مقبرة الغرباء

عادل محمود –
في بداية عملي الصحفي، وكان عمري 24 سنة طلب مني رئيس تحرير مجلة الطليعة الدمشقية، أن أجري مقابلة مع الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري.
كان الجواهري في زيارة لدمشق، ويقيم في فندق «سميراميس». ذهبت إلى الفندق، بعد أن قضيت ليلتين في مراجعة مواد أرشيفية عن الجواهري، لم تضف لورطتي إلا ارتباكا.
فأنا لم أكن قد قرأت للجواهري أي شيء. والصحفي الكسول أو الأحمق يلجأ إلى الأسئلة التي تشبه إرشادات الطرق على لوحات في مخارج ومداخل المدن، الأسئلة العامة . حين دخلت صالة الفندق وجدت الجواهري ، بقبعته الصوفية المميزة، وشعره الطويل الشائب المتناثر، وحوله عدد من الأشخاص الأكبر من 24 عاماً. سلمت عليه، وقلت له : أرجو منك أن تتفضل بالموافقة على إجراء مقابلة مع مجلة الطليعة الدمشقية الأسبوعية،
قال الجواهري: رُحْ، ما عندي وقت.
كان المصور قد التقط صورة فيها حركة يد الجواهري الطائشة، وتكشيرته التي يخصصها للاستياء، والنفور. وأنا لم أعرف ماذا أقول!
استدرت بلا مبالاة فجأة، وتمتمت، وأنا أغادر: حسناً اللعنة على الشعراء،
عند مدخل الفندق التقيت بالزميلة «حميدة نعنع» وكانت صبية جميلة وجريئة، سألتني ماذا أفعل هنا؟
قلت: جئت لمقابلة الجواهري، وقد طردني شرّ طردة. أمسكت يدُها البيضاء كثيرا بيدي السمراء كثيرا، وقالت تعال.
من لحظة اقترابها وسلامها على الجواهري قام أبو فرات: وقال أهلا بالجمال السوري، والصبايا السوريات. التفتت إليّ حميدة وقالت له:
أقدم لك صديقي، وهو يريد مقابلة لمجلته. فتح الجواهري ذراعيه، وكاد يضمني قائلا: متى تشاء.
قالت حميدة: الآن.
وفعلاً أجرينا ، أنا وحميدة ، مقابلة لا بأس بها. أذكر أنني طرحت عليه هذا السؤال: لماذا تلفظ العراق بالضم ولا تلفظها بالكسر وهو الأصح؟ فقال: يحزنني أن أكسرعين العراق.
هذا أول وآخر لقاء بالجواهري. وكانت هناك مناسبات عديدة للقاء به ، لأنه سكن في دمشق فترة طويلة، وكان قد كتب قصيدته الشهيرة في مدح الرئيس حافظ الأسد:
سلام أيها الأسد سلمت وتسلم البلدُ
وتسلم أمة فخرت بأنك فخر من تلدُ
وقال قصيدة في مدح الملك حسين:
يا سيدي أسعف فمي ليقول في عيد مولدك الجميل جميلا
وأظنه مدح جميع الملوك العرب من الملك فيصل الأول إلى الملك عبد الله، والملك عبد العزيز، وملك المغرب.
والجواهري إذا مدح «رفع» وإذا هجا «أوضع». ومن هنا تأتي أهمية شعره.
القصيدة عنده منحوتة من لغة شريفة ومنصة انطلاق مبدع للمعاني.
وهو في مديحه يشبه المتنبي.
الجواهري كان يزوره في دمشق المسؤولون أكثر مما يزوره الأدباء والشعراء. وفي سوريا لم يسهم وجوده في حراك أدبي ثقافي . ظل وجوده هو خبر وجوده . وكما للجواهري عشاقه ومحبوه، فإنه من يعتبر الجواهري النهر الثالث في العراق.
عاش الجواهري مدللاً طوال الوقت وفي جميع البلدان. قد أطلق عليه طه حسين لقب « شاعر العرب الأكبر». ومع ذلك مات الجواهري وحيداً في جنازة أقرب إلى واجب التكريم منها إلى أسلوب التعظيم.
لكن الأفدح مات الجواهري منتقلاً من قصر الأمراء إلى «مقبرة الغرباء» في منطقة السيدة زينب بدمشق.