سرديات عن نهاية عصر الهيمنة الأمريكية!

عاطف الغمري –
في كتاب الدبلوماسية الصادر عام 1994، تنبأ مؤلفه هنري كيسنجر، أحد أبرز خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، بأننا على أعتاب عصر جديد تتشارك فيه قوى متعددة، وليس قوه واحدة.
وكان ذلك يعني أفول شمس القرن الأمريكي الذي سيطرت فيه أمريكا وطوال القرن العشرين على مقاليد إدارة الشؤون العالمية.
وبدأ ساسة ومفكرون أمريكيون يتحدثون عن القرن الآسيوي القادم، بالإضافة إلى مؤشرات على تحركات في أوروبا تفكك الاعتماد التقليدي على القيادة الأمريكية.
في هذا السياق كانت تلك الدراسة بالغة الأهمية التي نشرتها مجلة فورين أفيرز، للمفكر المعروف فريد زكريا «التدمير الذاتي لقوة أمريكا»، والتي قال فيها إنه كان يبدو أحيانا في السنتين الماضيتين وفاة الهيمنة الأمريكية، وإن عصر الهيمنة الأمريكية كان قصيرا.
هذا العصر ولد مع انهيار حائط برلين عام 1989 ثم حدث انهيار آخر مع غزو العراق عام 2003، والتحلل البطيء منذ ذلك الحين.
وإذا كانت أسباب خارجية قد دفعت إلى ذلك، فهل كانت واشنطن قد عجلت في سرعة إيقافه، نتيجة سلوك وعادات سيئة؟ وإن هذا السؤال سيكون محل مناقشات للمؤرخين لسنوات قادمة.
فالولايات المتحدة ومن موقع لها غير مسبوق قد أساءت استخدام هيمنتها، وقوتها، وخسرت حلفاء، ودفعت أعداء إلى التجرؤ عليها. والآن وفي عهد دونالد ترامب يبدو أن الولايات المتحدة قد فقدت الاهتمام، بل والثقة والمبادئ والأهداف التي تعطى الحيوية والنشاط لتواجدها العالمي على مدى ثلاثة أرباع القرن.
لقد اتسعت الهيمنة الأمريكية في مطلع تسعينات القرن الماضي، لكن أحدا لم يلتفت في أواخر التسعينات للأسباب التي تقوضها، بالرغم من أن قيادات أمريكية راحت تتحدث عن أمريكا التي لا غنى عنها، وإنها القوة العظمى الوحيدة. لكن الصين كانت في صعود لتصبح قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة. وكذلك روسيا التي خرجت من ظروف ضعفها في أوائل التسعينات بحيث صارت هناك قوتان كبيرتان تنشطان في النظام الدولي، خارج المنظومة التي أسستها الولايات المتحدة، وبذلك دخل العالم مرحلة ما بعد العصر الأمريكي.
يتحدث فريد زكريا عن أحد أسباب السلوك السيئ للهيمنة الأمريكية، الذي ارتد إليها بالخسائر، ويقول إن أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، شعرت بأنها تواجه خطرا جسيما، يحتاج منها أن تفعل أي شيء للدفاع عن نفسها، بما في ذلك غزو العراق، إلى إنفاق أموال طائلة على الأمن الداخلي، وكذلك ارتكاب أعمال تعذيب، وبمجرد أن دخلت قواتها بغداد فإنها قررت تدمير الدولة العراقية، وتسريح الجيش، وتطهير الجهاز البيروقراطي للدولة، وهو ما أنتج الفوضى، وساعد على إشعال التمرد ضد الدولة، وكل هذه العوامل أثبتت أن حرب العراق كانت فشلا مكلفا.
وطوال العامين الأولين من حكم جورج بوش فإنه انسحب من أكثر من اتفاق دولي، بما يزيد عما فعلته أي إدارة سابقة له، ومما لا شك فيه أن دونالد ترامب قد تجاوزه في ذلك بكثير. وبينما كان يجرى تآكل الهيمنة الأمريكية، كانت تصعد تحديات جديدة، أو مغالاة في السلوك الإمبريالي.
وفي دراسته المتعمقة يستخدم فريد زكريا تعبير الهيمنة الجوفاء، وأن إدارة ترامب قد أفرغت سياسة أمريكا الخارجية بأكثر مما حدث لها، وأن ترامب قليل الاهتمام بالعالم باستثناء ما يعتقده هو بأن معظم الدول لا نفع منها للولايات المتحدة، ارتباطا بتصميمه على عقيدته عن أمريكا أولا.
ويقول: في الحقيقة فإن الولايات المتحدة لا تزال هي أقوى دولة في العالم وستظل تتمتع بنفوذ كبير عن أي دولة أخرى، لكنها لن تستطيع بعد الآن أن تحدد مسار النظام الدولي أو السيطرة عليه، بالطريقة التي أتيحت لها طوال ثلاثة عقود مضت.
والسؤال الآن هو ما إذا كانت القوة الأمريكية تنحسر، وأن النظام الدولي يضمن بقاء القيم، والقواعد، والنظم التي سبق أن أوجدتها أمريكا، أم أن أمريكا سوف تشهد انحسار إمبراطورية أفكارها؟
لعل هذه الرؤية للمفكر السياسي الأمريكي المرموق فريد زكريا، قد جاءت في أعقاب نشاط تيار من المناقشات في مراكز الفكر السياسي في الولايات المتحدة، عن صعود دول أخرى مهيأة في ظروف نظام دولي جديد لتأخذ المكان المتاح لها على قمة النظام الجديد، وبينما تكون أمريكا في طريقها للنزول عن عرش القوة العظمى المهيمنة.
وبينما كان هناك تيار معارض لهذه الرؤية في الولايات المتحدة، استنادا إلى اعتقاد أصحابه بأن أمريكا تملك قدرة على تجديد مصادر قوتها، لكن فكرة هبوط القوة العظمى لم تكن قد فارقت عقول تيارات بعينها داخل المجتمع الأمريكي، وكان أشد ما يؤرقهم أن يأتي يوم يشهد نهاية القرن الأمريكي.
ولما كانت قوة الولايات المتحدة، وتسيدها على إدارة العالم، هي نتيجة وجود حلفاء لها في أوروبا، وأصدقاء في مناطق أخرى في العالم، ساعدوا بالفعل على التمكين لها، والتسليم لها بالقيادة العالمية فإن السياسة التي يسير عليها ترامب الآن، في مخالفة لهذه الحقيقة الراسخة، تنذر بتعجيل اللحظة التي ينتهي فيها العصر الأمريكي في العالم.