دولة فتية قادرة على حماية مصالحها

د. عبد الحميد الموافي –

في جو بهيج وبشعور غامر بالسعادة والاعتزاز، وبثقة عميقة في الحاضر والمستقبل، يحتفل أبناء الشعب العماني الوفي، والمقيمون على امتداد أرض عمان الطيبة، بالعيد الوطني التاسع والأربعين المجيد، وإذ نتقدم بأخلص التهاني والتبريكات إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ندعو الله العلي القدير ان يعيد هذه المناسبة الوطنية أعواما عديدة على جلالته والشعب العماني بالتقدم والرفعة والازدهار، لتكون عمان دوما واحة أمن وأمان واستقرار، لأبنائها ولمن حولها، ولتستطيع دوما الإسهام الإيجابي كعادتها، على امتداد العقود الخمسة الماضية.

في تحقيق كل ما يعود بالخير والاستقرار ويجلب السلام والطمأنينة لكل شعوب المنطقة ودولها، وفي المقدمة منهم دول وشعوب مجلس التعاون الخليجي واليمن، حيث ظل ذلك من بين أهم الآمال والأهداف التي تطلعت إليها وعملت من اجلها السلطنة بإخلاص وتفان، ودون ضجة أو ضجيج، ولا حتى إعلان في كثير من الأحيان.
وفي الوقت الذي حققت فيه مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – منجزات في كل المجالات، وعلى كافة المستويات على الصعيد الداخلي، وعلى نحو يتجاوز أية إمكانيات للحصر الموضوعي والمنصف، فإنها حققت أيضا على الصعيد الخارجي، وخاصة في مجال العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة، وفيما يتصل بالعمل والتعاون لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار لدول وشعوب المنطقة، إسهامات طيبة ومؤثرة على نحو إيجابي لصالح الكثير من الأشقاء والأصدقاء، ولم تهتم يوما، لا بالإعلان عنها، ولا بتسويقها على أي مستوى، ولا حتى بالاستفادة الذاتية منها لتحقيق مصالح خاصة، أو حسابات جزئية. ولا يعود ذلك إلى مثالية من نوع ما، ولكنه يعود بشكل أساسي إلى الإيمان العميق من جانب جلالته بأهمية وضرورة العمل من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة، وبذل كل جهد ممكن لتحقيق هذه الغاية النبيلة، والتي تتيح لدول وشعوب المنطقة العيش معا في أمان واستقرار، وفي احترام متبادل للسيادة وللحقوق الوطنية، والتزام بقواعد القانون وبالشرعية الدولية وحسن الجوار، وهي قواعد ومبادئ اتفقت عليها كل المواثيق الدولية والنواميس الإنسانية.
وفي هذا الإطار فإن مما له دلالة عميقة، ان الجهود التي بذلتها السلطنة، قيادة وحكومة وشعبا، على مدى الأعوام التسعة والأربعين الماضية قد أثمرت وتجسدت في بناء الدولة العمانية العصرية، التي تصورها جلالته منذ أول يوم تولى فيه مقاليد الحكم، وفي ظروف بالغة الصعوبة، كانت تجعل من مثل هذا التصور أمرا يصعب تحقيقه بسبب معطيات الواقع المحلي والإقليمي والدولي في ستينات وسبعينات القرن الماضي. ولكن الواقع هو ان الإرادة القوية والإصرار التام، والإيمان العميق، بأن النجاح وتحقيق الهدف هو الخيار الوحيد والذي لا بديل عنه، اقترن بإحاطة تامة بمعطيات الواقع العماني، وبمتطلبات النهوض، وبرؤية واضحة للسبل التي تقود الى تحقيق الهدف الاسمي، المتمثل في بناء دولة عصرية فتية، قادرة ليس فقط على تحقيق حياة افضل لأبنائها في الحاضر والمستقبل، ولكنها قادرة في الوقت ذاته على حماية مصالحها الوطنية، وصيانة تلك المصالح، دوما وتحت كل الظروف، وكانت الإرادة والإصرار والإيمان بالذات وبالقدرة الوطنية العمانية، بمعناها الشامل، على تحقيق تلك الأهداف، بمثابة الإطار الذي تفاعلت فيه كل عناصر القوة العمانية، بشرية ومادية وحضارية ايضا.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الذي يحتاج الى مساحات لا تستوعبها مقالات، ولا حتى دراسات متوسطة.
أولا : في ظل معطيات الواقع العماني، عندما تولى جلالته مقاليد الحكم، كان من الطبيعي، بل من المهم والضروري، العمل منذ اليوم الأول من أجل استجماع كل مقومات القوة العمانية، بشرية ومادية وعلى كل المستويات، وذلك من منطلق أن العمانيين هم من سيحقق الأهداف والأولويات الوطنية، وأنهم يملكون القدرة على ذلك، إذا أتيحت لهم سبل ووسائل المشاركة والإعداد الصحيح لقدراتهم اللازمة لتحقيق تلك الأهداف في المجالات والمستويات المختلفة، لأن الأمر ليس مجرد غاية أو أمل، ولكنه رؤية يتم العمل الجاد والمنظم والمحدد الخطوات والمراحل لتحقيقها خطوة خطوة كذلك .
وبرغم كل الظروف في أوائل سبعينات القرن الماضي ، فإن إيمان السلطان قابوس بقدرة المواطن العماني على العمل والإسهام الكبير في تحقيق الأهداف ، تمت ترجمته ، منذ اليوم الاول ايضا ، ليس فقط في الدعوة للمشاركة مع الحكومة ، واعتبار الحكومة والمواطنين بمثابة الجسد الواحد ، ولكن ايضا في دعوة ابناء عمان في الخارج الى العودة الى الوطن والى الإسهام الجاد والتفاني من اجل تحقيق أولويات الوطن، ولم يكن هناك شروط للعودة والانضمام إلى قافلة البناء والتنمية ، سوى الاستعداد للعمل من اجل عمان وفي إطار الرؤية التي حددها جلالته ، وهي رؤية اتسمت بالاتساع والمرونة والقدرة على التقاء كل التوجهات في إطارها ، طالما تلتزم بالحفاظ على عمان الدولة المستقلة المؤمنة بالسلام وببناء علاقات طيبة مع مختلف القوى والأطراف التي تبادلها الالتزام بمبادئ سياستها الخارجية المعلنة ، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية والحفاظ على قيم ومبادئ وتقاليد الشعب العماني الحضارية ، التي تميز بها ، ولا يزال يتميز بها حتى الآن .
وعبر سياسة مد اليد إلى جميع أبناء الوطن، ودون مواقف مسبقة، وفي إطار « عفا الله عما سلف « ، ورفض كل المبادئ والتوجهات التي تتعارض والقيم العمانية النبيلة ، ولأن جلالته ضرب المثل في التضحية والعمل الدؤوب والمتواصل من اجل عمان ، استطاع جلالته بصدقه ، وبتقديره للأقدار الاجتماعية لجميع فئات المواطنين، وبإتاحة الفرص امام كل المخلصين ، بغض النظر عن الماضي ، للتقدم في سلم العمل والارتقاء وصولا الى ارفع المناصب ، تم خلال سنوات معدودة ، ليس فقط استعادة سيطرة الدولة على كل إقليمها ، وبشكل فعال، بل وترسيخ الوحدة الوطنية ، وتعميق التلاحم والتماسك الوطني على نحو غير مسبوق ، وفي إطار الدولة العمانية العصرية . نعم تحقق ذلك عبر سبل وعلى مراحل متتابعة، ولكن مشاركة المواطنين وبناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والمساواة وحكم القانون، جعل من جميع المواطنين شركاء في التنمية والبناء، وشركاء في الوقت ذاته في الحفاظ على منجزات التنمية والتقدم الذي يتحقق، لأنها ببساطة تعود اليهم، وتحقق الخير والازدهار لهم ولأبنائهم كذلك.
وعلى امتداد العقود الخمسة الماضية، تعددت المراحل وتطورت الدولة العمانية العصرية وتعمقت تجربتها في مجال العمل الديمقراطي والمشاركة، ولم تكن انتخابات الفترة التاسعة لأعضاء مجلس الشورى العماني، التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي لانتخاب 86 عضوا للمجلس، سوى نموذج طيب للأداء السياسي على الصعيد الداخلي ، وقد بدأ كل من مجلس الدولة – بتشكيله الجديد – ومجلس الشورى بأعضائه المنتخبين، دور الانعقاد الأول لكل منهما يوم الخميس الماضي الموافق 14 من نوفمبر الجاري ، ليمارس مجلس عمان، بجناحيه، مهامه الرقابية والتشريعية التي يتضمنها النظام الأساسي للدولة وتعديلاته ، وعلى النحو الذي يريده المواطن العماني ، في إطار القانون . وبذلك تعمل الدولة العمانية العصرية عبر آليات مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وغيرها على تحقيق حياة افضل للمواطن العماني اليوم وغدا. وقد أبدى جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – خلال ترؤسه لاجتماع مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي « ارتياحه لما يبذل من جهود أدت إلى الحفاظ على مسيرة التنمية الشاملة في البلاد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وذلك من خلال تنويع مصادر الدخل وتشجيع كافة القطاعات ودعمها من اجل تحقيق التوازن المالي للتعاطي مع متطلبات كل مرحلة من مراحل الخطط التنموية للسلطنة » .
ثانيا : إنه في الوقت الذي تم فيه بناء الوحدة والتماسك الوطني ، على نحو يعمق التعاضد والتكافل والتساند بين أبناء المجتمع العماني ككتلة واحدة ، فإن جلالته – أعزه الله – حرص على إرساء علاقات السلطنة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة على أسس تتميز بالوضوح والصراحة والاستمرارية ، والقدرة على تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة ، خاصة إذا التزمت الدول الأخرى بمبادئ وقواعد التعامل الدولي المعروفة والتي تقرها مختلف المواثيق الإقليمية والدولية ، وهو ما تلتزم به السلطنة في كل مواقفها وفي كل الأوقات ايضا. وقد أدى الوضوح والالتزام العماني الدائم والمتواصل بما تعلنه من مبادئ وأسس ، أصبحت معروفة على كل المستويات الإقليمية والدولية ، إلى توسيع وتعميق علاقات السلطنة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة ، في المنطقة وعلى امتداد العالم من ناحية ، وإتاحة الفرصة للسلطنة لأن تقوم بدور وإسهام إيجابي نشط من أجل العمل على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة وحل المنازعات بالحوار والطرق السلمية ، والعمل على توفير افضل مناخ ممكن لتوثيق العلاقات مع الأطراف المختلفة ، وبما ينعكس إيجابيا لصالح السلام والاستقرار في المنطقة من ناحية ثانية . وبذلك توفرت للسلطنة مقومات وقدرات ان تكون «دولة سلام «، فضلا عن القدرة على بذل الجهود والمساعي الحميدة لحل الخلافات عبر الحوار الإيجابي وبالطرق السلمية ، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى ، خلال السنوات الماضية وحتى الآن. ومن المعروف ان جلالة السلطان المعظم يحظى بتقدير كبير على كافة المستويات الإقليمية والدولية، الرسمية والشعبية أيضا. وذلك كثمرة من ثمار سياساته الحكيمة ، ودبلوماسية السلطنة الماهرة والقادرة على العثور على نقاط الالتقاء رغم تعقيدات الخلافات بين الأطراف المعنية في كثير من الحالات ، وهو ما حدث على مستويات خليجية وعربية وإقليمية ودولية عدة .
ثالثا : إنه في حين تنعم السلطنة بالوحدة والتماسك المجتمعي والوطني المتين ، وتتمتع بعلاقات طيبة ومتنامية مع مختلف القوى والأطراف والدول الشقيقة والصديقة ، في المنطقة وعلى امتداد العالم ، ودون التواءات أو ازدواجية من أي نوع ، فإن عمان الدولة العصرية الفتية، باتت تمتلك أيضا القدرات اللازمة والكافية للحفاظ على مصالحها ، المباشرة وغير المباشرة ، بما في ذلك الذود عن ترابها الوطني بكفاءة وفعالية ، وقدرة على مواجهة أية تحديات قد تفرض نفسها بشكل أو بآخر. صحيح أن جلالة القائد الأعلى – أبقاه الله – حرص على توفير احتياجات قوات السلطان المسلحة والحرس السلطاني العماني وشرطة عمان السلطانية ، من مختلف الأسلحة والمعدات المتطورة ، وبما يمكنها من القيام بواجباتها ومسؤولياتها الوطنية ، دوما وتحت كل الظروف، ولكن الصحيح أيضا هو أن بناء المقاتل العماني الكفء وذي المهارات العالية ، سبق دوما تكديس السلاح ، وتضافر ذلك مع بناء المواطن العماني وإعداده و تعليمه و تدريبه ليكون شريكا إيجابيا وفعاليا في تحقيق أهداف التنمية الوطنية في كل المجالات وعلى امتداد الأرض العمانية من أقصى الشمال في محافظة مسندم ، إلى أقصى نقطة في محافظة ظفار، ومن أول بقعة يلامسها ضوء الشمس كل صباح ، قبل أي ارض عربية ، الى آخر ذرة رمل في محافظات البريمي والظاهرة والوسطى وظفار، وذلك من منطلق ان تحصين الوطن يبدأ ببناء المواطن الواعي المؤمن بوطنه وقيادته والملتزم بمتطلبات الحفاظ على المصالح الوطنية، في الإطار الذي تحدد القيادة عناصره ومرتكزاته المختلفة. وليس من المبالغة في شيء القول بأن الدولة العمانية العصرية ، التي بناها جلالة السلطان المعظم خلال السنوات التسع والأربعين الماضية، هي بكل المقاييس دولة فتية، قادرة بقيادتها الحكيمة وبأبنائها الأوفياء على الحفاظ على مصالحها، وبشكل فعال، دوما وتحت كل الظروف ، وما تنعم به السلطنة من أمن وأمان واستقرار وازدهار، برغم كل ما يجري حولها وبالقرب منها ، هو من أقوى البراهين على ذلك ، وهو ما يعتز به كل عماني، وما يسعد به كل عربي مخلص لعروبته ، فعمان الآن قوة عربية مضافة، ودولة عربية قادرة على القيام بدور إيجابي لصالحها وصالح دول وشعوب المنطقة من حولها أيضا .