عن الوقاية المبكرة من الإصابة بأعراض الاحتجاجات

د.عبدالعاطي محمد –

مثلما تشير الاحتجاجات العربية، في أحدث صورها، كما هو الحال في العراق ولبنان، إلا أن من تصدروا المشهد هذه المرة أصروا على تكرار نفس المسار الذي اتخذته احتجاجات أواخر 2010 وأوائل 2011 برغم أخطائه، تشير أيضا إلى أن الطرف الآخر في المواجهة، ويشمل كل من بيدهم القدرة على صناعة واتخاذ القرار السياسي، لم يفلح في تحقيق الوقاية المبكرة من هذه الاحتجاجات، مع أن هذه الوسائل معروفة جيدا من واقع ما تفيد به تجارب الأنظمة السياسية الناجحة والمستقرة.ومما لا شك فيه أن المشهد في عمومه لا يرضي أحدا في المناطق العربية التي ضربتها ولا تزال تضربها الاحتجاجات، سواء في الماضي القريب أو الحاضر، كما يبدو لأول وهلة غريبا وعسيرا على الفهم إلى حد كونه لغزا محيرا بالنظر إلى أن مسارات النجاح وعوامل الفشل تكاد تكون في حكم البديهيات.
لا أحد يتقبل مشاهد العنف والانقسام والشلل العام في مؤسسات الدولة ولا غموض المستقبل السياسي هنا وهناك. لقد تم استنكار كل هذه المظاهر في الاحتجاجات السابقة، وكان من المفترض ألا يتكرر نفس السيناريو، فما هكذا يكون أداء الشعوب والأنظمة الحية التي تتحدث طويلا عن تاريخها العريق بحثا عن التقدم في كل المجالات.
ولا أحد يتقبل أن تكون المنطقة العربية استثناء عن بقية العالم، حيث يمر قطاع عريض منها بمظاهر مختلفة لعدم الاستقرار السياسي والأمني والتراجع في مستويات المعيشة، بينما يهنأ الآخرون بالاستقرار والتقدم ورغد العيش.
والاستثناء يعنى أن هناك عوامل للفشل لا يمكن الفكاك منها تتعلق بثقافة المنطقة.
وللحق فإن هذا التصور أبعد ما يكون عن الحقيقة والتاريخ شاهد على ذلك، ولكنه تصور أو انطباع قائم بين عالم اليوم نشأ عن التداعيات السلبية لتجارب التغيير التي ضربت هذا القطاع وكنا نتصور أنها لن تتكرر ولكن جاءت التطورات من العراق ولبنان لتعيدنا إلى نقطة الصفر.
ومن المنطقي أن يتكرر نفس السؤال القديم الحديث، لماذا تقع هذه الاحتجاجات؟ وما العمل عند التفاعل معها سواء لتحديد مصيرها أو لعدم تكرارها مستقبلا؟
ومن المفترض بداهة أننا لا نتحدث عن بلدان عربية مستقرة، وإنما عمن تعرضوا للاضطرابات نتيجة اندلاع الاحتجاجات الشعبية. الاحتجاجات تشير دائما إلى أن هناك حالة من عدم الرضا العام عن سياسات النظام السياسي القائم، تتسم بالحدة والاتساع الجغرافي والقيام بأفعال تجسد الاستياء والرغبة في التغيير، ومن ثم هي مظهر واضح لا لبس فيه على عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. والنظام السياسي الناجح هو من لا يتعرض لهذه الصور من عدم الاستقرار أو بمعنى آخر الذي لا يتعرض للاحتجاجات من وقت إلى آخر حيث أنها تجسد هذه الصور من عدم الاستقرار.
ووفقا لما أصبح شائعا بين المختصين بدراسة تجارب التنمية السياسية، فإن هناك ثلاثة وظائف يجب أن يقوم بها أي نظام سياسي منشود، هي التكامل القومي، والتنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، وتفعيل المشاركة السياسية.
وبرغم تعدد الاجتهادات حول ما هو المقصود بكل من هذه الوظائف، هناك اتفاق عام على عدد من المعايير التي لا خلاف عليها للحكم على مدى نجاح النظام السياسي.
ومن أبرز هذه المعايير، أولا الحفاظ على الوحدة الجغرافية للبلاد، بمعنى تحقيق التماسك الاجتماعي على مدى الرقعة الجغرافية، حيث لا انفصال لإقليم ما، ولا انقسام مجتمعي لأسباب تعود للتنوع العرقي واللغوي والديني، ويتحقق ذلك بمد شبكة التنمية إلى كل ربوع البلاد سواء من حيث الطرق أو الخدمات الصحية والتعليمية، والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وتوفير فرص العمل للجميع، وحرية التنقل بلا تمييز أو عوائق.
ومنها ثانيا: وضع خطط تنمية اقتصادية مدروسة جيدا وممكنة التطبيق، تضمن زيادة مستدامة في الناتج القومي الإجمالي، والنهوض بالمستوى المعيشي للمواطنين، وتطوير القدرات البشرية.
ومنها ثالثا: تفعيل مشاركة المواطن في صنع القرار السياسي. ولهذه المشاركة صور مختلفة حسب طبيعة كل نظام، طالما أنها تعكس الرضا الشعبي العام عن النظام السياسي. ومن هذه الصور، الانتخابات العامة لاختيار ممثلي الشعب في المجالس النيابية، وممارسة حرية التعبير عن الرأي في وسائل الإعلام المختلفة.
ومنها رابعا: إقامة جهاز إداري على درجة عالية من الكفاءة والشفافية. وظاهريا فإن معظم، إن لم يكن كل الأنظمة العربية، تتبنى هذه الأفكار العريضة، بل كثيرا ما تزايد على بعضها البعض بأنها أكثر التزاما بها، ولكن واقعيا فإن هناك أنظمة كانت ولا تزال مستقرة، أي ناجحة في القيام بوظائفها المشار إليها سلفا، وأخرى إما متعثرة أو تواجه دائما ضغوطا شعبية تتزايد حدتها إلى حد الاحتجاج بل والمطالبة بإسقاط النظام (من الملفت أن هذا المطلب تحديدا أصبح شعارا مكررا مع كل مشهد احتجاجي جديد!).
وبخصوص النظم الناجحة فقد توصلت إلى صيغ وطنية خالصة تفعل هذه الوظائف دون فلسفات أو توجهات إيديولوجية معقدة، وصارحت شعوبها دوما بالحقائق وفرضت العدالة سواء بالمعنى القانوني أو الاجتماعي.
وأما النظم الأخرى المصابة بأعراض الاحتجاجات فإما أنها حادت عن هذا الطريق أو حاولت ولم توفق، بمعنى أنها لم تحافظ على وظيفة التكامل القومي حيث تعرضت لصور من الانقسام المجتمعي من زوايا مختلفة، وتخبطت على مستوى التنمية الاقتصادية، وأهملت المشاركة السياسية بغض النظر عن صور هذه المشاركة ففي آخر المطاف لم تحقق الرضا الشعبي عنها.
من واقع التطبيق لم يكن ضروريا فقط الالتزام بأداء الوظائف وبالنجاح في خطط التنمية الاقتصادية والسياسية والبشرية، وإنما أيضا التحسب لأعراض الاحتجاجات والعمل غير المباشر على إيجاد الأساليب التي تمنع وقوعها.
والسبب أن أي نظام معرض عمليا لمواجهة عدد من التحديات قد يكون بعضها موروث أو مستجد، وهذا من سنن التطور، حيث يكون التعامل أساسا مع البشر المختلفين في أمور كثيرة.
وهنا يكمن مصدر الخطر الذي فجر الاحتجاجات في عدة بلدان عربية بعضها لم يكن من المتصور يوما أن تنقلب فيه الأوضاع رأسا على عقب كالحالة اللبنانية مثلا.
فالقاسم المشترك العام بين الجميع بمن فيهم النظم الناجحة هو أن هناك تحديات ومشكلات يمكن في أي وقت أن تعكر صفو المسار أو تعوق التقدم، شأنهم في ذلك شأن كل الأنظمة التي تعرفها الإنسانية المعاصرة، ولكن الفرق هو أن هناك من تنبهوا مبكرا للأسباب التي يمكن أن تؤدى إلى احتجاجات تكبر أو تصغر، فاتخذوا خطوات على أرض الواقع لا تجعل هذا الاحتمال واردا، بينما من تعرضوا لأزمات لم يهتموا بالوقاية من هذا الاحتمال، أو تعاملوا معه بخفة شديدة، وغالبا ما جاءت استجابتهم في صورتين من التعامل هما إما القمع الأمني المبكر أو الاحتواء السريع. وفي الحقيقة كان الأمر المعتاد من جانب القطاعات الشعبية المفعمة بروح الاحتجاج هو التجاوب مع أي من الصورتين!، أو بمعنى أخر الرضا بتأجيل زمن الاحتجاج على أمل أن تتحسن الأوضاع مستقبلا.
ومع ذلك يبقى التساؤل قائما لماذا وقعت الاحتجاجات قديمها وحديثها بالكثافة والقوة بشكل مفاجئ، فلا جدال أنها امتدت على نطاق المجتمعات المعنية كلها واتسمت بالشراسة والحدية (مطالب جذرية لا إصلاحية)، ولا يستطيع أحد أن يقنع القطاع الأكبر من الرأي العام العربي بأن كل هذه الاحتجاجات التي طالبت وتطالب بإسقاط أنظمتها كانت لها شواهدها القوية على أرض الواقع وعلى مدى زمني كبير كانت لها.
صحيح أنه كان لها أسبابها المباشرة المحدودة ولكنها أسباب لم تستوجب الانفجار بالحجم الذي حدث في كل مواقعها. والسبب الذي أدى إلى هذا التطور الشديد، ويعد وثيق الصلة بفكرة التحسب والوقاية المبكرة، هو أنه في كل تجربة لابد وأن يكون لها ظهير مجتمعي قوى الشكيمة بمثابة الطاقة التي تحرك التطور وفقا لتوجهات النظام السياسي القائم (العصبية بتعبير ابن خلدون)، وقد يكون هذا الظهير واسع النطاق، وقد يكون صغيرا ولكنه قوى التأثير والفاعلية. هذا الظهير يتم التعبير عنه بمقولة «الكتلة الصلبة»، أي القطاع المجتمعي الذي يتحمل التحديات ويثق في قدرات النظام الذي يؤيده.
فالمشكلات واردة في كل الأحوال أيا كان نوعها، ولكن رد الفعل تجاهها يمكن ألا يصل إلى حد الاحتجاج العام إذا توافرت هذه «الكتلة الصلبة». وتتهاوى هذه الكتلة عندما تثقل عليها الضغوط الاقتصادية وتشعر بالمخاوف على مستقبلها وتفقد الثقة في نظامها بعد أن كانت قوته الداعمة. النظم الناجحة تحرص على بقاء هذه الكتلة فاعلة وقائدة للأوضاع الاجتماعية وغالبا ما تجعل نطاقها واسعا للغاية إلى حد شموله المجتمع كله، وبعضها يضمن توفير الحجم المؤثر منها على أقل تقدير. هذه الكتلة ينفد صبرها على الضغوط عندما لا تجد عملا ولا أمنا ولا كرامة إنسانية ولا عدلا اجتماعيا. ولا شك أن الوقاية من هذا المصير بسد كل هذه الثغرات هي من ضرورات استقرار ونجاح، ليس النظام القائم فحسب وإنما المجتمع كله.