بين 10 أعوام وأمنية !

تونس المحروقية
@hlaa202020

أكملت عشرة أعوام منذ أن تخرجت في الجامعة وبدأت عملها في ذات التخصص الذي درسته وشغفت به تعلقا في مرحلة باكرة جدا من حياتها ،هي تحب عملها حسبما تحدث كل من يلتقيها ويتعامل معها بقولها مراراً وتكراراً : لا أعرف ماذا كان يمكن أن أكون لو لم اختر هذا التخصص، يظن بذلك من يسمعها أنها ستواصل العمل فيه حتى لحظات عمرها الأخيرة، لكنها تستوقفك لتخبرك أنها تحب عائلتها الصغيرة أكثر من ذلك العمل، تلك العائلة التي كونتها مع زوجها المحب الذي لا يتوقف عن مطالبتها بالتفرغ لمتطلبات المنزل من رعاية لأطفالها الثلاثة الذي منهم من تغرقه الواجبات المدرسية ، فلا تجد وقتا لإنهائها معه فتصلها يومياً ملاحظات تنبهها لذلك التقصير من بعض معلماته في المدرسة ، وطفلها الثاني الذي يعاني من عدم انتظام نومه فيصحو بمعدل قد يقترب من مرة كل ساعتين ليبكي طويلاً حتى ينام ودموعه تغرق وجهه، هي لا تعرف سبباً لذلك ، لكن حالته تلك تجعلها في وضع صحو شبه مستمر طوال الليل، وطفلها الثالث الذي مازال لم يكمل أعوامه الثلاثة ويتمسك بأطراف ملابسها كلما جاءت لتخرج للعمل كأنها لن تعود أبداً فيشعرها بتأنيب ضمير لكونها تتركه وهو يحتاج وجودها في تلك اللحظة ، تغرقها كل تلك المسؤوليات فتستعرضها لجاراتها خلال لقاءاتهن الدورية بقولها : لماذا لا يتم منح الموظفة الأم فرصة أن تتقاعد بعد إتمامها العام العاشر في الوظيفة ، أو العام الخامس عشر أو حتى تشتري تلك المدد الزمنية المتبقية ؟ أليس دور المرأة في المنزل مهم أيضاً ؟ ألسنا مطالبات بتأهيل هذا النشء الذي لا ينبغي أن يترك في عهدة العاملات المنزليات فترة غيابنا عن المنزل للعمل ، تكرر ذلك الموضوع كثيرا ، تسمعها الجارات غير العاملات بإنصات ثم لا يرددن أكثر من دعاء : «عسى يارب »!
هناك العديد من الموظفات ممن يطالبن باستحياء وأحيانا بصوت مسموع واثق بتقليل سنوات الخدمة للنساء عن طريق فتح باب إمكانية التقاعد المبكر جدا للموظفات الأمهات على اعتبار أنهن يقمن بدور آخر في المجتمع يتلخص في تربية النشء والذي يتطلب منهن جهدا كبيرا قد لايستطعن إكماله بالشكل المثالي مع أعباء الوظيفة، هناك أصوات أخرى ترد على تلك المطالب بدعوتهن للاستقالة والتفرغ لأسرهن إن كن لا يستطعن الموازنة بين متطلبات المهمتين، ليرددن بكل ثقة: الوظيفة هي سلاح للمرأة تواجه به تقلبات الزمن وتؤمن به على نفسها ، لذا من غير السهل عليها التفريط به من أجل أي شيء آخر حتى لو كان ذلك عائلتها التي تأنس بقربها، ثم يدعمن حقهن في ذلك بذكر أن بعض الدول المتقدمة فتحت باب التقاعد المبكر جداً للمرأة، تلك الدول التي لا يقمن بتسميتها، هن فقط يخبرنك أن هناك دولا تمنح للمرأة تلك الحقوق مع أنك فعلياً لا تعرف ماهية تلك الدول حتى وأنت تبحث عنها في محركات البحث الإلكترونية! يأتي صوت آخر معارض ليقول: إن الحياة لا تمنح كل البهجة في نفس الوقت ،وأنه لابد من الاختيار ومن التنازل أحياناً عن شيء من أجل الاستمتاع بمكاسب الشيء المتنازل لصالحه ، وأن مطلب التقاعد بعد عشرة أعوام أو 20 عاما غير واقعي ولا منطقي ، وأنه يرهق ميزانية صناديق التقاعد، وأن هنالك نماذج كثيرة لنساء عاملات ولديهن أسر قد عملن حتى وصولهن سن التقاعد الحقيقي وليس المبكر المتاح حاليا، تتعدد الآراء وتتقاذف الفئتان الحجج لدعم موقف كل منهما وبين هذه الأصوات وتلك ، تظل هناك قلوب تدعو في كل مرة يأتي فيه يوم المرأة بصدور قرارات جذرية في قوانين عمل المرأة تمكنها من العمل بطريقة تراعي دورها الهام جدا في الأسرة حتى لا تضطر أن تتمنى في داخلها أن تعمل لعشرة أعوام أو 15 عاما ثم التمتع باستراحة محارب طويلة جدا جداً !