النهضة العمانية.. سيرة نجاح ومسيرة فلاح

إميل أمين –

ربما يصعب على المرء في الذكرى التاسعة والأربعين للنهضة العمانية الحديثة أن يحيط المرء بكافة أبعاد سيرة النجاح ومسيرة الفلاح التي دخلت عقودها الخمس بثقة وبتراكم للمنجزات ما وضعها في مصاف الدول الحديثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ومبنى.

غير أنه وفي مقدمة هذه السطور يعن لنا أن نتساءل هل كان لمثل هذه النهضة الخلاقة أن تنطلق في الآفاق من غير راع يقودها في دروب الأيام وتغيراتها، وفي منطقة مليئة بالأنواء وتقلباتها، راع يعمل بحزم ويفكر بعزم، ويضع الإنسان في مقدمة أهدافه طوال هذه العقود؟
قطعا إن جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه -، ومتعه بالصحة وطول العمر، هو حجر الزاوية الذي قام عليه بناء السلطنة بنموذجها الريادي والقيادي الذي نشهده في حاضرات أيامنا.
فليقرأ القارئ ما جاء في إحدى خطب جلالته قبل نحو ثلاثة عقود وفي مناسبة يوم النهضة وفيه يقول : «خطتنا في الداخل هي أن نبني بلدنا ونوفر لجميع أهله الحياة المرفهة ، والعيش الكريم ، وهذه غاية لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق مشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء المسؤولية ومهمة البناء، ولقد فتحنا أبوابنا لمواطنينا في سبيل الوصول إلى هذه الغاية، وسوف نعمل جاهدين على تثبيت حكم ديمقراطي عادل في بلادنا في إطار واقعنا العماني العربي وحسب تقاليد وعادات مجتمعنا جاعلين نصب أعيننا تعاليم الإسلام الذي ينير لنا السبيل دائما».
يمكن للمرء أن يتوقف أمام هذا المنطوق السامي بالكثير من الاحترام والتقدير، فقد كانت لدى جلالته رؤية تقدمية واستشرافية لبناء دولته من خلال الأدوات الوطنية والرؤى المحلية التي تتسق ومسار وتاريخ شعبه، وبعيدا كل البعد عن الأفكار المعلبة والمستوردة، تلك التي أوردت الكثير من دول منطقتنا موارد التهلكة لا سيما في العقد الأخير من العقد الحادي والعشرين.
آمن جلالته بأن الحضارة لا تقوم بالاستعارة، ووضع ثلاث لبنات رئيسة ويمكن اعتبارها ثلاثة محاور شكلت توجه السلطنة في موقعها وموضعها إقليميا وعالميا وهي: حسن الجوار، وإفشاء السلام، والتسامح الخلاق، وقد أضحت هذه الثلاثية أساسات عالية وغالية قادت السلطنة إلى وضعها الأممي المتقدم والذي صارت تعرف به اليوم حول العالم.
نجح صاحب الجلالة في الأخذ بيد السلطنة لتخرج منها دولة حديثة ديمقراطية تقوم على محددات واضحة وخيرة تحدد العلاقة بين الدولة والمواطنين، الأمر الذي تبدى في كلمات جلالته السابق الإشارة إليها، أي دولة هدفها الأول رفاه شعبها عبر مبدأ سيادة القانون الذي لا يجوز لأحد الخروج عليه، وأن كانت الرحمة في قلب جلالة السلطان كثيرا ما تطفو فوق العدل.
نهضت السلطنة بين الأمم البازغة في العقود الخمسة الأخيرة عندما أتاحت الفرصة لازدهار الشخصية الإنسانية بعقلانية بمعنى أن كل الخطط الاقتصادية والسياسية والتنموية بل والثقافية التي وضعتها السلطنة في مسيرة نهضتها إنما خضعت لسلطان العقل وبما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام الحنيف.
ولعله من المؤكد أن تجربة النهضة العمانية اكتسبت طابعها الخاص حين نظرت إلى الإنسان العماني وكما اشرنا مرارا إلى انه القضية وانه الحل، والنظر إليه تم من خلال منظار معظم يرى الإنسان كل لا يتجزأ، فلا يمكن أن تقوم نهضة على زاوية حياتية بعينها وإهمال باقي المشهد، فهي لم تتعاط مع الأبعاد الاقتصادية على سبيل المثال على حساب الأخلاقيات والقيم، ولم تتشابك مع السياسات الدولية على حساب أمن وأمان الإنسان العماني، وهنا كانت توجيهات جلالته تقدم الوصفة الخلاقة التي هي مزيد من عناصر متكاملة اقتصادية وسياسية، تعليمية وتثقيفية، اجتماعية وصحية وفي هذه وتلك كان الإنسان العماني يبلور رؤية وشخصية قادرة على التحدي والتصدي في آفاق العالم الجديد المتغير عبر إنجازات سريعة وراسخة على أرض عمان. استطاع صاحب الجلالة بحكمته الفائقة أن يجعل من سلطنة عمان دولة عصرانية يشار لها بالبنان، ولم يكن ذلك لتجري به المقادير من غير أساسات قوية ومتينة، وروابط دولية وإقليمية واسعة وممتدة عبر الأرجاء، دولة تساير كافة أصعدة التطور التكنولوجي والتقني، مع الأخذ في عين الاعتبار أن هذه جميعها مسخرة لخدمة الإنسان، ولا يسمح لها بان تكون أهدافا في حد ذاتها بمعنى أن تضحى بعض المفاهيم الاقتصادية او الفكرية هي النموذج الذي يطحن الإنسان في آلة الزمن، بل هي كلها في خدمة الإنسان العماني.
في بناء السلطنة النموذجية الحديثة أولى صاحب الجلالة اهتماما خاصا بالمرأة معتبرا أنها بالفعل نصف المجتمع، وقد تغير حال المرأة العمانية بنسبة 360 درجة في عهد جلالته، فأصبحت السفيرة والوزيرة، والكاتبة والطبيبة، والفنانة والشاعرة، ما جعلها المكافئ الموضوعي للرجل في بناء الدولة النموذجية، دولة المواءمة بين الأصالة والمعاصرة، ومن غير أن يطبق أحدهما على الآخر، او يتشارعا ويتنازعا في الصدور والعقول.
منذ بدايات زمن النهضة المباركة، مضى جلالته في طريق ترسيخ حياة سياسية سليمة، وهذا قرار لا تقوى عليه سوى الأيادي القوية الحازمة والحاسمة، فأعطى الحقوق الكاملة للمواطن العماني، ليدلي برأيه، ويشارك في اختيار مسؤوليه، الأمر الذي تبلور في الشورى العمانية، بنموذجها الراقي والتقدمي.
تجذرت مسيرة الشورى التي رعاها صاحب الجلالة في واقع الأمر في ثنايا المجتمع العماني منذ العقد الثاني من مسيرة النهضة المباركة، وبنوع خاص مع تأسيس المجلس الاستشاري للدولة في عام 1981، وإنشاء مجلس الشورى في عام 1991، ولقد أثبتت التجربة صحة حكمة صاحب الجلالة وصواب فلسفته في التدرج للوصول إلى البناء الديمقراطي الأمثل، لا سيما وأن الأنظمة السياسية كالكائن البشري لها حياة تبدأ من المهد ، ثم تنمو وتنطلق في الآفاق، أما أولئك الذين نادوا بالديمقراطية الغناء مرة والى الأبد فها هم يحصدون نتاج تسرعهم وغفلتهم .
والشاهد أن انتخابات مجلس الشورى الأخيرة قد أكدت على وجود درجة عالية من الوعي الاجتماعي العماني بأهمية المشاركة في الحياة السياسية العمانية ، الأمر الذي يمكن قراءته من خلال أعداد الذين سجلوا أنفسهم تهيئة للتصويت، فخلال الأشهر التسعة السابقة على الانتخابات شهد السجل الانتخابي تفاعلا وإقبالا جيدين في عملية تسجيل الناخبين في سائر ولايات السلطنة ، في مؤشر على اهتمام المواطنين بانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، وكذلك لخاصية التسجيل الإلكتروني الذي تم استحداثه من قبل وزارة الداخلية.
كذلك فقد دفعت عقود النهضة المباركة في مسار مهم للغاية ونعني به مسار تنويع المداخيل الاقتصادية، وحتى لا تضحي السلطنة رهنا لريع النفط فقط فقد اهتمت في عهد جلالته بتطوير المناطق الاقتصادية، وفي المقدمة منها منطقة الدقم، وقد قطعت مشاريع البنية الأساسية للمنطقة الاقتصادية هناك شوطا بعيدا في إنجاز مشروع متكامل قادر على استقطاب مختلف أنواع الاستثمارات المحلية والأجنبية في كافة أنشطة المشروعات المتاحة بالمنطقة صناعيا وسياحيا ولوجستيا وخدميا.
أحد الأسئلة البديهية التي يتوجب علينا أن نطرحها في مثل هذه المناسبة الطيبة:«هل كان من الممكن أن تكون السلطنة مناخا جاذبا للاستثمار الإقليمي والعالمي من غير درجة عالية إلى أبعد حد ومد من الاستقرار السياسي والأمن والأمان المجتمعيين؟»
المعروف في علم الاقتصاد ان راس المال جبان، ما يعني انه سريع الهرب حين يستشعر الخطر، وفي زمن العولمة فان سهولة انتشار الأخبار الإيجابية او السلبية أضحت عملية اعتيادية، ما يعني أن العالم برمته يدرك مدى اضطراب تلك المنطقة فيسارع بالابتعاد عنها، او العكس بمعنى مقدار سلامها النفسي والمجتمعي، الأمر الذي ينعكس على رغبة الآخرين في المشاركة الاقتصادية وتعظيم أرباحهم.
نجحت السلطنة في العقود الفائتة في تسخير الطبيعية لصالح شعبها من جهة ولخدمة السياح الراغبين في الاستمتاع بمزايا لا يوجد لها نظير في المنطقة، ولهذا لم تعد السلطنة مصدر جذب فقط للسياح، بل مدارا ومسارا لمشروعات سياحية عملاقة وخلاقة ما ظهر بصورة واضحة في ازدياد نسبة مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي. ولأن شواطئ السلطنة هبة ربانية فقد أحسنت القيادة العمانية الاستفادة من هذا المصدر السمكي حيث نمت صادرات السلطنة من الأسماك بشكل كبير وبات قطاع الثروة السمكية رافدا مهم من روافد الاقتصاد الوطني، وكان القطاع محورا لأحد مختبرات البرنامج الوطني لتنويع مصادر الدخل « تنفيذ» حيث هدف مختبر القطاع السمكي إلى مناقشة آليات تحقيق الاستغلال الأمثل للثروة السمكية.
يطول الحديث بنا إن اردنا أن نعطي رؤية شاملة عما جرى في خلال العقود الخمسة الماضية ولعل هناك ركنا أساسيا لا يمكن لنا ان نغفله بحال من الأحوال أي الركن الفني والثقافي، أي الجانب الابداعي في النفس البشرية، ذاك الذي أولاه صاحب الجلالة اهتماما خاصا منذ زمن بعيد .
لماذا الاهتمام السلطاني بالفنون إلى الدرجة التي يمضي فيها ومعه جلالته إلى إنشاء وزارة شؤون الفنون مؤخرا؟
باختصار غير مخل يمكن القول إن الفنون هي بالفعل غذاء الروح ولا سيما الموسيقى، وقد باتت دار الأوبرا السلطانية مسقط مصدر فخر وإعجاب في العالم برمته من جراء الرعاية التي تلقاها من جلالته، ومن نافلة القول إن النفس البشرية التي لها دالة على الفنون هي أبعد ما تكون عن كافة أشكال العنف اللفظي والفعلي، وما أبعد العقول الموسومة بالفن عن عالم الإرهاب والصراعات والدماء والعنف.
أضحت سلطنة عمان في ظل توجهات جلالته واحة أمان ورسول سلام بين الأمم، وربما لم يحن الوقت ليكشف عن كل الأدوار التي لعبتها السلطنة لخدمة السلام الإقليمي والعالمي في العقود الأخيرة، وان كان العالم يشهد لجلالته بانه أحد الرجال الأماجد الذين أخذوا على عاتقهم تقريب وجهات النظر وبلورة رؤى سليمة للكثير من الخلافات والصراعات التي طال بها الزمن من غير مقدرة فعالة على الإنجاز.
يحق للشعب العماني الشقيق الابتهاج في هذه المناسبة الطيبة.
حمى الله السلطنة وأطال في عمر جلالته.