استراتيجيات واكتساب خبرات

في أي مشروع وطني ومستقبلي، وفي أي مسار من مسارات التنمية الحديثة فإن المشاركين في المشروع المعين يخرجون في نهاية المطاف بجملة من الخبرات التي تساهم في بناء المستقبل الأفضل باتجاه بناء الكوادر الوطنية المؤهلة في الحقل المحدد.
لهذا فإن المشاركة الجماعية في الإدلاء بالرأي وصياغة الخطط لها دورها في تأهيل الأجيال الصاعدة لتكون شريكاً في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويعمل ذلك أيضا على بناء هذه الأجيال لتصبح قادرة على إدارة وتحريك دفة القطاعات المتعددة في المستقبل في أي خبرات كانت.
نتحدث هنا عن القطاعات الخدمية والإنتاجية وغيرها، الحكومية كانت أم الخاصة، كما يمكن أن نشير كذلك إلى القطاع المدني والمنظمات الأهلية والمجتمعية التي تشكل أيضا بوابة مناسبة للخبرة والولوج إلى العمل الجماعي والمساهمة في تشكيل الفكر الجمعي والرأي الصائب للفرد من خلال الحوار البنّاء الذي يديره الأفراد المشاركون في العمل المعين.
إن بناء الأوطان يقوم على المشاركة الجماعية أو التشاركية التي تعني أن يكون لكل فرد حق الرأي وأن يسمع للرأي الآخر، ومن خلال هذا التلاقح الثري في الأفكار يمكن قيادة الطريق إلى المستقبل على نحو أفضل، بالاستفادة من التراث والموروث من التجارب والخبرات والعمل على مزج ذلك بالحاجة إلى صياغة عصرية وجديدة، وهذا مهم في كل مرحلة من مراحل التطوير والتحديث في أي مجتمع من المجتمعات لأن النهضة في نهاية الأمر هي عمل مستمر ومسيرة لا تتوقف دافعها الأساسي والكبير هو النظر القائم على رؤية المساحات الأبعد والأوسع والأرحب على المدى البعيد.
يعني كل ذلك أن الاستراتيجيات والخطط والبرامج المستقبلية، كل ذلك يقود إلى تكييف الإنسان لكي يكون فاعلاً إذا ما شارك في هذه المشاريع الوطنية وأدلى برأيه في أي قطاع معين وهو يفيد ويستفيد، بحيث يكون لدينا في النهاية تصورات واضحة من خلال المشاركة الكلية، كما حدث في استراتيجية التنمية العمرانية أو الرؤية المستقبلية «عمان 2040» التي قامت على الأخذ بالرأي الجماعي والسماع لجميع الأصوات حتى يكون ممكناً بلورة طريق واضح باتجاه ما هو أفضل وممكن من التطلعات التي تعبر عن الرؤية الكلية والشاملة والمستدامة.
وإذا كان معروفاً ومن خلال القيم التقليدية والمتوارثة أن القوة في الجماعة وفي اليد الكلية التي تعمل في تعاضد فإن ذلك ينطبق على أي مشروع أو برنامج أو أنشطة يهدف من خلالها إلى تلمس الآفاق الجديدة والمستقبلية. فالرهان دائما يظل على القوى الجمعية وعلى محصلة الآراء التشاركية التي تعني نسيجاً من الرأي المتشابك والقوي الذي يخدم في رؤية الغد المثمر، وحيث قوة الأفكار دائما في المجموع لا الرأي الأحادي، وهذا ما علمتنا له التجارب الإنسانية في مسار الحضارة البشرية عبر الحقب.
ويبقى التأكيد المستمر على أن لهذا الوطن منهاجه الراسخ الذي أسست له القيادة وهو نهج قائم على التوازن والأصالة ومسايرة العصر والإيمان بأن المشاركة هي الطريق لرسم الحياة المستقبلية.