مجلس عُمان ورهانات المستقبل

أحمد بن محمد الهنائي :باحث دكتوراه في القانون الدستوري والعلوم السياسية –

من نافلة القول أنه بصدور المرسوم السلطاني رقم (77/‏2019) بتعيين أعضاء مجلس الدولة، ومن قبله صدور بيان وزارة الداخلية بتسمية أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، يكون قد اكتمل البناء البرلماني من الناحية الشكلية، وذلك لمرحلة جديدة من مراحل تطور الدمقرطة البرلمانية.
ويأتي تشكيل هذا المجلس بغرفتيه في ظل مرحلة غاية في الأهمية من حيث الملفات والقضايا ذات الطبيعة الاقتصادية، والاجتماعية التي تمر بها المسيرة التنموية للسلطنة، وتفصيلاً لذلك سنستعرض للجوانب التشريعية والرقابية ذات الصلة بالمجالين الاقتصادي، والاجتماعي، وذلك على النحو الآتي:

أولاً : دور مجلس عُمان
في المجال الاقتصادي:

لقد أحسن المشرع العُماني صنعا في قيامه بإصدار عدد من القوانين الاقتصادية؛ لتلبية التنمية الاقتصادية للسلطنة خلال هذه المرحلة، ومن أبرز تلك القوانين: قانون استثمار رأس المال الأجنبي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (50/‏2019)، وقانون التخصيص الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (51/‏2019)، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (52/‏2019)، وقانون الإفلاس الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (53/‏2019).
ومما لا ريب فيه أن توفير المناخ التشريعي لأي دولة من الدول يعد من الأسس الضرورية لاستقطاب رأس المال الأجنبي، ورفع المستوى الاقتصادي بغية تعزيز القطاع التنموي.
وتجدر الإشارة إلى وجوب قيام الجهات المختصة بتنفيذ تلك القوانين إلى ضرورة تضمين اللوائح التنفيذية الخاصة بالجوانب الاقتصادية بالآليات المناسبة التي تخلو من التعقيد الإداري التقليدي، وتوفير الموارد البشرية ذات الكفاءة في إدارة هذا القطاع، وتسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة الفئوية الاقتصادية، ودراسة كل ما من شأنه حلحلة الإشكاليات ذات الصلة بالجانب الاقتصادي. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن الأمر يستوجب قيام الجهات المختصة بتنفيذ تلك الأطر التشريعية بمراجعة وتقييم فاعلية إنجاز الأعمال، وتحديد مدى انسجام تلك الأطر مع الواقع العملي في كافة المراحل، بغية تقويم الجانب الاقتصادي للدولة، ومواكبة التطور المتنامي، لتحقيق الديمومة والاستدامة لهذا القطاع.
وغني عن البيان أن مجلس عُمان ــ ممثلا في مجلس الشورى ــ له دور كبير وفعال نظير ما يمتلكه هذا المجلس من أدوات ووسائل رقابية؛ لتقديم المساندة والدعم اللازم للحكومة من خلال الدراسات والتقييم الحقيقي لمدى انسجام القوانين النافذة ذات الصلة بالجانب الاقتصادي مع الواقع العملي، وتقديم مقترحات مشروعات القوانين التي تعزز تطور وبناء هذا القطاع متى ما ارتأى المجلس ضرورة إجراء ذلك من واقع قربه ومعايشته للجانب المعيشي للأفراد، وما ينسجم مع الخطط التنموية للدولة ذات الصلة بالقطاع الاقتصادي.

ثانيا: دور مجلس عُمان
في المجال الاجتماعي:

لا مندوحة في أن الواقع الاقتصادي العُماني، كسائر القطاعات الاقتصادية العالمية، ينعكس إيجابا وسلبا على الجانب الاجتماعي من خلال مدى تنامي هذا القطاع وتطوره وقدرته على تلبية وإشباع حاجيات الأفراد، وهنالك العديد من الملفات والقضايا التي تنتظر مجلس عُمان في فترته الجديدة لمواجهتها ودراستها، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها، لعل أبرزها مسألة الباحثين عن العمل، فالجميع يدرك أن الجهاز الإداري للدولة بجميع مكوناته لا يستوعب هؤلاء الباحثين، والذين هم في تزايد مستمر نتيجة ما ترفده الجامعات والكليات من داخل السلطنة وخارجها إلى سوق العمل.
وفي المقابل، فإن القطاع الخاص قد أصبح كذلك يعاني من مسألة توظيف هؤلاء نتيجة الانعكاس الاقتصادي للدولة؛ لذا يقع على كل من مجلس عُمان والحكومة دراسة ملف التوظيف وعلى هاتين السلطتين ــ التشريعية والتنفيذية ــ العمل معا للحد من مسألة الباحثين عن العمل، ونحن نرى ضرورة القيام بتقديم الدراسات والإحصائيات اللازمة للوضع الاقتصادي للدولة، وخاصة ما يمتلكه القطاع الخاص من موارد بشرية وطنية ووافدة؛ بغية إعادة هيكلة هذا القطاع، والإحلال الانتقائي للكوادر البشرية العُمانية القادرة على إدارة هذا القطاع.

كما قد يكون من المناسب قيام مجلس عُمان بدراسة الوضع الاجتماعي لأسر الضمان الاجتماعي، من أجل تحويل هذه الفئة من السكان إلى فئات منتجة، قادرة على الاعتماد على نفسها، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال خلق الوسائل والبدائل التي تساعدهم على الانتقال من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج، الذي سيترتب عليه التخفيف عن كاهل الدولة من الناحية المالية، ويعزز في الوقت ذاته الجانب الاقتصادي لهذه الفئات.
وفي الختام، فإنه من الأهمية بمكان في هذه المرحلة من مراحل التنمية العُمانية أن يكون هنالك مزيد من التعاون، وقدر أكبر من تكثيف العمل بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية لدعم المسيرة التنموية للنهضة العُمانية بشكل عام، ودعم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص، وذلك من خلال التقييم المستمر للقوانين النافذة، ودراسة مدى قدرتها على مواجهة وتلبية الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية في كل مرحلة زمنية، بغية تقويم تلك القطاعات بما ينسجم ويحقق الخطط التنموية، ويلبي حاجات الأفراد، سواء أكان ذلك من خلال إيجاد البيئة التشريعية المناسبة لكل مرحلة من مراحل التنمية أم من خلال توفير الأدوات والوسائل التي من شأنها تعزيز المكانة الاقتصادية والاجتماعية للسلطنة.