داعش المنهار.. هل يعود ؟

حسن عبدالله –

لأسباب كثيرة وموضوعية سيلحق داعش بالقاعدة التي باتت مجرد اسم لكيان لا وجود له،ولكن المؤكد أن تنظيما سيولد وسيكون أكثر شراسة، نتيجة لحالة الغل الطائفي والديني التي يعززها التناحر السياسي الدائر في المنطقة.

ولأسباب أخرى لم يكن انهيار تنظيم داعش (تنظيميا ) مفاجئا،بل كانت المفاجأة في الانهيار السريع للتنظيم الذي لم تدم دولته أقل من عقد،ثم تفككت أوصالها وتشتت قياداتها لتعود مجددا خلايا سرطانية تضرب عشوائيا عبر ما يسمى بـ «الذئاب المنفردة» و«أشبال الخلافة» و«الكتائب النسائية» وغيرها من الخلايا «النائمة واليقظة» التي بمثابة «قنابل موقوتة» زرعها التنظيم في عقل وقلب المنطقة.
لن يشكل-إذن- مقتل إبراهيم عواد علي البدري السامرائي وشهرته أبا بكر البغدادي أو تعيين أبا ابراهيم الهاشمي القرشي «أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين» فارقا مهما بعد أن خسر التنظيم كامل مناطق سيطرته في سوريا والعراق، وتحوله لشن حرب عصابات وهجمات دموية في البلدين.
فبعد أن توافقت القوى المحلية والإقليمية والدولية على دحر التنظيم و نهاية دوره، وفقدان التنظيم لمصادر تمويله وأماكن سيطرته، جاء الانهيار الميلودرامي ليفجر عشرات الأسئلة حول صعود وانهيار تنظيم شغل العالم كله.
بدايات الانتعاش الاقتصادي لتنظيم داعش، بحسب تقرير لمجلس العلاقات الدولية صدر أخيرا، كانت متأخرة في حدود عام 2013 قبل الاستيلاء على الموصل الذي يعده الخبراء نقطة تحول اقتصادية كبرى ليست في مسيرة «داعش» فحسب، بل في منظومة العمل المسلح جميعه في المنطقة، فـ«داعش» ما قبل الموصل كانت تحصل على ما يقارب عشرة ملايين دولار شهريا عبر سرقة الأموال وفرض الضرائب على أصحاب العمل المحليين بل واقتطاع حصص من المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها في مقابل الإذن بالدخول، وهو سلوك لم يأت مصادفة بل من الواضح أن «داعش»، وخلافا للتنظيمات الأخرى، كالقاعدة وغيرها، طورت من سلوكها الإداري على الأرض على طريقة العصابات أكثر من بناء برنامج عمل مستقى من التصورات الإسلامية لشكل الدولة، وتتحدث التقارير باستفاضة حول ميزانية «داعش» بعد التحولات الجديدة بينما يجزم معظمها بأن رأسمال التنظيم كان لا يقل عن ملياري دولار.
هذه الثروة الطائلة والحالة الجديدة لـ«داعش» بعد الدخول في مشروع دولة الخلافة وسقوط أجزاء واسعة من العراق تحت سيطرته استلزمت تطورا على مستوى التجهيز العسكري.
وبالفعل أظهر التنظيم شجاعة وثباتا واحترافية في مواجهة القوي والتنظيمات العسكرية في سورية والعراق، لكن الاندفاع، وبحسب رؤية لسمير الحسن في دراسة له، وسرعة العمليات العسكرية، وفتح كل الجبهات في وقت واحد ضدّ داعش في العراق وسوريا، ومن اتجاهات عدّة شرق حلب، والطبقة، والرقة، وتدمر، والموصل، والبعاج، وتلعفر، والقلمون فيما يشبه الحرب الشاملة، انعكس سلباً على أداء التنظيم، الذي فقد أبرز نقاط قوته وعجل بانهياره لهذه الأسباب :
– فشل تجارب داعش في إدارة المناطق الجغرافية التي سيطرت عليها، وذلك بسبب نقص خبرتهم في مجال حكم الأقاليم والدول، أفقد التنظيم الحاضنات الشعبية واستعدى جميع القوى المعارضة في سوريا.
– تجفيف منابع الدعم والانتماء والالتحاق بفعل تحييد الدول المجاورة للعراق وسوريا والأردن ولبنان وتركيا.
– الاختراق الواسع في بيئة التنظيم مثل الرقة والموصل وغيرها من خلال زرع خلايا وتجنيد شخصيات مقرّبة من داعش توفّر معلومات ووقائع وترصد التحرّكات.
– دفع التنظيم للخروج من الأماكن المأهولة إلى العراء والمناطق المكشوفة،عبر تكثيف الضربات الجوية للمراكز لأصلية والبديلة.
– التناغم العسكري من دون تنسيق أم معه بين المحور الروسي الإيراني – والمحور الأمريكي.
– استهداف القيادات العسكرية الفاعلة والقيادات الناشطة في الدعاية.
– تكثيف الحملات العسكرية طيلة السنوات الثلاث الماضية أدى إلى استنفاد التنظيم لكل عمليات الصمود.
– الانشقاقات المستمرّة، وتمرّد بعض القيادات لا سيما في الأماكن التي وقعت تحت حصار قوي وطويل، أو الانشقاقات التي كان لها طابع مناطقي، مثال التكتل الروسي مقابل تكتل الوافدين من دول أخرى.
– ضعف ثقة قيادات التنظيم من أصول عراقية بالقيادة الوافدة من مناطق أخرى.
– محاصرة التنظيم مالياً، واستهداف وزارة المال في التنظيم الذي أثّر على تمويل المشاريع، وتجنيد المقاتلين.
وثمة سبب أساسي مهم للانهيار، فعلى الرغم من أن فكرة الخلافة الإسلامية براقة وتداعب خيال وأحلام البعض في العالمين العربي والإسلامي، فإنها قد تهاوت عند الممارسة، إذ لم تطرح داعش مشروعا نهضويا متكاملا، واصطدمت بالواقع المخالف تماما للحظة التاريخية التي ولدت فيها فكرة الخلافة، كما أن الأفكار القديمة التي طورتها داعش دون أن تتجاوزها قد تصنع جماعة متمردة ولوقت قصير، لكنها لا يمكن أن تقيم أركان دولة متسامحة قابلة للبقاء والحياة.
تفكك تنظيم داعش كدولة لكن تماسكه السرطاني سيظل قائما، فالتنظيم يتعمد عبر استراتيجية إعلامية قائمة على سياسة الصدمات، جذب الانتباه إليه حتى وهو في أضعف حالاته، عبر ما يسمى بـ «الذئاب المنفردة» وهي سياسة تدعو المتعاطفين مع التنظيم إلى الإقدام على تنفيذ هجمات إرهابية ضد ما يرونه مناسباً من الأهداف دون الرجوع للقيادة أو الارتباط بها، وهذه السياسة تعد تهديداً مباشراً لأمن واستقرار سوريا والعراق ومصر والدول الخليجية.
وقد اقتبس داعش ما يسمى بـ «الذئاب المنفردة» من جماعة أنصار الشريعة في اليمن التابعة لتنظيم القاعدة، والتي كانت تطلق على نفسها (الذئاب المنفردة)، لكنه في الوقت الذي كان استهداف الأمريكيين يعد الأولوية القصوى لتنظيم القاعدة، يعتبر تنظيم داعش أن استهداف المخالفين من المسلمين أولويته الأولى.
وللأسف هذه السياسة قد تدخل المنطقة في مرحلة فوضى كبيرة، فهناك العديد من المغرر بهم ممن يقتنعون بما يدعو له تنظيم داعش، وهؤلاء يقومون عادة بعمليات تتم بأسلحة خفيفة لصعوبة تجهيز المتفجرات بشكل فردي، أو بمتفجرات بدائية الصنع والتركيب.
وفي السياق ذاته فإن البنية النسائية والطفولية لتنظيم داعش ما زالت تمرح في سوريا والعراق وتتخفى عبر الاندماج في المناطق السكانية.
فهناك مجموعات من النساء مثل كتيبة الخنساء ومجموعة أم عمارة وأوروبيات داعش، تشربن فكر داعش وتزوجن وأنجبن من قياداتها وأعضائها أطفالا التحقوا بصفوف المقاتلين، وهناك أطفال ترعرعوا في ظل هذا التنظيم وتربوا على دحرجة الرؤوس وشاهدوا آباءهم وهم ينحرون البشر كما تنحر الخراف، وهم لا جنسية لهم منهم الآسيويون والأوروبيون والعرب الذين ليس لديهم أوراق ثبوتية (مزقوا جوازات سفرهم في مشهد علني)، وغالبية العمليات الانتحارية الأخيرة نفذها أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ 16 سنة ومنهم الطفل الشهير أبو عمارة، وهؤلاء قنابل موقوتة سيشكلون عند عودتهم لبلادهم أو بقائهم نواة لتنظيم أشرس وأفظع من داعش. عبر قراءة موضوعية لمستقبل التنظيم فأعتقد أنه سيضعف لكنه لن يموت، إذ إنه من الصعب القضاء عليه بشكل كامل وخاصة أنه بات يعتمد على عمليات فردية نوعية.
كما أن داعش دائما ما يرمي أهدافه على مناطق صحراوية تكون بعيدة عن سيطرة الحكومات المركزية وتكون مفعمة بالصراعات، فهناك حديث الآن عن أن داعش جديدا يولد ويتشكل ولكن.. في ليبيا.