة والإنصاف. وينتشر مفهوم الحصانة في البلاد التي تفتقر إلى تقليد فرض القانون، والتي تعاني من الفساد أو تلك التي لديها نظم تدعم المحسوبية أو حيث تكون السلطة القضائية ضعيفة أو أن يكون أعضاء الأمن القومي محميين عن طريق ولاية قضائية أو حصانات» وتٌعرّف مجموعة مبادئ حماية وتعزيز حقوق الإنسان من خلال إجراءات مكافحة الحصانة، المعدلة والمقدمة للأمم المتحدة لجنة حقوق الإنسان في 8 فبراير 2005 الحصانة على أنها: «استحالة من الناحية الشرعية أو الواقعية، محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات – بينما في الدعاوى الجنائية والمدنية والإدارية – حيث إنهم لا يخضعون لأي مساءلة يمكن أن تؤدي إلى اتهامهم أو إلقاء القبض عليهم أو محاكمتهم إن وجد أنهم مذنبون والحكم عليهم بالعقوبة المناسبة ودفع تعويضات لضحاياهم».