مسيرة النهضة.. من النمو الاقتصادي للتنمية الإنسانية

صلاح أبو نار –

تسعة وأربعون عاما مرت على مسيرة النهضة العمانية المباركة في ظل قيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه. وفي العام القادم ستكمل المسيرة المظفرة نصف قرن من الزمان. نصف قرن من التحديات والإنجازات والبناء، انتقلت بعمان من تخوم العزلة والركود، إلى قلب المعاصرة والنمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية. وعندما يحين اكتمال تلك الدورة سيلتفت التاريخ صوب القائد العظيم ليخاطبه «وعدت فأوفيت سيدخل اسمك في صفحاتي بأحرف من نور»، وصوب الشعب العماني ليخاطبه: «كنتم خير بناة مع خير قائد».

واجهت مسيرة النهضة عند انطلاقها تحديات ضخمة، اقتضى مواجهتها الكثير من قوة البصر وعمق البصيرة.
واجهت – أولا – تحدي ضخامة الأهداف واتساعها في مواجهة محدودية الموارد المادية والبشرية. وفي مواجهة هذا التحدي انتهجت أكثر من مسار. مسار التخطيط التنموي المتصل منذ عام 1976، عبر الخطط الخمسية ثم عبر الاستراتيجيات التنموية، من أجل حماية الموارد المادية من التبديد. ومسار بناء الموارد البشرية الضرورية لإدارة الموارد المادية، والمؤهلة لتحديد أولويات البناء ومراحله بما يضمن شموله وقوته، والقادرة على الاستجابة للسياقات التاريخية المتغيرة وأزماتها.
وواجهت – ثانيا – تحدي الطبيعة الخاصة للمورد النفطي، بوصفه المورد الأساسي لتمويل التنمية. تعاني حصيلة هذا المورد من تقلبات حادة ومتكررة، تبعا لتقلبات أسعار النفط التي تنبع غالبية أسبابها من عوامل خارجية. وهو بطبيعته أيضا مصدر مؤقت لأنه يستنفد، فهو مورد طبيعي غير متجدد، ولأنه يواجه صعود الطاقة المتجددة تحت ضغط تصاعد أزمة المناخ. وفي مواجهة هذا التحدي انتهجت النهضة سياسة الاستخدام الرشيد للموارد النفطية وتكوين احتياطي نقدي دائم لمواجهة فترات الهبوط السعري. والتنويع الاقتصادي للدفع بمساهمات القطاعات غير النفطية، سواء في تكوين الناتج القومي أو تمويل الموازنة العامة. والتنمية البشرية لتشكيل القاعدة الإنسانية والمعرفية اللازمة للانطلاق في تكوين القطاعات غير النفطية، التي تلعب فيها المعرفة والمهارات التكنوقراطية ومقدرات التواصل والتعامل مع العالم الخارجي، دورا لا يقل أهمية عن الملكية والتراكم والأصول المالية.
وواجهت – ثالثا – تحدي سرعة وجذرية تحولات السياق العالمي، ونعني بالتحديد العولمة بما تنطوي عليه من تداخلات عميقة ومتصاعدة من المجتمع العالمي، والثورات التكنولوجية المتصلة بتأثيرها العميق على قوى الإنتاج وقطاعاته. الأمر الذي فرض عليها العمل على إطلاق سياسات لتنمية قدرات الابتكار الوطني، والعمل على دعم المشاريع متوسطة الحجم لبناء قاعدة وطنية واسعة قادرة على تبني التقنيات الحديثة والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، والتنمية المؤسسية للقدرات «السيبرانطيقية» الوطنية.
وسوف نجد في الأرقام ما يمنحنا صورة دقيقة لأبعاد الإنجاز العماني.
وفقا لتقديرات البنك الدولي كان حجم الإنتاج المحلي الإجمالي في 1970 أي عام انطلاق النهضة 256,299,496 مليون دولار.
وفي عام 1974 أي بعد ثلاث سنوات من انطلاق النهضة قفز الناتج إلى 1,646 بليون دولار، أي ازداد بأكثر من ستة أضعاف. ثم استمر في التضاعف وفي عام 2017 سنجده قد حقق 70,784 بليونا من الدولارات. وبالتوازي مع ذلك ارتفع نصيب الفرد من الدخل القومي، من 320 دولارا في 1970 إلى 15,110 في 2018. وعند نقطة معينة من النمو انطلقت عملية التنويع الاقتصادي انطلاقة قوية، وعند نقطة أخرى تعادل إنتاج القطاعات النفطية مع غير النفطية، واستمر نمو القطاعات غير النفطية لتتخطى النفطية.
في عام 1988 ساهمت القطاعات النفطية بنسبة 65,5 % من الناتج المحلي مقابل 34,5% للأنشطة غير النفطية، واستمر تراجع المساهمة النفطية وتقدم غير النفطية حتى حدث تعادل بينهما في عام 2006. ومن 2006 تواصلت نفس الحركة حتى إذا وصلنا إلى عام 2015، سنجد القطاعات النفطية قد انخفضت إلى 39,8% بينما ارتفعت القطاعات غير النفطية إلى 60,2%. إلا أن هذا التحول لم ينعكس على الموازنة العامة. ففي 2014 كانت مساهمة النفط في الإيرادات العامة 84,4% مقابل 15,6% للإيرادات غير النفطية.
ولن ندرك المعنى الحقيقي لمؤشر النمو الاقتصادي إلا إذا وضعنا إلى جواره مؤشرات التنمية الإنسانية، ولحظتها سيكتسب معناه الاجتماعي والسياسي الدقيق. فقد كان أحد الموجهات الأساسية لسياسات النهضة، هي وضع النمو الاقتصادي في خدمة المواطنين وليس وضع المواطنين في خدمة النمو. وهناك أربعة محاور للتنمية الإنسانية توضح مؤشراتها تلك الحقيقة : الصحة والتعليم ووضع المرأة والثقافة.
أصبح المواطن العماني يتمتع بوضع صحي لا يمكن مقارنته بما كان علية قبل النهضة. تخبرنا أرقام البنك الدولي ان توقعات حياة العماني كانت 50,31 سنة في 1970، ارتفعت إلى 76,88 سنة في 2018، أي بزيادة 26,5 عاما. ولم تعثر دراسة المركز الوطني على مادة تصلح لتقدير معدل الوفيات الخام لعام 1970، لكنه كان قطعا أضعاف نسبته عام 1980 وهي 13,3 لكل عشرة آلاف من السكان، انخفضت في عام 2016 إلى 3 فقط. وفي 1970 كان معدل وفيات الأطفال الرضع 118 لكل ألف مولود حي، وانخفض إلى 9,2 عام 2016. وفي 1980 كانت نسبة التطعيم ضد الدرن 54% وشلل الأطفال 19% والحصبة 10%، وأصبحت 100% للثلاثة في 2016. وخلف هذا التطور سنجد التطور الضخم في البنى الصحية التحتية أي أعداد المستشفيات والأسرة والأطباء والممرضات والصيادلة، والبنى التحتية العامة أي مياه الشرب النقية والصرف الصحي والكهرباء.
وسنجد نفس القفزة النوعية في التعليم . في عام 1969 كان في عمان كلها 3 مدارس ابتدائية احتوت 900 طالب. وفي عام 2017 وصلت مدارس التعليم العام إلى 1809 مدارس، يدرس بها 770,481 طالبا وطالبة، بمعدل التحاق وصل إلى 96,6% في أدنى نسبة حققها. وفي 1986 كان إجمالي عدد طلاب مؤسسات التعليم العالي 1082 طالبا وطالبة قفز في 2015 الى 135,493.
وأضحت النساء العمانيات يتمتعن بقدر كبير من المساواة بالرجال. في 1969 لم يكن بمدارس السلطنة الثلاث أنثى واحدة، ثم ارتفعت نسبة وجودهن في مدارس 1970 إلى 0,16%، ثم واصلت الارتفاع حتى أصبحت 0,96% في عام 2015، أي النصف إلا قليلا. وفي 1986 بلغ عدد إناث التعليم العالي 366 مقابل 716 للذكور، ولكن أعدادهن أخذت في التزايد حتى تخطين في 2015 الذكور بنسبة كبيرة وصلت إلى 45% من أعدادهم. وفي القطاع العام شكلت النساء 40,6% من قواه العاملة في 2017، بعد أن كن 3,4% فقط في 1980. ولكن نسبتهن في القطاع الخاص عام 2017 كانت 25,4% مقابل 10% في 2000. وحاليا يوجد الكثير القيادات النسائية في المناصب الحكومية الكبرى: سفيرات ووزيرا ووكيلات ومديرات عموم ورئيسات هيئات.
ولا يقل المجال الثقافي أهمية عن المجالات السابقة. في 1970 وصلت ساعات الإرسال الإذاعي 5,595 ساعة، ارتفعت الى 67,800 في 2017. وفي 1980 كان عدد ساعات الإرسال التلفزيوني 3,968 ارتفعت إلى 17,520 في 2017. وفي 1985 كان لدى عمان 14 صحيفة ومجلة قفزت إلى 74 في 2017. وفي 2010 كان هناك 8 مسارح قدمت 8 عروض مسرحية حضرها 6000 مشاهد، أصبحت 14 مسرحا في 2017 قدمت 132 عرضا حضرها 148,000 مشاهد. وفي 1988 كان عدد زوار المتاحف 5000 والقلاع والحصون 13,000، ارتفعوا في 2017 إلى 363,000 للمتاحف و319,000 للقلاع والحصون.
ولقد حظيت مسيرة النهضة وانجازاتها بتقدير عميق من قادة العالم والمنظمات الدولية. ونجد دليلا على مدى هذا التقدير، في المركز المتقدم علي المستويين العالمي والعربي، الذي تحتله عمان في المؤشرات الدولية. وقبل الاستعراض يجب ملاحظة أن المركز الذي سنذكره هو المركز العام المعبر عن قيمة المؤشر العامة، والذي يتكون كحصيلة لقيمة عدة مؤشرات فرعية التي قد يضع بعضها البلد في ترتيب أفضل كثيرا من الترتيب العام، والعكس صحيح أيضا.
لو نظرنا الى المؤشرات الاقتصادية سنجد ما يلي : في مؤشر التنافسية العالمية لعام 2017 حققت عمان المرتبة 66 من 138 دولة، والسادسة عربيا. وفي مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2016 شغلت عمان المرتبة 59 من 157 دولة والخامسة عربيا. وفي مؤشر سهولة أداء الأعمال الاقتصادية لعام 2017 احتلت المرتبة 66 من 190 دولة والثالثة عربيا. وفي مؤشر الأداء اللوجستي لعام 2015 شغلت عمان المرتبة 59 من 160 دولة والرابعة عربيا. وفي مؤشر التمكين التجاري لعام 2016 شغلت عمان المرتبة 46 من 136 دولة والرابعة عربيا. وفي مؤشر الأمن الغذائي لعام 2016 احتلت عمان المرتبة 26 من 113 دولة والثانية عربيا.
ولو نظرنا إلى مؤشرات الجاهزية التكنولوجية سنجد ما يلي: في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2015 شغلت عمان المرتبة 69 من 141 دولة والثامنة عربيا. وفي مؤشر الجاهزية الشبكية لعام 2014 شغلت عمان المرتبة 42 من 143 دولة والخامسة عربيا. وفي مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية لعام 2014 شغلت عمان المرتبة 48 من 193 دولة والسادسة عربيا.
وفيما يتعلق بمؤشرات التنمية الإنسانية يكفينا منها مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، الذي منح عمان في ترتيب عام 2017 المرتبة 48 من 187 دولة والخامسة عربيا.