داعش .. النهاية أم بداية مغايرة؟

إميل أمين –

إلى أين يمضي تنظيم داعش على مستوى الشرق الأوسط والعالم بعد اغتيال زعيمه أبوبكر البغداي مؤخرا على يد القوات الأمريكية؟
في الواقع لقد بات هذا هو السؤال الملح ، وكأني به رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر لعلامة استفهام مشابهة طرحت منذ بضعة أعوام عندما تم اغتيال زعيم تنظيم القاعدة في باكستان اسامة بن لادن، ما يجعل البعض الآخر يسعى للمقاربة او القياس بين الحالين .

والشاهد انه بعد اغتيال اسامة بن لادن في مايو من عام 2011 اي منذ أكثر من ثماني سنوات، فإن تنظيم القاعدة لا يزال نشطا، بل ويكاد يكتسب أرضا جديدة وكذا اعضاء وداعمين جددا، الأمر الذي يلقي بظلال مخيفة على واقع حال داعش.

في هذا الاطار فإن هناك جزئية بعينها يتوجب الاشارة اليها، وهي أن الإرهاب والعمل الإرهابي، وكذا الحواضن الارهابية، لم تعد في حقيقة الامر في حاجة الى شبكات عنقودية تقليدية يمكن ان تصدر منها الاوامر المتسلسلة كما هو الحال في الجيوش التنظيمية التقليدية، بل باتت الجماعات الإرهابية تعيث فسادا في الفضاء الرقمي غير المحدود، وحيث لا حسيب او رقيب يمكن ان يحد من نشاط من يمتلك هاتفا ذكيا، او يقبع وراء جهاز حاسوب متقدم.
لقد بات الإرهاب أفكارا تسافر مع الرياح، ومن هنا يمكن للمرء ان يتساءل عن مخاطر داعش ما بعد البغدادي، لا ان يبحث في ان كان التنظيم قد انتهى امره ام لا.
يعن لنا ان نتساءل في بداية هذه السطور هل إعادة داعش لإنتاج نفسه أمر يرتبط بالبغدادي نفسه أم بالسياقات التي تولد فيها التنظيمات الإرهابية؟
يمكن القطع بأن الجواب يأخذنا بعيدا إلى أحاجي العلاقة ما بين السياسة من جانب، واللعب على وتيرة الأديان وتسخير المنطلقات الدينية لخدمة الأغراض السياسية من جانب آخر.
والشاهد انه ومن دون تطويل ممل، يمكن القطع بأن القرن العشرين تحديدا ، وبعد أن تخلصت البشرية من آفات توتاليتارية من نوعية النازية والفاشية، طفت على السطح ايديولوجيات سياسية كالشيوعية، استدعت من قبل البعض بعض الأحابيل في طرق مواجهتها، ومن هنا سلكت واشنطن مسلكا مثيرا إذ عقدت الكثير من الاتفاقيات العلنية والسرية مع مجموعات دينية إسلامية، بهدف وقف الزحف الشيوعي حول العالم.
هل كانت الإرادة الأمريكية سيئة بالمطلق أو تسعى إلى أن تهدد أمن وأمان العالم عبر الإرهاب المستقبلي الذي لم يكن أحد يتوقعه أو يتحسب له؟
بالقطع لم يكن ذلك في الحسبان، وقد كانت النوايا الأمريكية واضحة جدا وتتلخص في أهداف محددة وفي المقدمة منها قطع الطريق على الاتحاد السوفيتي ومنعه من الوصول الى المياه الدافئة لا سيما في منطقة الخليج العربي، حيث أكبر احتياطي نفطي عالمي، وكذا منع تسرب تيار الشيوعية سواء السياسي او الديني إلى داخل العالم الإسلامي.
والمؤكد أنه عبر خمسة أو أربعة عقود تقريبا اي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتسارع وتصارع العالم حول الشرق الاوسط، وظهور معسكرين جديدين حول العالم، الناتو ووارسو، جرت مياه كثيرة في بحار التيارات الأصولية، ما جعلها تنمو ويشتد عودها، بل تتجذر في التربة الشرق أوسطية بنوع خاص.

على ان لحظة بعينها هي التي فتحت صندوق البندورة المليء بالشرور على عالمنا المعاصر منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي ، وتمثلت تلك اللحظة في الغزو السوفيتي لأفغانستان، ذاك الذي رأى الجانب الأمريكي بقيادة وتفكير مستشار الأمن القومي زيجينو بريجنسكي، في حكومة الرئيس الديمقراطي «جيمي كارتر» أن أفضل الحلول لمواجهته هو استجلاب الشباب العربي المسلم، ذاك المدفوع بحمية العقيدة، والقاؤه في اتون المعركة مع السوفيت ليكون وقودها حال توافر له السلاح والتدريب، الأمر الذي برعت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية في اعداده وتوفيره، بل اكثر من ذلك فإن تلفزة العالم المرئية لا تزال تحتفظ بصور استقبال الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض لمقاتلي طالبان، وقد كتب شريط الأخبار اسفل الصورة «ريجان يستقبل المقاتلين الأحرار».
فات الساحر أن السحر يمكن أن يرتد عليه، وهذا ما جرت به المقادير بالفعل بعد الانسحاب السوفيتي من افغانستان، اذ وجد العالم نفسه في مواجهة تنظيم تخلق في رحم أفغانستان، وولد في جبال تورا بورا، وتدرب على الموت وسفك الدماء في ضواحي قندهار، وبلغ به الموت حده الأقصى في نيويورك وواشنطن عام 2001.
كانت القاعدة قد أضحت أداة وشعار الإرهاب في العالم، ولم يدرك العم سام أن الأفكار لا يمكن القضاء عليها حتى بائعي الأسلحة الأمريكية وأحدثها، ولم تصلح الحرب الأمريكية على أفغانستان في القضاء على توالد الإرهاب هناك .
تحول الإرهاب إذن إلى فكرة، وفكرة قاتلة، ولهذا فقد كان مهيأ له أن يجد دعما لوجستيا من حواضن فاعلة وناجزة أخرى حول العالم، فقط كانت عناصر الإرهاب الجديدة تنتظر حادثة او كارثة ، تقدم لها إفرازا أيديولوجيا او دوجمائيا يمكن البناء التراكمي عليه ، ومن ثم الانطلاق في آفاق اكثر سوءا وأشد ضراوة .
كانت اللحظة الحزينة هي مارس 2003 عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق ، وهناك كان لتنظيم القاعدة في العراق وبلاد الشام أن ينتج تنظيما اشد مرارة من سابقه ، كانت هي لحظة داعش ، وفكر دولة الخلافة الذي استشرى حول العالم ولم يعد قاصرا على منطقة الشرق الأوسط ، بل أصبح له مريدون وأتباع وأشياع ، يمضون خلفه من وراء وسائط التواصل الاجتماعي التي جعلت العالم أصغر من القرية الكونية التي تكلم عنها عالم الاجتماع السياسي الكندي « ماكلوهان »، في ستينيات القرن الماضي.

من هذا التاصيل الفكري يمكن للقارئ أن يجزم بان غياب القائد لن يكون أبدا معضلة في طريق إكمال مسيرة اي تنظيم إرهابي، إذ إن القائمين عليه حكما قد رتبوا أوراقهم لمواجهة مثلما هكذا تطور، وقد رأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن بعد بضعة أيام عن اغتيال البغدادي ، أن بلاده قد اغتالت خليفته، وقد حامت الشبهات وقتها حول احد ضباط عصر صدام حسين والمسمى عبد الله قرداش، غير ان تقارير أمنية قالت إن الرجل تم اغتياله من قبل .

تاليا ظهر اختيار التنظيم للخليفة الجديد المسمى « ابراهيم الهاشمي القرشي»، وجرت المبايعة له ، ما يعني أن الجماعة الإرهابية الأكثر دموية لن تعدم طريقا او وسيلة من اجل المضي قدما في طريق اكمال المسيرة غير المحمودة ، سيما وان هناك مددا بشريا وقياديا يؤمن بما كان يؤمن به البغدادي، وينتوي أن يضيف ويراكم تجارب دموية ربما أسوأ مرارا مما فعله الخليفة المزعوم المغتال حديثا.

كيف يمكن لتنظيم داعش ان يجدد نشاطه بعد اغتيال زعيمه الكاريزماتي السابق ، مع الأخذ في عين الاعتبار أن البغدادي قد ظهر في صور عديدة مع السيناتور الأمريكي الجمهوري الراحل النافذ «جون ماكين» أكثر من مرة ؟

افضل من قدم جواب للسؤال السابق « كاثرين باور» و«ماثيو ليفيت»، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى ، عبر ورقة بحثية تجعل القارئ يشك في ان نهاية داعش قريبة ، ذلك انه ومنذ ان خسر آخر معاقله في « باغوز» السورية « في اواخر مارس 2019 ، فإن التنظيم نفذ مئات عمليات في العراق وسوريا، والى جانب ذلك فان ما يعرف باسم ولاياته في خارج العراق وسوريا ، لا سيما في منطقة وسط افريقيا تتمدد ، وقد رأينا عمليات في جمهورية الكونغو الديموقراطية وموزمبيق تجسيدا لزحفها المتواصل نحو مناطق جديدة .

والشاهد انه على صعيد العمليات الميدانية فان أحدا لا يتوقع لها ان تختفي، وهناك سابق خبرة لداعش في هذا السياق ، فعلى سبيل المثال ورغم قيام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في الأعوام ما بين 2007 و 2009 بزيادة عديد الجنود الأمريكيين على الأرض في العراق، فان ذلك لم يردع الدواعش عن تكثيف عملياتهم الهجومية، وفي العام 2016 أشار المتحدث السابق باسم التنظيم ابو محمد العدناني إلى أن خسارة الموصل وسرت والرقة لن تشكل هزيمة حقيقية، فالهزيمة الإقليمية بالنسبة لـ « تنظيم داعش » هي مجرد اختبار من الله ، وبالفعل ادعى تنظيم «داعش» تنفيذه اكثر من 600 هجوم في سوريا منذ نهاية مارس .

ما الجزئية المثيرة التي ينبغي التنبه إليها ونحن نحاول أن نستشرف واقع ومآل الدواعش؟

من جديد تقدم لنا الفلسفة الإجابات الشافية الوافية التي تعجز عنها الجيوش الجرارة ولا تفك شفرتها الايديولوجيات والنظريات السياسية ، ذلك ان داعش هي فكر عقائدي ، أي أنها جماعة تؤمن بمطلقية الأشياء والأفكار، وليس هذا فحسب بل ايضا ترى انها المخولة باسم الله إقامة العدل على الأرض ، ومن قدر له ان يطلع على مجلتها التي عرفت باسم «دابق» يوقن بان لهجتها ولغتها ومفرداتها تعود إلى جماعة تؤمن بملكية الحقيقة المطلقة، وهذه الحقيقة لا تقضي عليها المدافع ولا تهزمها الطائرات، انها فكر يحتاج الى ما يقومه بأفكار مضادة، قادرة على انتشال الشباب الجدد من براثن الأفكار القاتلة والمغلوطة ، وهذا هو الجزء الأهم في المعركة القادمة .

هل من مخاوف بعينها في عملية إعادة إنتاج داعش ؟

من المؤسف القول إن العوامل التي تضافرت لجعل انشاء داعش أمرا ممكنا لا تزال قائمة، لا سيما في ظل حالة تزاوج من تفسيرات دينية، مع توجهات ومصالح سياسية، والأكثر مدعاة للتأمل في مشهد داعش القادم ، هو انه يعيد فصلا مشابها جرت به المقادير في نصف القرن العشرين الأول حيث طفا على السطح تعبير الحركة المسيحية الإيجابية ، تلك التي روج لها رجال النازي وأصحاب الراخ الثالث ، وقد كانت ولاشك تعتبر خارج اي تقاليد معترف بها من الطوائف المسيحية المختلفة لا سيما التقليدية منها .
الخلاصة.. معركة الدواعش مستمرة، والقادم ربما يكون أسوأ، والمطلوب هو الاستعداد لقتال جديد ربما يكون فكريا وعضويا قبل أن يكون عسكريا.