وتر: عمانية الهوى

شريفة بنت علي التوبية –

تتزاحم الوجوه أمام عيني ولا أرى سواك، تغيب كل الوجوه ولا أرى سوى وجهك، أراك في حضوري وغيابي، وأنت الحاضر الذي لا يغيب، أبتعد عنك وأنا أعلم أني لا أختبر في البُعد محبتي لك، ولا أمتحن طاقة الشوق في قلبي إليك، لأني أعلم أني أحبك جداً وأني مشتاقة جداً إليك، فكيف بك وطنا تسكنني وأسكنك؟ وكيف بي أعيش هذه الحالة من العشق المولود معي لك وبك؟
وقد أكون من أولئك الذين تغريهم محطات السفر، ومن أولئك الذين تدفعهم الدهشة والجري وراء المعرفة لاكتشاف حيوات أخرى، وهواء جديد ربما، ونسمة باردة، يغريني بياض الثلج، فابتعد عن ترابك الأسمر وعن غبار الهبوب الذي قد يعلق برمش عيني التي كلما أصبح صبح أرى بها وجهك الآسر، أستقبل نهاراتك الحنونة ذات صيف قائظ أو شتاء دافئ، وكلما أمسى بي ليل أغمض عيني كي أعيش الحلم بك، تأخذني الدروب عنك، أسافر ولكني أشتاقك اشتياق عاشق لمن يعشق، اشتياق مجنون لمن يجّن به، أشتاق شمسك الحارة، شوارعك المزدحمة، ملامح وجهك التي لا تشبه ملامح وجه آخر، ويفعل بي الشوق ما يفعل، فلا أطيق بُعداً ولا أحتمل فراقاً لأعود وأنا المفتونة بك، فأنت الوطن ولا وطن يشبهك، وأنت حكاية العشق ولا حكاية يتفق سردها مع حكايتك، فعشق الأوطان لا يُحكي، ومحبة الأوطان لا تُروى، فكيف بنا نكتب ما نعيشه هواء نتنفسه.
الكتابة شيء من المتخيل، وشيء من لعبة اللغة، وأنت فوق حروف اللغة وفوق كلمات الشعر وفوق حبكة السرد، وأنا أحتاج أن أكتبك كما أعتدت الكتابة ولكني لا أستطيع، فأنت لست أي شيء، ولست حكاية عابرة كأي شيء عابر في هذه الحياة، فكل شيء ماض وسائر، عداك أنت، وعدا محبتك، فنحن العابرون وأنت الباقي منذ قديم الأزل، فكيف أكتبك وأنا أعيشك حقيقة لا مجازا؟ كيف أكتبك وأنت فوق الوصف والحب الحقيقي لا يُكتب،؟ كيف أكتبك بأبي أنت وأمي، ألا تُعتبر الكتابة نوع من المجازفة اللغوية، ونوع من الزينة اللفظية وأنت فوق الحرف والكلمة، وكيف بمحبة تولد في لحظة الميلاد، كيف بهذا العشق لا يكون عظيماً وأنا أحملك جهراً وسراً، حب أفخر به، وانتماء يشعرني بالأمان، يشعرني بعمانيتي وأنا ابنة القرية وابنة الجبل وابنة النخلة والصحراء، وأنا التي لا أعرّف بنفسي إلا بقول (أنا من عمان، أنا عمانية)، أفلا يحق لي أن أفخر بهذا الحب العماني الأصيل؟