جلسات الاستماع ومصير ترامب

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

بدأ سيناريو تحقيقات مجلس النواب الأمريكي والذي قد يؤدي الى عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب مكالمة هاتفية مع الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي اعتبرت خرقا للقانون الأمريكي واستغلال منصب الرئاسة لتحقيق مآرب سياسية ضد المرشح الديمقراطي المحتمل جو بايد، وذلك من خلال جلسات الاستماع العلنية والتي تبدأ اليوم مما يجعل مسألة التحقيقات تأخذ اتجاهات مثيرة يستعيد من خلالها الرأي العام الامريكي حوادث مشابهة كان آخرها للرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون في عقد التسعينات من القرن الماضي.

ويقع الرئيس ترامب تحت ضغوط كبيرة وهو يدخل نهاية مرحلته الرئاسية الاولى ويطمح لفترة اخرى خلال الانتخابات القادمة العام القادم، حيث ان مجلس النواب الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي ليس هو المعضلة الوحيدة بل هناك عدد من الأعضاء في الحزب الجمهوري تحدثوا عن ضرورة تقييم التحقيقات ونتائجها عند عرضها على مجلس الشيوخ من خلال قرار مجلس النواب.
كما يقع الرئيس ترامب تحت ضغط الآلة الإعلامية الأمريكية القوية وخاصة الصحف الكبرى ذات التأثير والنفوذ القوي في واشنطن ونيويورك وهما الصحيفتان الأشهر في الولايات المتحدة والعالم واشنطن بوست ونيويورك تايمز علاوة على القنوات الإخبارية وفي مقدمتها سي ان ان خاصة وأن الرئيس ترامب له علاقة سلبية مع وسائل الإعلام الأمريكية وكان آخرها فوكس نيوز والتي كانت القناة الأكثر تعاطفا مع مواقفه السياسية.

الأهداف المزدوجة

برغم الجو السياسي المحموم في واشنطن حول جلسات الاستماع واستدعاء عدد من الشهود من البيت الأبيض ووزارة الخارجية وعدد من اجهزة الاستخبارات مع وجود الضغط الإعلامي ضد الرئيس ترامب إلا أن تلك الحملة الديمقراطية قد لا تسفر في نهاية المطاف عن عزل الرئيس حتى مع افتراض إدانته في مجلس النواب، حيث إن مجلس الشيوخ ذا الأغلبية الجمهورية قد لا يصادق على العزل وذلك لأسباب حزبية خاصة مع دخول الأجواء الانتخابية.
وقد يتكرر المشهد الذي واجهه الرئيس الاسبق كلينتون وهو الاكتفاء بتوجيه اللوم بدلا من العزل من خلال وقوف الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ مع الرئيس، ومن هنا فان الأهداف غير المعلنة تجسد استمرار الهجمة الديمقراطية على الرئيس ترامب حيث إن اشغال ترامب بتلك القضايا جاء بداية من تحقيقات مولر حول امكانية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016 مرورا بالانتقادات حول سياسة ترامب حول المهاجرين وبناء الجدار العازل على الحدود مع المكسيك إلى معالجته لعدد من القضايا الخارجية خاصة انسحابه من الاتفاق النووي مع ايران.
وفي ظل المشكلات التي يواجهها البيت الابيض فإن هناك هدفا اساسيا للديمقراطيين وهو وصول الرئيس ترامب خلال الأشهر القادمة ومع قرب الحملات الانتخابية وهو في وضع سياسي سيئ علاوة على تلاشي شعبيته حتى داخل كتلته الانتخابية.
ومع ذلك فإن هناك تحليلا آخر يقول بان عجز الديمقراطيين عن اثبات اي تهم ضد الرئيس ترامب كما حدث في تقرير روبرت مولر بشكل صريح قد ينعكس على مستقبل المرشح الديمقراطي جو بايدن وهو أمر قد يطيح بآمال الديمقراطيين باستعادة المكتب البيضاوي في واشنطن.
اذن هناك أهداف مزدوجة غير معلنة من خلال اللعبة السياسية العميقة في واشنطن وسوف يكون للميكنة الإعلامية القوية اثر كبير على مسار الجلسات العامة العلنية والتي قد تسفر عن معلومات حساسة تضر بوضع الرئيس ترامب وتؤدي إلى تغيير في المزاج الشعبي، وقد يضطر ترامب الى تقديم استقالته تحت ضغط حزبه الجمهوري وتحت ضغط الرأي العام والآلة الإعلامية.
وهذا الافتراض قد يحدث إذا اسفرت أقوال الشهود والمعلومات السرية غير المسربة إلى إدانة واضحة لسلوك الرئيس ترامب وهو نفس المشهد الذي واجهه الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون خلال احداث فضيحة ووترجيت في عقد السبعينات من القرن الماضي ومن هنا فان كل الاحتمالات واردة في ظل تقلبات السياسة الأمريكية منذ وصول الرئيس ترامب الى السلطة.

هل يحدث العزل؟

موضوع العزل يعتمد على خطوتين أساسيتين استنادا إلى مواد صريحة في الدستور الأمريكي وتلك الخطوتان تتم من خلال المجلسين في الكونجرس وهما مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية ومجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية، وفي حال ثبوت الأدلة القاطعة ضد الرئيس ترامب يكون قرار الإدانة والتي تعني التوصية بالعزل من خلال الانتقال إلى الغرفة العليا للكونجرس، وهي هنا مجلس الشيوخ، وإذا تمت المصادقة على الإدانة يعزل الرئيس من منصبه ليحل محله نائب الرئيس. وفي تاريخ الولايات المتحدة واجه الرئيس اندرو جونسون عام 1868 إجراءات العزل وكذلك الرئيس الاسبق بيل كلينتون عام 1998 وفي الحالتين حرك مجلس النواب الإجراءات لكن مجلس الشيوخ خلص الى البراءة لكلا الرئيسين.
اما في حالة الرئيس الأسبق نيكسون عام 1974 فقد استقال من منصبه بعد ان أدرك ان مجلس النواب سوف يحرك اجراءات العزل وانه مجلس الشيوخ سوف يطيح به وعلى ضوء تلك الأحداث فان الرئيس ترامب قد ينجو من الإدانة في مجلس الشيوخ لأسباب حزبية وانتخابية.
وحتى مع فرضية استبعاد عزل ترامب من مجلس الشيوخ فإن الجلسات العلنية التي تبدا اليوم والتغطية الإعلامية الواسعة والتعليقات السياسية والاجواء المشحونة في واشنطن، قد تجعل ترامب في وضع ضعيف انتخابيا وقد يضطر الحزب الجمهوري الى استبعاده من الترشيحات اذا شعر بأن حظوظه في الفوز لفترة رئاسية ثانية يلفها الشك والغموض، علاوة على متابعة قياسات الرأي العام من المراكز البحثية والتي سجلت مؤخرا تدنيا كبيرا لشعبية الرئيس ترامب حتى من داخل كتلته الانتخابية من البيض من الطبقة المتوسطة وفي الأرياف الأمريكية واللوبي اليهودي المتمثل في منظمة الايباك ذات النفوذ القوي في الولايات المتحدة وعلى ضوء التحقيقات فان المسألة سوف تأخذ عدة شهورا قد تتجاوز ستة أشهر وخلال تلك الفترة الزمنية سوف تتواصل المعركة السياسية المثيرة وخاصة لوسائل الإعلام الأمريكية والتي سوف تنخرط في هذا المشهد الاقرب الى الدراما السياسية بشكل كبير.
كما أن الكتاب الذي قام بتأليفه شخص مجهول كان في الإدارة الأمريكية حول الرئيس ترامب سوف يثير المزيد من المتاعب وهذا الكتاب يحمل عنوان التحذير وبالذات بعض الصحف في عرض بعض مقتطفاته.
اذن الإثارة السياسية والإعلامية هي العنوان الكبير للمشهد الأمريكي خلال الفترة القادمة خاصة وان رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي مصممة على خوض تلك المعركة والتي وصفها ترامب بأنها اكبر مطاردة لرئيس امريكي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الإطاحة بالرئيس

يبدو أن هناك قناعات ليس فقط داخل الحزب الديموقراطي ولكن في الاوساط السياسية المستقلة بأن الرئيس ترامب دخل في مشكلات خلال سنواته الثلاث في البيت الابيض مع مستشاريه حيث استقال عدد منهم وكذلك وزير الخارجية تيلرسون والذي أقاله ترامب على ضوء تداعيات الازمه الخليجية.
ومن خلال جلسات الاستماع وإجراءات العزل التي ستجرى في مجلس النواب فإن هناك خصوما لترامب يودون الإطاحة به خاصة بعد سلسلة من القرارات أهمها قرار الانسحاب العسكري الجزئي من سوريا والمعارضة الشديدة التي يقودها عدد من اعضاء الحزب الجمهوري منهم ميت رومني وليندسي جراهام والذين اعتبروا قرار ترامب خيانة للأكراد او قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا. وعلى ضوء تلك التطورات فان وضع الرئيس ترامب داخليا أصبح اكثر تعقيدا، كما أن عددا من الملفات الخارجية لم يحقق فيها أي تقدم بدءا من ملف كوريا الشمالية النووي مرورا بالحرب في أفغانستان وانتهاء بغموض صفقة القرن والتي يبدو انها في طريقها للفشل، كما أن حروبه التجارية مع الصين ودول الاتحاد الاوروبي وروسيا قد أدخلت السياسة الأمريكية في مشكلات معقدة، علاوة على أن التوتر في المنطقة والمواجهة مع ايران لم تسفر عن شيء خاصة العقوبات الاقتصادية ضد طهران، ومن هنا فان ما يواجه الرئيس ترامب داخليا وخارجيا قد يضفي على المشهد السياسي الامريكي مزيجا من الترقب والتعقيد.
ومن خلال جلسات الاستماع والتي سوف تمتد إلى أسابيع وشهور فان الساحة الأمريكية مرشحة لمزيد من الإثارة تكرارا لما حدث مع جونسون ونيكسون وكلينتون بصرف النظر عن الإدانة من عدمها ليواجه الرئيس ترامب أصعب موقف يواجهه منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2016.