نوافذ : «داو الهموم بقهوة صفراء»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

مع صباحات اليوم ومساءاته تحضر القوة مجالسنا، نحتضنها وجدا «حنو المرضعات على الفطيم» يضنينا الجهد بحثا عن أنواعها، وأشكالها، وأماكن إنتاجها، نختار لها أحسن «الدلال» وأناقتها، لتكون المبنى والمعنى، نتفاخر بها أمام ضيوفنا، لنسقط من خلال كرمنا لهم، وأمزجتنا، ومستوى أذواقنا، نعرف أن الضيف ليس جائعا، ومع ذلك نغالي في تبجيل القهوة، وفي إعدادها، ونبذل في ذلك الحرص، والمعاناة، والتوصيات الخاصة لمن ينوب عنا في صناعتها من أهل بيتنا، ومع أننا نحيط المائدة بالكثير من الفاكهة، والمأكولات سكرها وملحها، ولكن مع ذلك يبقى الذهن مشغولا بها، وبذائقتها، والخوف كل الخوف ألا يستطيبها الزائر؛ إما أنها مبالغ في قليها، فتكون إلى السواد أقرب، أو التقصير في قليها فتكون إلى الاصفرار أقرب، إنها موازنة، والتفريط في أي جهة كانت مسألة محرجة إلى حد كبير.
«وقهوة كوكبها يزهر؛ يسطع منها المسك والعنبر
وردية يحثها شادن؛ كأنها من خده تعصر» كما قال عنها أبو تمام.
ولا تستطيب الراحة والهدوء والسكينة إلا بوجود «دلة القهوة» على أحد جنباتنا؛ يمنة ويسرة؛ عندما تستظلنا ظلال النخيل ما بين السواقي الممتدة، وتحت ظلال الأشجار، وبين تخوم الأودية، وعلى سفوح الجبال في رحلات لم تتوقف، وفي وجود للقهوة غير منته، وفي بحث عن أصالتها غير متوقف.
«يا خاطب القهوة الصهباء يا مهرها؛ بالرطل يأخذ منها ملأه ذهبا
قصرت بالراح، فاحذر أن تسمعها؛ فيحلف الكرم ألا يحمل العنب»
كما تغزل فيها أبو نواس.
وعند العودة من مشاق كثيرة: السفر، العمل، الزيارة، السوق، المكتب، المزرعة، البحر، وقبل الانطلاق بعيدا، وقبل الخلود إلى النوم؛ أحيانا؛ وبلفيف الأصدقاء، تكون القهوة حاضرة، وتكفي رشفتها «السُكْر» لتهدئة النفس، وسكون الضمير، وارتياح القلب، والبدء من جديد في مراجعة ما كان مشوشا قبلها.
«داو الهموم بقهوة صفراء؛ وامزج بنار الراح نور الماء
ما غركم منها تقادم عهدها؛ في الدن غير حشاشة صفراء»
كما تجلت عند ابن المعتز.
تظهر بعض التقارير: «إن العالم يستهلك يوميا أكثر من ملياري فنجان من القهوة، ذاك المشروب الذي لاقى رواجا كبيرا في مختلف أنحاء العالم وأصبح محركا لعجلة الاقتصاد في بعض الدول، ويعد واحدا من أكثر السلع تداولا في العالم. ولا يكاد البعض يتصور الحياة من دون القهوة. وبعد أن استهوى سحرها أفئدة سكان بعض الدول المعروفة بعشقها للشاي، كالصين، قد تصبح القهوة مشروب العالم المفضل بلا منازع، وقد تعود جذور هذه النظرة إلى القهوة كوسيلة لجمع الناس معا، إلى الطرق الصوفية في الشرق الأوسط، حين كانت القهوة حاضرة في الكثير من طقوسهم وشعائرهم، ويعتمد أكثر من 120 مليون عامل وأسرهم حول العالم على زراعة وإنتاج البن كمصدر دخل أساسي» – تقرير لـ (بي بي سي عربي) .
ما عهدناه من آبائنا، ومن كبار السن أن الاعتناء بالقهوة كمشروب يفوق الاهتمام بها كثير من المأكولات الأخرى، حتى أنهم خصصوا لها أباريق خاصة، ودلال خاصة، وأوقات أكثر اتساعا في إعدادها، وظلت حتى عهد متأخر المشروب الوحيد الذي لا ينازعه مشروب في موائد الضيوف، كما عد مذاق القهوة، انعكاسا لحرفنة الصانع، أكان الصانع رجلا، أو امرأة، وعهد أنه في كل قرية هناك رجل ما مشهور بصناعة «قهوة» وكان الناس يحرصون على زيارته؛ فقط لكي يشربوا من عنده القهوة.
وقد اشتهر الـ «بن العربي» «أرابيكا» ومنه أيضا السيلاني بدرجاته المختلفة، ومنه المسمى محليا «العديني» ولعله سبب هذه التسمية أن مصدره مدينة عدن في اليمن، واليوم بدأت تنتشر المحلات الحديثة بأسماء غربية كثيرة، لا تقدم فيها إلا القهوة بمذاقاتها المختلفة، وتلقى الترحيب الكبير من قبل فئة الشباب على وجه الخصوص، ولذلك ستظل القهوة المشروب الذي لا تغفل عنه العيون، ولا تهدأ بدونه القلوب، ولا تستكين عن وجوده النفوس.