الوطن .. أمانة ومسؤولية

الــولاء لـلـوطـن –
د.ناصر الندابي –

«إن من الجوانب المهمة التي ينبغي أن يضعها الإنسان نصب عينيه وهو يعيش في وطنه سالما غانما معافى مطمئنا أن يتذكر دائما وأبدا أنه على ثغرة من ثغور وطنه يخشى أن يؤتى الوطن من خلالها، عليه أن يشعر أنه كمثل ذلكم الحارس الذي يحمي حدود الوطن، فذاك يحميه من الأعداء الذين يحاولون التسلل إليه بدون إذن، وأنت أيضا تغلق كل المنافذ التي يمكن أن تستخدم فيها بابا للولوج إليه بأي صورة من الصور وبأي شكل من الأشكال».

حينما تحدثني عن الوطن فكأنك تحدثني عن نفسي، وعندما تطلب مني أن أصف الوطن فكأنك توجه إلي سؤالا لأتحدث فيه عن نفسي، نعم لست مبالغا في ذلك فالوطن جزء مني، جزء لا يتجزأ، جزء لا يمكن فكاكه من الكل، لأنه لا معنى له بدونه، فعندما أتذكر هويتي وشخصيتي دائما تنازعني الأفكار وتظهر على كل ما ينخرط فيها من تطلعات لترغمني بالحديث عن وطني فلا يمكن أن يكون اسمي دون وطني، ولا جمال لي دونه، ولا هويتي لي دونه. ولا غرو في ذلك فحينما تتذكر مراحل طفولتك لا تتذكرها مجردة بل كل لحظة من اللحظات التي عشتها وتعيشها ستكون ملتصقة بالأرض التي قضيت فيها تلك اللحظات السعيدة مع من تحب ومع من كنت ترى الكون فيه وفي العيش بوسطه. وحينما تكبر رويدا رويدا يكبر معك الوطن، وتبدأ تفكر في رد معروفه لك، نعم لقد شاركك كل لحظات حياتك الجميلة، فتسعى لرد تلك الفضائل المتتالية والنعم المتوالية عليك من قبله، فتبذل قصارى جهدك لنهضته والحفاظ عليه والإبقاء عليه معززا مرفوع الرأس بين تلك الأراضي التي تراها من حولك، وبين تلك الدول التي يموج العالم بها، وترى أن عزته من عزتك وكرامته من كرامتك وشموخه من شموخك وإباءه من إبائك….
فهذا أكثم بن صيفي يصيغ ما يختلج في قلبي نظما فيقول:
لي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذاك
فقد ألفته النفس حتى كأنه لها جسدا إن بان غودر هالكا
وبعد هذا أقول لك أخي القارئ:
لا تلم حبي لوطني فأنني
أسير على نهجي النبي المرسل
نعم فكل ما قلت ليس اعتباطا وضربا من الخيال، بل ما قلته سيرا على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي كان محبا لوطنه، محبا لوطنه الذي ولد به ومحبا لوطنه الذي انتقل إليه، فحينما أخرج نبي الهدى – بأبي هو وأمي- من مكة المكرمة، أدار وجهه نحوها وخاطبها وكأنها يعلم أن كل جزء فيها يحبه ويحب بقاءه، بل كل شجر ومدر يتشرف أن يراه فيها غدوا ورواحا، قال لها وقلبه ينفطر حزنا على فراقها: «والله إنك لأحب البقاع إلى الله وأحب البقاع إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت». إنه وداع واعتذار لهذه الأرض التي عاش فيها صباه وشبابه، وفيها ومن خلالها أستلم راية الحق والرشاد، ومنها بزغ نور الهداية للبشرية، ومنها ارتقى إلى السماء السابعة، وبها وفي جنباتها مر مع صحبه وأتباعه، إما دعاة للإسلام أو عونا لمن فيها. وهنا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم درسا أخر في حب الوطن، وتعريفا جديدا له، فبعد أن خرج من مكة ونزل بالمدينة المنورة، أنزل معه ذلكم الحب الكبير للوطن ليزرعه على أرض المدينة فيثمر ولاء لطيبة وعشقا لها وازى حبه لمسقط رأسه – مكة المكرمة -. ومن هنا يخرج لنا مفهوم أخرى للوطن فليس الوطن ذلكم التراب الذي كان مسقط رأسك وإنما هو كل أرض تعيش فيها وتنعم من خيراتها، وتستظل بسمائها، وتسعد بالأمن والأمان فيها، وهنا نجد الهادي المهتدي يقول سائلا ربه حب المدينة :« اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد» وقال صلى الله عليه وسلم أيضا داعيا لها بالخير :« اللهم بارك لنا في مدينتنا». فليس وطن المرء هي الأرض التي ولد فيها ونشأ بل كل وطن يعيش فيه، سواء أجبر للعيش فيه طلبا للرزق أو وجده أكثر أمانا أو وجد راحته به أو غيرها من الأسباب، كما وقع ذلك لنبي الهدى والرشاد محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي هذا المعنى يقول أحمد شوقي :
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حرٍّ
يدٌ سلفَتْ ودَينٌ مُستحقُّ
إن من الجوانب المهمة التي ينبغي أن يضعها الإنسان نصب عينيه وهو يعيش في وطنه سالما غانما معافى مطمئنا أن يتذكر دائما وأبدا أنه على ثغرة من ثغور وطنه يخشى أن يؤتى الوطن من خلالها، عليه أن يشعر أنه كمثل ذلكم الحارس الذي يحمي حدود الوطن، فذاك يحميه من الأعداء الذين يحاولون التسلل إليه بدون إذن، وأنت أيضا تغلق كل المنافذ التي يمكن أن تستخدم فيها بابا للولوج إليه بأي صورة من الصور وبأي شكل من الأشكال. وتأتي في مقدمة هذه المخاطر التي ينبغي أن تنتبه لها هي أن تفتح بابا من جهتك يدخل من خلاله من يريد خرابا ودمارا لهذا الوطن، فلا تغريك الأموال ولا المناصب ولا أي شيء من متع الدنيا مقابل أن تخون وطنك ولو ببنت شفة، فإن من تقدم له شيئا عن وطنك متنازلا فيه عن قيمك وقيم حبك لوطنك، ثق تماما أنك لن تجد منه الحب والثقة ولن تجد منه القبول والأمان، وإن بدا لك ذلك لأول وهلة، فإنه سيقلب عليك رأس المجن، لأن الخائن لا يحبه أحدا مطلقا، فكل أرض الله تلفظه وكل إنسان على هذه البسيطة يكرهه، بل لا أبالغ إن قلت أن كل شيء في هذا الكون ضده ويسير على عكس مراده، فهذا الكون يسبح لله والتسبيح حاشى وكلا أن يكون ملطخا بتلك القيم الفاسدة.
إن كل عمل تقوم به في هذا الوطن يوكل إليك، وتبتعد فيه عن الإخلاص فإنك بذلك تخون وطنك من حيث لا تشعر، فانت ستكون معول هدم له، إذ أن التطور والنهوض بالمجتمع مسؤولية الجميع، فإن انحرفت عن الجادة وابتعدت عن سير هذا الركب الذي يسهر ليل نهار لرقيه ورفعته، فأنت خال من الوطنية وبعيدا كل البعد عن الولاء لهذا الوطن، وأن عليك أن تراجع نفسك وتراجع حبك لوطنك. وهناك نقطة أخرى مهمة جدا توضح مدى ولائك وحبك لوطنك ألا وهي حفاظك على قيم ومبادئ وعادات وتقاليد هذا الوطن، أو بمعنى أعم حفاظك على هويتك العمانية التي ورثتها من أجدادك، تحافظ على هذه القيم والمبادئ على أرض وطنك وتكون أشد حرصا عليها وأكثر حفاظا وأنت خارج حدودها لأنك سفير هذا الوطن ومن خلالك يحكم الناس الآخرون على وطنك وعلى مكانته وهويته. أخي القارئ كلمات أخيرة أختم بها كلامي هذا، أن هذه الأيام هي أيام نحتفي فيها ونحتفل بالعيد الوطني المجيد، فأقول أيضا إنه من حقك أن تعبر عن مدى فرحتك بكل ما تحقق على أرض هذه الوطن، وأنه لا مانع أن تسعد وتسعد من تعول بهذا اليوم المبارك ولكن تذكر دائما أن نهاية حدود حريتك في الفرح هي عند بداية حريات الآخرين، فلا تعكر صفو فرح الآخرين من أجل أن تعبر أنت عن مكنون فرحك.. حفظ الله هذا الوطن العزيز وحفظ سلطانه المجيد وأعاده الله على عمان وقائدها – حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم – وهو يرفل في ثوب الصحة والعافية.

 

الأمان حصن الأوطان –

يحيى الهاشلي –

«تحقيق العدل بين أبناء الوطن الواحد يؤسس لشعب محب باذل لوطنه، بخلاف لو عدمت العدالة في بلد ما لقصد كل فرد إلى مطامع يجنيها ومآرب يحصل عليها بأي وسيلة دون اكتراث بشركائه في الوطن فيظلمهم حقوقهم، والمظلوم لا يجد في نفسه الدافع لصون وحفظ وطن لا ينال فيه حقه فيكون متخاذلا عن نصرة وطنه وحمايته عند العدوان».

لقد خلق الله بني آدم وبثهم في الأرض ليقوموا بأمر خلافة الأرض وعمارتها، فانتشر بنو آدم في أصقاع الأرض دانيها وقاصيها، وارتحلوا مستوطنين سهولها وقمم جبالها، وخاضوا البحار وسكنوا النائي من الجزر والأمصار، وتوغلوا في الصحارى القاحلة وجاوروا في أدغال الغابات البهائم المفترسة، ولا يكاد تخلو بقعة من البسيطة إلا واسكنها الإنسان وكان له وجود فيها حتى ما كانت الحياة قاسية فيها كالصحاري الجافة والأقاليم المتجمدة فاتخذها الإنسان منزلا وسكنا، ونجد في القرآن الكريم مثلا لذلك الانتشار الإنساني في قوله سبحانه تذكيرا لثمود بنعمته عليهم بقوله : (وَٱذۡكُرُوۤا۟ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَاۤءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادࣲ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورࣰا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُیُوتࣰاۖ فَٱذۡكُرُوۤا۟ ءَالَاۤءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ)، لقد كان قصد الإنسان من التوسع في الأرض ابتداء البحث عن الغذاء وطلب الأرزاق وفي حالات الهرب من العدوان، إلا أن تقادم الزمان على الأجيال رسخ في النفوس التعلق بتلك الأماكن والطمأنينة إلى المقام بها باتخاذها أوطانا، فالوطن هو مكان إقامة الفرد ومنزل استقراره، ومحل سكنه وانتمائه، ويتولد عن هذا الانتماء تعلق قلبي ونفسي لما لهذا الوطن من مكانة معنوية ومادية للإنسان فيكون لذلك مستعدا لبذل نفسه وما يملك لحمايته والذود عنه، وقد جاءت الإشارة في القرآن الكريم للعلاقة بين الإنسان ووطنه بجعل الإخراج من الوطن والتهجير مساويا للقتل، فقال سبحانه عن ميثاقه لبني إسرائيل: (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَاۤءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ).
إن أهم ما يميز الوطن ويجعله مستقر الأنفس هو طمأنينة نفس الإنسان فيه وأمانه فيه على نفسه ومعتقده وما يملك، فلا يكون الوطن وطنا ما لم يحس المرء بالطمأنينة والأمان، وما هجرة الكثير من البشر على مر العصور إلا لفقدان ذلك، وقد جاء مصداق ذلك في الكتاب العزيز في عدة مواطن، فقال سبحانه ممتنا على أهل مكة : (أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَـٰطِلِ یُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ یَكۡفُرُونَ)، فكانت نعمة الأمن نعمة عظمى لهم دعتهم للاستقرار والتنعم بوطنهم، كما جاء ذكر النقيض من حال الأمان في الوطن والإنكار على الذين آثروا البقاء فيه ليفتنوا فوسمهم بظلم أنفسهم لعدم هجرتهم من تلك الديار بقوله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِینَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمۡ قَالُوا۟ فِیمَ كُنتُمۡۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِینَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَ ٰ⁠سِعَةࣰ فَتُهَاجِرُوا۟ فِیهَاۚ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرًا)، كما جاء في الحديث أهمية أمان الإنسان كسبب في استقراره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا)، من هنا نجد أن أمان الأوطان هو الركيزة الأولى لوجودها وعند فقدها يفقد الوطن وجوده معنويا في النفوس وماديا في الواقع، وفي شواهد الماضي والحاضر أعظم العبر والشواهد.
إن القرآن الكريم يرشدنا لسبل حفظ أمان الوطن وطمأنينة العيش فيه من خلال شكر الله على نعمه والأمان في مقدمتها، قال سبحانه : (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَىِٕنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَدࣰا مِّن كُلِّ مَكَانࣲ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَ ٰ⁠قَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ)، وقال عن حال أهل مكة وتنعمهم بالأمان فيها وإعراضهم عن شكر المنعم بالإيمان به إلى الجحود : (وَقَالُوۤا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَ ٰ⁠تُ كُلِّ شَيءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ* وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِیشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَـٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِیلࣰاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَ ٰ⁠رِثِینَ)، وضرب الله مثلا للعباد بسبأ البلد الذي كان جنة وآية وكان آمنا وأهله في رغد من العيش فقابلوا هذه النعم بالكفر بدل الشكر فكان من حالهم التمزق والتشرذم وذهاب ما كانوا فيه، وفي المقابل من ذلك يجعل الله تعالى لنا في الخليل إبراهيم عليه السلام المثل كيف جعل الله له ولذريته من واد غير ذي زرع وطنا آمنا تساق إليه النعم، ففي سورة إبراهيم يذكر الله سبحانه عددا من نعمه على الناس المبثوثة في الكون ثم يقول: (وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَظَلُومࣱ كَفَّارࣱ) ثم يعطف هذه الآية ببيان الحال التي ينبغي أن يكون عليه الإنسان بذكر حال إبراهيم الشاكر لنعم الله عليه ودعائه أن يجعل البلد الذي اسكن فيه ذريته بلدا آمنا وأن يجنبه الكفر (وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَـٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ)، فكان أن استجاب الله دعاء خليله إبراهيم وربط دوام بقاء حال البلد في أمن وخير ببقاء أهله على عبادة الله وشكره كما ورد في سورة البقرة: (وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِیلࣰا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥۤ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِیرُ)، وهذه سنة من سنن الله إذ جعل الله في عبادته وإتباع أمره سببا لخير البلدان والشعوب فقال : (وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَـٰتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذۡنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ)، كما جعل في المقابل البعد عن منهج الله سببا في زوال البلدان وهلاك أهلها فقال : ( وَإِذَاۤ أَرَدۡنَاۤ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡیَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُوا۟ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرࣰا).
كذلك أن من أهم أسباب تحقق أمان الأوطان وجود العدل بين أهله، فإن وجود العدل بكافة صوره يحقق الأمان، إذ لا يخشى الفرد مع العدل فوات حقوقه كما يحرص على أداء واجباته، فيأخذ ما له ويؤدي ما عليه، ولكن إن اختل ميزان العدالة في المجتمع كان ذلك إيذانا بتزعز أمنه واستقراره، إذ سيكون الظلم هو المتحكم فتضيع الحقوق وتنتهك الحرمات ويعتدي كل ذي قوة على من هو دونه، فلا يبقى من الوطن في النفوس إلا حدوده واسمه ويصبح سجنا كبيرا يتوق المستضعفون فيه للفرار منه، ويذكرنا الكتاب العزيز بمثل هذه الأوطان في كثير من الآيات وقصص الأمم السابقة الجامع لها كلها صفة الظلم، يقول سبحانه وتعالى : (وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡیَةࣲ كَانَتۡ ظَالِمَةࣰ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِینَ).
إن تحقيق العدل بين أبناء الوطن الواحد يؤسس لشعب محب باذل لوطنه، إذ تكون لدى الفرد الدافعية النفسية والإيمان بأن حفظ الوطن والدفاع عنه تعود عليه بالمنافع والمصالح، بخلاف لو عدمت العدالة في بلد ما لقصد كل فرد إلى مطامع يجنيها ومآرب يحصل عليها بأي وسيلة دون اكتراث بشركائه في الوطن فيظلمهم حقوقهم، والمظلوم لا يجد في نفسه الدافع لصون وحفظ وطن لا ينال فيه حقه فيكون متخاذلا عن نصرة وطنه وحمايته عند العدوان، لذلك كان من أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة أن يؤسس حكمه بين من تحت سلطانه على العدل وإعطاء الحقوق لأصحابها فقال سبحانه: (إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا).

 

حق واجب –

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

«الوطن أمانة ووسام في عنق كل مواطن، يجب المحافظة عليه والمحافظة على المكتسبات التي تحققت بجهد كبير بذلته الدولة من أجل توفير المناخ المناسب للعيش باطمئنان وسلام، وهو ما كان ليتحقق لولا تضافر الجهود المبذولة بين المواطن والدولة، وقد حرص الإسلام على أن تكون علاقة المواطن علاقة تأثر وتأثير، وعلاقة حق وواجب، وعلاقة أخذ وعطاء، فلا يمكن للمواطن مثلا أن يطالب بحقوقه تامة ولا يهتم بواجباته بعد أن حصل على كل شيء، لأن الأمانة تقتضي منه أن يقوم بواجباته مثل ما يطالب بحقوقه».
عندما يرتبط الإنسان بالمكان الذي ولد فيه وترعرع ونشأ تتكون علاقة عاطفية بينهما تتوطّد عبر الزمن، وكلما كبر كان أكثر اشتياقا وشوقا له، هذه العلاقة تتميز بكونها علاقة تأثّر وتأثير، فلا يمكن للإنسان أيا كان أن يكون سلبيا في بيئة أحب أن يعيش فيها طفولته وشبابه وكهولته، أو وجد نفسه فيها وتكيف معها وعاش في جنباتها وحدث توافق بينهما، لأنه لا شك سيكون وفيّا لهذه الأرض التي أنتجته وسخرت له كل الإمكانات والموارد ليعيش حرا طليقا كطيف النسيم، يستنشق هواءها، ويستفيد من خيراتها، ويستمتع بأجوائها، فالإنسان الوفي هو الذي يمسك بتلابيب الميثاق الذي عاهد نفسه عليها بأن يردّ الجميل ويبقى أمينا على مكان عشقه ورضع منه لبن الحياة الأولى ومشقة الحياة بعد نموّه شابا وكهلا وشيخا، وعلى هذا يبقى هذا الارتباط طويلا لا يزول مهما تعددت الأسباب، فقد يجور الحاكم يوما ويلجأ المحكوم إلى مكان غيره، لكن الحنين والشوق إلى أصله سيغلبه، وسيعود يوما يكفكف فيه الدمع فرحًا برجوعه إلى الوطن الأصل.
ذلك هو الإنسان عموما، ولكن المسلم يكون أشد ارتباطا من أي إنسان، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أحبّ مكة حبا شديدا فلقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم يُخاطب مكة المكرمة مودعًا لها وهي وطنه الذي أُخرج منه فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: (ما أطيبكِ من بلد وأحبَّكِ إليَّ! ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ) قالها بلهجة حزينة مليئة أسفًا وحنينًا وحسرةً وشوقًا – مخاطبًا إياه: (ما أطيبكِ من بلد! …). هذه الكلمات الجميلة الأنيقة التي خرجت من فم أعظم مخلوق على وجه الأرض تعطي دروسا قوية على حب الوطن العزيز، الوطن المكان الذي نشأ فيها المسلم وأحبّه وعشقه، الوطن الذي تشرف بالانتماء إليه ويفتخر بذلك أمام الملأ كما فعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
فالمسلم يكون شديد الارتباط بوطنه لأنه يرى فيه أصله وأهله والمكان الذي فتح عينيه عليه، وهو بناء على ذلك الحضن الذي عاش فيه حياته الأولى، فالوطن وفر له كل الحاجيات الضرورية المطلوبة للعيش من الصحة والبيئة والحماية من أي تغيرات داخلية وخارجية، والسهر على حمايته من الأمراض والعاهات وجميع الآفات، فوفر له اللقاحات اللازمة المجانية والعناية الطبية الكاملة منذ خروجه للحياة باكيا، كما طلب من أسرته المتابعة الطبية المستمرة والدقيقة لنموه وفق جدول مدروس ودقيق حتى ينمو طبيعيا وحتى يعيش في أفضل الأجواء، ثم وفر له التعليم الجيد المجاني منذ الصف الأول الابتدائي إلى المرحلة الجامعية ويتابع تنقله من مرحلة إلى مرحلة محاولا توفير كل مستلزمات الدراسة وحتى يتعلم أدوات التفكير والإبحار في العلوم المختلفة والمعارف المتعددة، وبعدها استطاع الوطن أن يؤهله ويدربه على العمل لخدمة الوطن الذي بذل الجهد الكافي لصناعته ويؤدي ما عليه من ديْن إن صح التعبير، رغم أنه يوفر له وظيفة مرموقة يستطيع بواسطتها العيش بسلام ويهنأ هو وأسرته لتتواصل الحياة على نسق كبير من التوافق بينه وبين الوطن.
وعلى هذا يكون الوطن أمانة ووسامًا في عنق كل مواطن، يجب المحافظة عليه والمحافظة على المكتسبات التي تحققت بجهد كبير بذلته الدولة من أجل توفير المناخ المناسب للعيش باطمئنان وسلام، وهو ما كان ليتحقق لولا تضافر الجهود المبذولة بين المواطن والدولة، وقد حرص الإسلام على أن تكون علاقة المواطن علاقة تأثر وتأثير، وعلاقة حق وواجب، وعلاقة أخذ وعطاء، فلا يمكن للمواطن مثلا أن يطالب بحقوقه تامة ولا يهتم بواجباته بعد أن حصل على كل شيء، لأن الأمانة تقتضي منه أن يقوم بواجباته مثل ما يطالب بحقوقه، وأن يخدم وطنه بكل قواه من أجل أن يستمر في العطاء وأن يواصل المسيرة ويحقق النتائج المرجوة للأجيال التالية، فكلما كان المواطن صالحا ومؤديا أعماله وفق الشريعة الإسلامية التي تحثه دائما على العطاء والبذل والإنتاج والإسهام في رفعة الوطن وعزته كان ذلك أدعى إلى مواصلة هذه العلاقة الجدلية، كل هذه الأمور عدها الإسلام واجبا وفرضا على كل مسلم ومسلمة بل هي واجب إنساني أيضا تلتزم به الإنسانية جمعاء لقوله تعالى: «إن اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»، فالوطن أمانة وعلى المواطن ديْن يبقى في عنقه إلى يوم القيامة، إذا سدده فقد أدى واجبه وإن ماطل في أدائه خسر الدنيا والآخرة، إذ لا يعقل أن يأخذ المسلم ولا يعطي، وأن يحصد ولا يزرع، وأن يحصل على منفعة أو مال ولا يقدم خدمة، فذلك من الحرام شرعا كما ورد.
بل إن المسؤولية تبقى قائمة على عاتقه إلى حين وفاته أو عجزه أو مرضه مرضا لا يرجى برؤه، فلذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» وذلك دليل قاطع على أن المسلم يعطي أكثر مما يأخذ، ويزرع أكثر مما يحصد، ويقدم خدمات أكثر مما ينتفع، ليحصل على الأجر النافع في الآخرة، فالمنفعة الإسلامية ليست لها حدود مادية، بل لها آثار معنوية تتخطى الأفعال الحقيقية التي يقدمها المواطن لوطنه، بمعنى أن المنفعة الإسلامية هي أن تحصل على مقابل أقل مما تقدمه من خدمات، باعتبار أن الفائض الذي تقدمه تطوعا تريد به وجه الله تعالى وأن يجعله ذخرا لك يوم القيامة لأنك مقتنع بأن أداء المؤمن أو المسلم ليس له حدود، وإن لقي تهكما أو سخرية من الآخرين لا كما يقول العامة: «ليش تعب نفسك، اعمل بقدر راتبك» وهي مقولة غير صحيحة لأنها تشجع على الكسل والخمول والأنانية المفرطة التي يحاربها الإسلام، وينبذها الدين الحنيف، ولنا في رسولنا الكريم وصحابته الكرام أعظم مثال على التفاني في العمل وخدمة المكان الذي نعيش فيه وله علينا واجب كبير، فالرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يشجع أصحابه على بذل أقصى الجهد من أجل تعمير الوطن ومن أجل أن يسعد الآخرون غير القادرين على العمل، ومن أجل تهيئة المناخ المناسب للأجيال القادمة، لذلك فهو حريص علينا، بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وعلى هذا تكون المسؤولية كبيرة على كل مواطن شرب من معين الوطن وتكمن مسؤوليته في الحفاظ على الموجود واختراع الجديد الذي يحافظ على كيان الدولة ويسهم في الارتقاء بالحياة الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي فإنه محاسب أمام الله تعالى وأمام الوطن وأمام التاريخ على كل إخلال بالواجبات الوطنية، فالانتماء إلى الوطن والوطنية لا تعني إطلاق سرب من الألفاظ والكلمات والتعبيرات الرقراقة والفضفاضة في مواقع التواصل الاجتماعي والخطب والمحاضرات والدروس وإنما هي منهج عمل متواصل مدى الحياة منه تستقي الأجيال بعضها من بعض وتروي بعضها بعضا لتستمر الحياة والتنمية ويعلو صوت العمل التطوعي لأنه المسار المعزز والمستديم للتنمية البشرية والاجتماعية، وبالتالي نحن أمام مفهوم جديد للوطنية والانتماء للوطن وهو مفهوم دراماتيكي من شأنه أن يجعل كل مواطن يشعر بالفخر والاعتزاز لأنه أدرك بحسه هذا الحمل الثقيل مقتنعا بما يؤديه من أعمال في سبيل رقي الوطن وتقدمه. وعندما يستشعر المواطن هذه القدسية في نفسه سيسعى بلا شك إلى الابتكار والاختراع والتزود بالمعرفة وإلى خدمة كل ما من شأنه أن يضيف شيئا مهما إلى الوطن والمجتمع، وسيظل على هذه الوتيرة من العمل الجاد والمثمر والمتواصل لتحقيق الطفرة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، في وقت نحتاج فيه إلى هذه الطاقات التي تؤمن بعزة الوطن وكرامته وتمثله في الخارج بأخلاقها وسلوكها ومعاملتها الراقية، عندئذ نستطيع أن نقول: إننا وطنيون بأتم ما في الكلمة من معنى، فالوطن الذي أعطى وقدم وبذل هو الذي يفوز وينتصر على كل الصعوبات والعراقيل والمنغصات ويتجاوز ذلك بكل أريحية وشجاعة وإقدام دون تذلل ودون رفع راية الاستسلام، لأن الوطن في النهاية هو المكان الذي يأوي المواطنين والمواطنات ويسعى إلى أن يكونوا أوفياء له من خلال ما يقدمه من وجبات فكرية وجسدية راقية تسمح له باجتياز الامتحان عند حلوله لأن الوطن في النهاية المأوى الأساس لكل مواطن مهما أخطأ في حقه. وعندما نقرأ التاريخ ونتأمله، نرى مواطنين آثروا أن يخدموا أوطانهم بعزة وكرامة فنالوا أوسمة البطولة في الدنيا وشهادة الفخر في الآخرة، لأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم فداء للوطن ولم يحسبوا لأنفسهم حسابا ولم يؤثروا مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة.