إضاءة :حب الوطن من الإيمان

سالم الحسيني –
الوطن مآل الإنسان ومستقره إليه تسكن الروح وتهجع النفس وتطمئن، وحب الوطن هاجس فطري فليس هنالك في عالم البشر من لم يراوده ذلك الهاجس إلا أن يكون مسلوب الإحساس غير سوي الفطرة، أما الذي يتمتع بكل ما آتاه الله من مشاعر بشرية وركّب فيه من المقومات الإنسانية ما جعله متميزا عن غيره من المخلوقات الأخرى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، فلا أحسب أن ذلك الحس قد انفصل عنه إلا بعملية قيصرية، وَمِمَّا لا خلاف عليه أن ذلكم الحس الوطني هو مسألة نسبية تختلف من فرد لآخر، فليس من حب الوطن أن يؤثر الإنسان هوى نفسه على حساب وطنه، وليس من حب الوطن من مكّنه الله في الأرض وآتَاه من الأسباب أفضلها فيسخّـرها في الاستعلاء على بني جلدته ويقول أن ما آتاه الله (مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، فلم يسخرها لبناء الوطن، ولا بالاستثمار فيه ليستفيد منها ويفيد، بل غادر بها خارج أسوار الوطن، فذهبت أدراج الرياح، وليس من حب الوطن عدم الاعتبار بصاحب الجنتين حينما قال: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) فظن انه مخلّد في هذه الدار أبدا، فلم يخرج حق الفقير والمسكين وذوي الحاجة، فكانت النتيجة أن أحيط بثمره (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)، وليس حب الوطن من يرفع شعارات جوفاء ليس له منها إلا المعنى، وأنما يترجم حب الوطن على حقيقته من يسعى لرفعته وسعادة أبنائه، ويرفع رايته خفاقة في كل محفل، فمن ينصّب ميزان الحق فينصف وطنه من نفسه ولا يرتضي أن يتخذ من منصبه أو نفوذه سبيلا للتعالي أو بابا للثراء غير المشروع فذلك يحب وطنه، ومن يسارع إلى فعل الخيرات فيتبنى مشروعا خيريا وآخر تطوعيا لخدمة بعض الفئات من ذوي الحاجات أو يبني مستوصفا صحيا لعلاج المرضى، أو منزلا لفقير معدم أو مسكين محتاج، أو أن يسخّـر بعض جهده ووقته في تعليم الناشئة حتى يكونوا لبنة صالحة في هذا المجتمع، أو يعين على فعل ذلك الخير إن لم يجد ما يقدمه، أو أن يسعى في الإصلاح بين الناس، أو أن يحسن تربية أبنائه حتى يكونوا أبناء صالحين ليكون مردود ذلك كله الخير العميم لصاحبه في الدنيا والأجر المضاعف يوم الدين فكل أولئك يترجمون حبا حقيقيا للوطن، فطوبى لمن وفقه الله إلى ذلك السبيل واتخذ من نماذج الصالحين المصلحين قدوة له في ذلك ليكون في أعلى عليين. نسأل الله العلي القدير أن ينعم على باني هذا الوطن الغالي بالصحة والسعادة والعمر المديد فقد بنى عقولا وأنشأ أجيالا جديرة بتحمل الأمانة والمحافظة على مكتسبات هذه النهضة المباركة التي عّم خيرها القاصي والداني فكان جلالته أعزه الله نموذجا يقتدى في التضحية والفداء لهذا الوطن المعطاء فقد استنفر الطاقات والإمكانيات وسخر أثمن الأوقات وأرسى أقوى الدعائم لهذا الوطن الغالي فله منا أجل التحايا وأصدق الأمنيات وخالص الدعاء بأن يثيبه عن هذه الأمة التي ألّف بين قلوبها حتى أصبحت على قلب رجل واحد خير الجزاء وعهدا منا بأن نظل أوفياء لهذا الوطن المعطاء ليبقى كما أراده له جلالته أعزه الله قوي البنيان ثابت الأركان عزا وسندا للإسلام والمسلمين وملاذا آمنا لعباده الأوفياء المخلصين.