النهضة العمانية.. نقلة نوعية للتعليم خلال 49 عاما

محمد إسماعيل –

المؤكد أن أحد الأسباب التي دفعت السلطنة للاهتمام بالتعليم وتطويره وتحديثه وعمل نقلة نوعية فيه إبان عصر النهضة، أنها ترغب في توفير بيئة داعمة ومحفزة لريادة الأعمال، وأن يكون لها دور رائد في الاقتصاد العالمي الجديد، وأن تدخل في الاقتصاد القائم علي المعرفة، لذا فإن السلطنة دأبت على مراجعة وتطوير سياستها التربوية والتعليمية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ويحقق طموح المواطن العماني في الرخاء والرفاهية.

اتخذ جلالة السلطان قابوس بن سعيد منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم بالسلطنة قرار حكيما ومدروسا، بالاهتمام بمحور التعليم وجعله الأساس الذي يتم البناء عليه، واعتبره إحدى الركائز الضرورية للنهضة والتقدم والحضارة وقاطرة التنمية المستدامة للبلاد، ورفع شعار «سنعلم أبناءنا حتى لو تحت ظل الشجر»، وأخذ على عاتقه نشر مظلة التعليم في مختلف أرجاء السلطنة، فبعد أن كان عدد المدارس قبل 49 عاما من عمر النهضة لا يتجاوز الــ 3 مدارس، وعدد التلاميذ أقل من الألف، والتعليم محصور بين التمهيدي والصف السادس الابتدائي، والتعليم مقصور علي الذكور دون الإناث، أصبحت المدارس بالآلاف والتلاميذ بالملايين وهناك مساواة في التعليم بين الذكور والإناث وبات التعليم ممتد من التمهيدي للابتدائي مرورا بالإعدادي والثانوي وصولا للجامعات والمعاهد والدراسات العليا، وتم توزيع تلك المنشآت التعليمية بجميع أرجاء السلطنة وتنوعت المدارس بين التعليم العام والتقني والإسلامي.
ويعلم القاصي والداني النهضة التعليمية التي تحققت في السلطنة علي مدى الــ 49 عاما الماضية من عمر النهضة، ولقد بلغ التطوير والتحديث في نظام التعليم بالسلطنة درجة جعلته يساير أفضل الأنظمة التعليمية العالمية، ولا تزال حكومة السلطنة تحرص على تنمية هذا النظام وتطويره وتحديثه وفقا لخطط وبرامج مدروسة، وعلى المستوى الكمي والكيفي، لكي يصبح واحدا من الأنظمة التي يجب أن يحتذى بها في العالم، وقد أشادت الكثير من المنظمات الإقليمية والدولية بالنقلة النوعية للتعليم إبان عصر النهضة، خصوصا المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والبنك الدولي ومنظمة اليونسكو، علاوة على أن الحكومة العمانية تعاونت مع العديد من المنظمات الإقليمية والدولية لإنجاح عمليات تطوير وتحديث التعليم إبان عصر النهضة كمكتب التربية العربي ومكتب التربية الدولي ومنظمة اليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي.
ولقد امتد التطوير في التعليم وتنوع ولم يعد قاصرا علي القطاع الحكومي والخاص، بل بات هناك مدارس دولية وتخصصية وبرامج لمحو الأمية، وأصبح هناك ثلاثة مستويات من التعليم وهي الأساسي وما بعد الأساسي والجامعي، وعمدت السلطنة علي توسيع قاعدة التعليم الأساسي وسد منابع الأمية وتزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات والاتجاهات والقيم الأساسية الضرورية، واتخذت حكومة السلطنة كل ما من شأنه تطوير التعليم ورفع مستوي أدائه وتحسين نواتجه ليواكب التقدم العلمي والتطور التكنولوجي الذي يشهده العالم، ولكي ينسجم مع ما تشهده السلطنة من نمو متزايد وتطور نوعي في جميع مجالات الحياة سواء علي المستوى الاقتصادي أو الصحي أو التجاري أو الزراعي أو الصناعي، وأيضا لكي يتوافق مع التنمية الشاملة في البلاد.
وقد تبنى مجلس التعليم بالسلطنة العديد من المبادرات الهادفة لتطوير التعليم وتحديثه، كان أخرها بناء إستراتيجية وطنية جديدة للتعليم حتى عام 2040م للنهوض بالمنظومة التعليمية وتجديدها وتطوير عناصرها ومكوناتها وإعادة هيكلتها ووضع التشريعات والدراسات والبرامج والخطط التي قادت لحدوث نقلة نوعية في التعليم بالسلطنة ساعدت على إعداد وتخريج أجيال وكفأت قادرة علي تولى دفة القيادة والمساهمة بفاعلية في تطوير المجتمع وتلبية احتياجاته من التنمية الشاملة ومواجهة التحديات المستقبلية.
ويأتي الاهتمام بالتعليم في عصر النهضة إيمانا من القيادة السياسية بأنة مفتاح النجاح ورسالة إنسانية وحضارية ووسيلة لزيادة الوعي والمساهمة بفاعلية في التقدم الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية، لذا فقد أخذت السلطنة علي عاتقها تطوير التعليم لكي ينال كل فرد في المجتمع نصيبه منه وفق قدراته، ويرقى لمستوى طموحات وتطلعات المواطن العماني المستقبلية، ويلبي حاجته لتعليم عالي الجودة يصقل مهاراته العقلية والإبداعية والعلمية والفكرية والنفسية والخلقية والجسمانية والاجتماعية، ويعمل على بناء أجيال وإعدادهم للمشاركة الفاعلة في نماء المجتمع وتقدمه، وتوفير احتياج البلاد من القوى البشرية العاملة المدربة والمنتجة، فالتعليم بمختلف أنواعه ومراحله المحرك الأساسي للتنمية المستدامة التي عمادها الموارد البشرية.
ولتحقيق نقلة نوعية في التعليم بالسلطنة، عمدت القيادة السياسية إلى وضع سياسات وخطط إستراتيجية طويلة المدى، سعيا لتحقيق التطوير المنشود، وإحداث تغييرات جوهرية واسعة في بنية التعليم والارتقاء بقدرات المتعلمين ومهاراتهم، وإكسابهم المعارف والقيم، لمواكبة التطور التقني والمعرفي، والتي تمكنهم من الاستفادة من المعطيات الحضارية المتنوعة، لذا فقد كان للمؤسسات التعليمية الدور الرائد في خلق وتخريج جيل من الشباب المتعلمين والمثقفين القادرين علي البناء والعطاء.
واللافت للنظر أن هناك مجموعة من العناصر تضافرت جهودها لإحداث نقلة نوعية في العملية التعليمية بالسلطنة يأتي علي رأسها توجيهات وتعليمات وخطابات واهتمام جلالة السلطان قابوس بالتعليم في كافة مراحله وبأهمية العنصر البشري وضرورة تطويرهما، وثانيها: توفير بيئة مناسبة لنهضة التعليم ليواكب التطلعات المستقبلية، وثالثها: تسخير كل الإمكانيات المادية من أجل الارتقاء بالتعليم، ورابعتها: إمداد المسؤولين بالمؤسسات التعليمية بالدراسات والأبحاث التي تؤدي لنهضة التعليم، وخامستها: إنشاء المجالس التعليمية والوزارات والهيئات التي أخذت علي عاتقها تنفيذ الخطط التعليمية، وسادستها: الدور الفاعل للأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، وسابعتها: الجهود الكبيرة للقطاع الخاص وإقدامه علي إنشاء الكثير من المدارس والجامعات والتي كان لها فضل كبير في رقي منظومة التعليم بالسلطنة.
والثابت أن تطور التعليم في عصر النهضة مر بالعديد من المراحل، واستهدفت المرحلة الأولي الانتشار السريع للتعليم في جميع محافظات السلطنة وربوعها، لذا فقد توسعت الحكومة في إقامة المدارس الكافية لاستيعاب جميع الطلاب في المراحل السنية المختلفة وبما لا تتجاوز كثافة الفصول 30 طالبا، وخفضت من المدارس المسائية، وعمدت المرحلة الثانية علي انتهاج أسلوب علمي في مواجهة قضايا التعليم ومواصلة نمو الخدمات التعليمية وتنويعها وتحسين نوعيتها، وإكساب المتعلمين التفكير الناقد والتحليل البناء، بالإضافة إلي تحسين كفاءة النظام التعليمي وجودة الإدارة المدرسية، وفي المرحلة الثالثة قامت السلطنة بتحقيق التوازن بين نشر التعليم وتنويعه وفقا للطلب الاجتماعي والاهتمام بالمبني المدرسي واستكمال مرافقه من مكتبات ومختبرات وشبكات إنترنت وحواسب آلية، وقد بلغت نسبة المدارس المتصلة بالإنترنت أكثر من 83 بالمائة، وكذلك لم تغفل تلك المرحلة الاهتمام بالمعلم من خلال تحسين الرواتب وتوفير برامج تدريبية لرفع كفاءته ومهاراته، وأيضا اهتمت هذه المرحة بتعليم المعوقين وذوي الحاجات وقامت الحكومة بفتح العديد من المدارس لهم، وتوفير التعليم الجيد لهذه الفئة من معلمين متخصصين ومعدات وأجهزة وغرف للدراسة مصممة لهم، ليس هذا فحسب، بل أن هذه المرحلة حرصت علي أن يظل التعليم الحكومي بالسلطنة مجانا في جميع مراحله.
والمؤكد أن أحد الأسباب التي دفعت السلطنة للاهتمام بالتعليم وتطويره وتحديثه وعمل نقلة نوعية فيه إبان عصر النهضة، أنها ترغب في توفير بيئة داعمة ومحفزة لريادة الأعمال، وأن يكون لها دور رائد في الاقتصاد العالمي الجديد، وأن تدخل في الاقتصاد القائم علي المعرفة، لذا فإن السلطنة دأبت علي مراجعة وتطوير سياستها التربوية والتعليمية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ويحقق طموح المواطن العماني في الرخاء والرفاهية.
وبناء على تعليمات جلالة السلطان قابوس ومع انطلاق عصر النهضة منذ 49 عاما، شرعت الحكومة العمانية في توفير متطلبات التعليم من إنشاء المدارس والجامعات والمعاهد وتجهيزها بكافة المستلزمات الضرورية لنجاح خطط النهوض بالتعليم، وتوفير القوي البشرية المناسبة للقيام بتلك المهمة الصعبة، من خبراء لإعداد مناهج دراسية تساير متطلبات العصر، ومعلمين لتقديم خبرات هذا المناهج للطلاب، وكوادر إدارية مؤهلة لقيادة تلك المدارس، وكذلك توفير طرق مواصلات آمنة لنقل جميع أطراف العملية التعليمية ما بين المؤسسات التعليمية وبيوتهم.
ولقد نجحت السلطنة في عصر النهضة في إتاحة الفرص التعليمية لجميع المواطنين وجعل التعليم أداءه فعالة في تحقيق الوحدة الاجتماعية والوطنية والحفاظ علي الهوية الثقافية العمانية، وإعداد كوادر قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل وتشارك بوعي وإدراك في البناء والتنمية.