نوافذ :عطر الآخرين.. أكثر نفاذا!

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نادرا ما يجمعنا مجلس بآخرين، فأول ما نشمه منهم عطرهم النفاذ، مع أننا كثيرا؛ أيضا؛ ما تتخضب ملابسنا بعطر لا يقل نفاذا، ولكن لأننا أدمنا المقارنة، فتلك هي التي تبعدنا عما نحن فيه، عن ما نمتلكه، وعن ما يميزنا، وعن ما يشغل ذواتنا، وعن أشياء كثيرة أخرى كان من المؤمل أن نقترب منها أكثر، لا أن نبتعد كثيرا، حيث تذهب بنا المقارنة إلى نسيان من نحن، وإلى تجاوز عما نملك، وإلى القفز؛ مباشرة؛ إلى ما عند الآخر، ولأن هذا الآخر هو أيضا؛ كثيرا؛ ما يدس أنفه فيما يعنينا، وفيما نهتم به، وفيما نذهب إليه، ولذلك يكثر السؤال بأداة «لماذا» ولا نكثر من أداة السؤال «كيف» لأن الكيفية ليست يسيرة، فتحتاج إلى معالجة أكثر، وإلى مشاركة أكثر، أما «لماذا» فتذهب إلى «السبب» والإجابة عن السبب، تقتضي المباشرة والسرعة، وبالتالي فهي الأقرب، والأسهل.
لا توجد مسافة فضلى تفصلنا عن الآخرين، فنحن قريبون جدا، وبعيدون جدا؛ إن أردنا؛ وفي المسافة الفاصلة بين البعد والقرب، ثمة «وسوسة» تبني، أو تهدم، تعلي من سهم القيمة المضافة، أو تخفّض الرصيد كله، ولأننا نعتنق المقارنة، فلذلك نهتم بالآخر، في رائحة عطره، فننسى أننا؛ ربما؛ نملك عطرا أفضل منه، وتزعجنا أية رائحة نتنة منه، مع أننا مثله لدينا روائح نتنة، ولكننا لا نستحضرها في لحظة معانقة لرائحته، وما نقدر عليه أكثر أننا ننسى رائحة عطرنا، ولا ننسى رائحته؛ التي قيمناها، على أنها؛ نتنة.
هذه المراوحة بين الرضا والكره، مزعجة إلى حد الـ «قرف» ومشكلتها أنها حالة مستمرة بين الطرفين، نحن وهو، وهو ونحن، ومتى نتخلص من هذه الثنائية المتضادة، ذلك مبلغ علمه عند الله تعالى، هل هي فطرة، هل هو سلوك مكتسب، هل هي ثقافة، هل هي مظان النفس التي نعرفها، والتي لا نعرفها، هل نستشعر ثقل هذه الممارسة، وإزعاجية هذا السلوك، هل الآخر يتساءل، كما نطرح على أنفسنا أسئلة جوهرية في ذات السياق، يأتي إليك آخر، فيقول: «هل رأيت فلان اليوم، تميزه جعل منه محط أنظار الكثيرين؟ فتتبعه بتعليل صادم، ولكن: هو كذا وكذا، فتنسف هذه الـ «كذا وكذا» كل ذلك الإنجاز الإنساني الذي قام به فلان في نفس صاحبك الذي حدثك عن فلان، إنها مصيبة، ولا أكبر منها في حالة الـ «سلخ» هذه.
«يأسرنا عطر الآخرين» كما هو العنوان، فلما لا نحتفظ بهذا العطر لهم، ونقنع أنفسنا بأنا لنا عطرا مميزا أيضا، نعتز من خلاله بخياراتنا، وبانتقاءاتنا، وبقدرتنا على شراء العطر الأثمن، وعلى أننا نملك هذا التحييد ليجعل من عطرنا أكثر نفاذا يعطر الأجواء، ولا يسممها، غريبة هذه النفس المجبولة على الـ «حشرية» و«دس الأنوف» فيما يعنيها وفيما لا يعنيها، وتظل هكذا أسيرة هذا الاستحواذ المشغول بالآخر، ولعل المقاربة ذاتها من مقولة «منشد الحي لا يطرب» حيث تذهب الرؤية الصافية إلى الآخر، مع أن بالحي منشد بارع، وصوته جميل، ولكن لأنه من الحي الذي يقاسمنا فيه، ونتقاسمه معه، فهو لا يطرب، وهو إنسان عادي جدا، ولا يستحق الإشادة، ولا يستحق التكريم، ولا يستحق الثناء، ازدواجية غريبة نعيشها مع ذواتنا.
قبل فترة وجيزة طرحت؛ عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ قضية الاطمئنان إلى الخبير الأجنبي، وإلى الرأي الأجنبي، وإلى الاستشارة الأجنبية، وعد كل ما يقوله هذا الأجنبي، وما يدلي به، هو عين العقل، ويحمل نية صادقة، وأمانا، وصدقا، ومحبة، ومن منا؛ بخلاف ذلك، حيث بذرة الشك، فيحمل إشارة استفهام كبيرة، وفيها ما فيها من مظان الشك، والتخوين، وعدم الاطمئنان، والسبب في ذلك أننا لا نزال مأسورين بـ «عطر الآخرين».