وهــم السـرديات!

محمد جميل أحمد –

السرديات كالأيديولوجيا، فهي بوصفها «تنميطاً ثقافياً يتعلَّق برؤيةِ جماعةٍ من الجماعات» ليست من وحدات التفكير العقلي، ولا يمكن أن تصدر عن تمثلات وعي فردي وحر، لكنها تشتغل في لاوعي الجموع بطريقة تكشف عن تحيزات، قد يحتاجها الفرد للتماهي مع الجماعة، أو لتبرير هوية غامضة تعميه عن رؤية الحقيقية حال تواطئه مع السردية.
قد تكون السرديات جزءاً جماعياً من خاصية الرأي الذاتي للفرد على الفرد، فبطبيعة الحال كل فرد لا يخلو من رأي عن فرد آخر، وهذا الرأي قد لا يتطابق مع الهوية الموضوعية لذلك الفرد عند التحقق، لكنه يظل رأيا متأتيا من مصادر قد تستهوي الفرد أو يمنحها ثقته في وقت ما ثم يصعب عليها اهتزاز تلك الثقة حال اكتشافه زيفاً في مصادرها.
في مجتمعات الشفاهة، كمجتمعاتنا العربية؛ تلعب السرديات فيها أدوارا تتطابق مع عقيدة اليقين في نفوس الناس. وفي هذه الحال تكون السرديات أشد وطأة وخطورة في ردود فعلها المنعكسة على تصرفات الفرد أو الجماعة.
هكذا حين يفعل وهم السرديات فعله في تصورات الجموع عن الجموع، كالقبائل، والشعوب ، والأمم، لا تكون السردية مكانا للمسائلة فهي هنا ترتقي إلى مفهوم العادة التي لا تفسر وإنما تتبع فقط.
وبالرغم من أن في كل السردية شكل ما من أشكال الشهادة أو ما في معناها، لأن سردية كل جماعة عن جماعة أو قبيلة عن قبيلة أو شعب عن شعب تعكس حكما ما، إلا أننا قد نجازف إذا ما تصورنا تطابقاً لذلك مع الشرط الموضوعي للشهادة وهو العلم. كما جاء في الذكر الحكيم « ما شهدنا إلا بما علمنا»
من خصائص السرديات أنها لا تتغير إلا بعد زمن طويل لشدة وطأتها من ناحية، ولمعنى التبرير الذي تمنحه السردية للفرد لضبط شعوره العام مع الجماعة، من ناحية ثانية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه حيال طريقة اشتغال السردية في تنميط الوعي وقولبته قولبة حديدية: كيف نغير قناعاتنا ونبدل سردياتنا وإلى أي مدى سيكون التماهي مع السرديات مضللاً وخطيراً؟
بدايةً، لابد من القول، إن تسلل السرديات في لاوعي الفرد يجعلها عصية على التغيير فهي تمثل اختباراً يرتبط برؤيته لنفسه عبر رؤيته للآخر. لناحية تشكيل عالم متماسك متخيل،تحاك ضمنه صور الذات والجماعة عن ماضيها، عبر أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات،
وهنا سنجد أن جدل السرديات جدل منعكس مضطرد، فتصور الجماعة لذاتها سيقوم بالضرورة على تصور مزدوج لغيرها؛ إما باتجاه سردية إيجابية أو سردية سلبية لذلك الغير.
منشأ السرديات الذي تتأسس عليه لعهدها الأول قد لا يكون بالضرورة قائماً على الوهم، ولكن بما أن للسردية فعل يشبه فعل الأسطورة، سيبدو ضغط السرديات على الجماعة مبرراً يمنحها المعنى الذي تعيش ضمن ضروراته تلك الجماعة،
بطبيعة الحال، تختلف السرديات باختلاف مجالات الجماعة، من حيث كونها رؤى مشكلة للمبادئ التفسيرية. لكن طبيعة المجال الفكري والسياسي حين يتأسس على السرديات (لاسيما إذا كان متصلاً بطرائق وعي الدين) قد يؤدي ــ في غالب الأحيان ــ إلى إنكار للواقع وبخاصة إذا بدا واضحاً فداحة الاستمرار في تصديق السردية مهما كانت العواقب؛ خوفاً من أن يكون انهيار السردية انهياراً لمبرر وجود الجماعة ذاتها، فتستمر تلك الجماعة في إنكارها النكوصي حتى النهاية دون أن تبالي بالأذى الذي تلحقه بالآخرين(الإسلام السياسي نموذجاً)
فقط الوعي الديمقراطي ومنظومات التعليم الحديث القائم على الحرية والمعرفة هو الذي يؤسس لقناعات مشككة وقادرة على نقد السرديات من خلال عمليات النقد الذاتي. وبطبيعة الحال لن تختفي السرديات حتى في المجتمعات المتقدمة لأن السرديات ميتافيزيقا دهرية يقتضيها التشكيل الجمعي لذهنيات البشر.
وبطبيعة الحال، حديثنا هنا عن وهم السرديات لا يتصل بـ (السرديات الكبرى) التي أسست لها فلسفة ما بعد الحداثة نقدا أدرج مفاهيم إنسانية وتاريخية كبرى للحداثة، ليست بالضرورة على سوية واحدة من حيث هويتها وطبيعتها.
إن السرديات في مجتمعات التخلف ليست تصورات فحسب، بل هي كذلك أدوات تصنيف وتسجيل موقف وتحديد موقع وقد تكون أدوات للقتل، ولأنها كذلك فهي تظل مرشحةً لأن تكون ثوابت جامدة رغم ما تضخه من أوهام معيقة للاندماج بين الجماعات، على نحو ما تفعل الطوائف والقبائل حين ينزاح وعيها بذاتها ليكون منظورا لوعي السياسة مثلا.
هكذا إذ يشتغل وهم السرديات في مجتمعاتنا العربية على إنتاج الأزمات محيلاً الهويات الصغرى والخام كالقبيلة والطائفة متخيلاً مشتركاً بموازاة الجماعة الوطنية مثلا، عندها سنجد أن حدود وعي تلك الجماعات للوطن لن يتجاوز أنفها!