الوطن مسؤوليــة الجميـع.. نمضي من أجـــل رفعته وتقدمــه ومواصلــة بنائــه وتعميــره

خطبة الجمعة تدعو إلى المحافظة على أمـنه والسعي إلى تنميته –

تتحدث خطبة الجمعة لهذا اليوم عن حق الوطن مبينة إن الأمن في الأوطان من أعظم نعم الله على الإنسان، وهو ثمرة من ثمرتين للإيلاف (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، ومن عظمة نعمة الأمن أن سألها الأنبياء والمرسلون، وطلبها عباد الله الصالحون؛ فهذا نبي الله إبراهيم -عليه السلام- سأل الله الأمن للوطن مرتين: فمرة سأل الله عندما أمره أن يكون في مكة قبل البناء والتعمير فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)، ومرة سأل الله الأمن للوطن بعد التعمير والبناء فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا)، فكأن ربنا جل جلاله يعلمنا بالدعاء قبل تعمير الوطن وبعد تعميره أن من حق الوطن الاستمرار في الدعاء له بالأمن، وأن الدعاء بذلك حق من حقوق الأوطان، وأدب من آداب عباد الرحمن.

وتؤكد إن من أعظم نعم الله على الناس نعمة الموافقة والالتئام، ومعنى الموافقة الأخوة؛ فتجد من أُنعم عليهم بذلك يتجاوزون كل خلاف، وينبذون كل فرقة، ويتجافون عن كل ضغينة، حالهم حال من وصفهم الله جل جلاله بقوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، ومعنى الالتئام مصير الناس إلى حال الجسد الواحد، يسارعون في الخيرات، ويحبون الصالحات، ويتعاونون على البر والتـقوى، وكأنهم هم الذين عناهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بوصفه الكاشف: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذه الحال التي تجتمع فيها موافقة والتئام هي التي عبر عنها القرآن بالإيلاف، وما أدراك ما الإيلاف(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، ومن عجائب إيحاءات هذه السورة الكريمة – إخوة الإيمان – أن الإيلاف إيلافان: إيلاف خاص وإيلاف عام؛ فالإيلاف العام يكون داخل الوطن، والإيلاف الخاص يكون خارج الوطن، وقد من الله تبارك وتعالى عليـنا؛ فتجدنا في موافقة والتئام داخل الوطن وخارجه (ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ).
موضحة أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أستاذا في محبة وطنه، وأسوة حسنة في بنائه وتعميره؛ فقد ضرب أعظم الأمثلة في محبة الوطن، وأعطى أكبر الدروس في التعريف بقيمته؛ فقد كان يعلمهم أن الأمن القيمة العظمى، والنعمة الكبرى، وأن من صور العافية بقاء نعمة الأمن والمحافظة عليها؛ فقد كان يقول لأصحابه: (لا تسألوا الله لقاء العدو، واسألوا الله العافية)، فعلمنا بذلك أن كل مواطن جندي من جنود الوطن، وجب عليه أن يحافظ على أمـن وطنه، ويسعى سعـيا حثيثا إلى بنائه وتنميته، وتقديم كل ما يمكن أن يقدمه من أجـل تقدم الوطن، وجعـله في مقدمة الأمم، وقد يكون ذلك من الذكر الحسن الذي يبقى للإنسان (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ)، فكان لزاما على كل فرد منا: ذكورا وإناثا، شيبا وشبابا، صغارا وكبارا، أن يسعى ليكون لسان صدق؛ فيسهم في الحفاظ على وطنه، ويكون يد بناء لا تكل ولا تمل، مقدما أظهر صورة على المواطنة الصالحة، وأكبر نموذج للمواطن الفاعل، مقتبسا شعلة من اجتهاد باني هذا الوطن، وقبسا من سعيه المبارك، وأسوة بعطاءاته التي لا تنقطع.
مبينة أن من شكر الله شكر الإنسان الذي قدم معروفا، وأسدى جميلا، وكانت له يد بيضاء. وإن الأيادي البيضاء التي كانت لباني نهضة هذا الوطن الحديثة أكثر من أن تذكر، وأكبر من أن تؤثر؛ فقد أجرى الله على يديه كثيرا من الخيرات، ويسر به كثيرا من المنجزات (ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)، فلا تكاد تنظر إلى جهة من الجهات، أو تقلب وجهك في شبر من هذا الوطن، إلا وترى له شاهدا، وتجد له منجزا، فكان من شكر الله أن نشكره، وبالخير أن نذكره؛ فإن من شكر صاحب المعروف أن يذكر معروفه، ويشكر صنيعه، ويدعى له، ويحافظ على ما عمل، ونكون معه قلبا وقالبا في تحقيق رؤيته، والمضي قدما من أجـل رفعة الوطن وتقدمه، ومواصلة بنائه وتعميره، واضعين نصب أعـيننا وطننا العظيم، شاكرين الله على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا تستـقصى، محافظين على وسام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهـل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك)، متذكرين هديه: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس).