جرة قلم :«أبو مسلم» يدخل التـاريخ فـي ذكــرى رحيله المائوية

محمود الرحبي –
بعد كل من الخليل بن أحمد الفراهيدي والطبيب راشد بن عميرة والشيخ نور الدين السالمي والطبيب والفيزيائي ابن الذهبي أبو محمد عبدالله الأزدي، نجحت وزارة التربية والتعليم، من خلال اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، في إضافة اسم جديد إلى سجلّ كبار الشخصيات العمانية المؤثرة عالميا في مختلف المجالات.
فقد «اختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو»، بمناسبة الذكرى المائوية لوفاته (14 نوفمبر) الشاعر العماني ناصر الرواحي (أبا مسلم البهلاني) كشخصية مؤثرة».. خبر مبهج أثلج صدور العمانيين والعرب عموما، باعتبار هذا الاختيار أنصف هذا الشاعر والرحّالة والصحافي الفذ، الذي كان له الفضل في الرقي بحياة العديد من سكان الخليج العربي وإفريقيا الشرقية، على الخصوص، إذ كان له الفضل في تأسيس مدرسة ومطبعة في زنجبار، سيرا، على نهج أسلافنا العمانيين، الذين كلما حلّوا بمكان خارج أوطانهم أوقدوا شموع المعرفة والعلم والتحضّر، في الوقت الذي كان المستعمر الأوروبي لإفريقيا لا يرضى لبلدانها، الضعيفة والمستلَبة، غير مزيد من «الظلام» والاستغلال والاستعباد والاستلاب والتفقير والتجهيل.
ولم يأت إدراج اسم ناصر الرواحي في سجلات «يونسكو» للشخصيات المؤثرة عالميا من فراغ، فهذا العلاّمة المتفرد في سجلات التاريخ العماني المعاصر كان مثالا للعطاء الغزير في مجالات الشعر والصحافة والطباعة. وقد ظلت «نونية» أبي مسلم البهلاني تُزيّن معظم البيوت العمانية والمجالس القروية على هيئة دفاتر تحظى بأهمية خاصة؛ بل كان بين العمانيين من يحفظونها كاملة عن ظهر قلب، إضافة إلى قصيدتَيه الخالدين «المقصورة» و«الميمية» وغيرهما الكثير.
ولا يسعنا، كعمانيين، إلا أن نشدّ على أيدي بعضنا البعض مهنّئين ومباركين هذا الاستحقاق المتفرّد، إذ إن اختيار الشخصيات المؤثرة من قبَل «يونسكو» لا يتم اعتباطا، وإنما وفق أسس وشروط صارمة، أهمها أن تكون الشخصية قد فارقت الحياة، وألا تكون شخصية عسكرية، وأن يتزامن الاختيار مع ذكرى رحيلها الـ50 أو الـ100. كما يُشترَط ألا يقتصر تأثير الشخصية على دولته وحدها، بل أن يمتدّ تأثيره إلى عدة بلدان.. شروط لا تتوافر إلا في شخصيات استثنائية، من قبيل أبي مسلم، الذي كان واحدا من فطاحلة الشعر العربي وتجاوز تأثير مؤلفاته وإبداعاته في الشعر على الخصوص حدود السلطنة إلى الدول الخليجية المجاورة، بل إلى بلدان شرق إفريقيا والدول العربية.
لكنْ ونحن نحتفل بهذا الإنجاز الكبير والاستثنائي ونحتفي به، فإننا لا نستطيع منع أنفسنا من التساؤل: ما جدوى الاهتمام برموزنا التاريخية ما لم يكن لها وجود وتأثير ملموسان في حاضرنا؟ بصيغة أخرى: هل نستحضر – في إعلامنا ومناهجنا التعليمية وندواتنا وأنشطتنا الفكرية والفنية – قصائد أبي مسلم وسيرته المضيئة بالقدر الكافي؟ سؤال يحتاج إلى تأمّل، خصوصا من قبَل الساهرين على شؤون التربية والتعليم والإعلام.
وفي الأخير، أرى أن الوقت قد حان لأن تقدّم اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم اقتراحا للمنظمة المعنية من أجل إضافة علَم آخر من أعلام السلطنة المتميزين، في شخص أحمد بن ماجد، الذي صنّفه المستشرق الروسي كاراشوفسكي كـ «أحسن من ألّف في تاريخ الأدب الجغرافي العربي». كما قال عنه المستشرق الفرنسي غابرييل فرون «على أي ملاّح ألا يخوض غمار المحيط الهندي ما لم يطّلع على مؤلفات ابن ماجد العماني».