داعش.. عنقاء الإرهاب

رشا عبد الوهاب –

الإرهاب فكرة لا تموت بموت رافع رايتها، ولهذا السبب فإن إرهاب تنظيم داعش لن ينتهى بإعلان موت أبي بكر البغدادي في غارة أمريكية بشمال سوريا الشهر الماضي، فلا يوجد في التاريخ، تنظيم متشدد انتهى مع موت مؤسسه.
فلم تمت جماعة الإخوان المسلمين بموت حسن البنا، ولا طالبان بموت الملا عمر، ولا القاعدة بمقتل أسامة بن لادن، ولكن ما السر وراء استمرار هذه التنظيمات وخصوصا تنظيم داعش على مدى سنوات طويلة؟

الإجابة تتطلب تتبع مراحل تطور التنظيم حتى إعلان بدء مرحلة ما بعد البغدادي. ومن خطة التمكين التي يتبعها إلى إدارة التوحش، أفكار اتبعها تنظيم داعش لدرجة دفعته إلى احتلال مساحات شاسعة من أراضي دولتين، مستغلا الفوضى والحرب التي مرت بها سوريا والعراق، بل مد فروعه في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ويعتبر تنظيم داعش الأحدث بين هذه التنظيمات، فقد تم الإعلان عن تأسسيه رسميا في 29 يونيو 2014، عندما صعد البغدادي، الذي لقب بالشبح، منبر مسجد النوري الكبير في مدينة الموصل العراقية، ليعلن ما سماه دولة الخلافة، ويطلب مبايعته كخليفة.
التنظيم لم يظهر بين ليلة أو ضحاها، بل تعددت أسماؤه على عدة مراحل منذ تأسيسه على يد الأردني أبو مصعب الزرقاوي حيث دعا إلى استخدام التفجيرات لإطلاق حرب طائفية مفتوحة، وازدادت قوته بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، كما أن أفكاره اختلفت عن أفكار بن لادن في التكفير.
بينما كشفت مصادر أخرى عن أن الأساس الفكري لتنظيم داعش أقدم من الزرقاوي، وأن عبد الرحمن القادولي الأب الروحي للتنظيم من مدينة نينوى العراقية، ويكنى باسم أبو علي الأنباري، حسبما كشفت مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية. وبدأت رحلة الأنباري مع الزرقاوي بوصول الأخير من أفغانستان في 2002، أي قبل الغزو بعام. وظل على رأس المطلوبين كمسؤول عن سلسلة من التفجيرات الإرهابية وكقاطع رؤوس، بالإضافة إلى تأسيسه تنظيم «التوحيد والجهاد» إلا أنه قتل في غارة أمريكية في 2006.
وبعد وفاة الزرقاوي، التي شكلت ضربة لتنظيم القاعدة، تولى أبو عمر البغدادي، الذي كان ضباطا في الجيش العراقي، وسرح بسبب أفكاره المتطرفة، دفة القيادة. وعلى الرغم من تسجيلاته الصوتية، إلا أن الجيش الأمريكي نفسه شكك في وجود هذا الشخص، وأكد أن الذي يتلو البيانات مجرد ممثل عراقي كبير في السن. وتوالت البيانات حول اعتقال ومصرع أبو عمر إلى أن خرج نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق ليؤكد مقتله في 2010 في هجوم صاروخي نفذته القوات العراقية، ثم خرج التنظيم الإرهابي ليؤكد النبأ ويبايع أبو بكر البغدادي. وفي 2011، خطط البغدادي لتفجير مسجد أم القرى، وخلال الفترة بين مارس وأبريل 2011، أعلن التنظيم مسؤوليته عن 23 هجوما في جنوب العاصمة بغداد. وبعد إعلان مقتل بن لادن في غارة أمريكية، شن البغدادي سلسلة من الهجمات الانتقامية في العراق استهدفت رجال الشرطة والمدنيين.
لم تتوقف طموحات البغدادي عند حدود مسقط رأسه العراق، بل سعى إلى الدخول في سوريا ليغير اسم التنظيم إلى داعش، ودعا «جبهة النصرة» التابعة للقاعدة إلى الانضمام إليه ومبايعته وإعلان ولائها له في 2013، إلا أن أبو محمد الجولاني زعيم النصرة رفض الانطواء تحت لواء داعش، واستنجد بزعيم القاعدة أيمن الظواهري الذي دعاء البغدادي إلى الاكتفاء بالعراق والابتعاد عن سوريا، إلا أن الأخير لم ينصع إلى الأوامر القادمة من أفغانستان. وفي 29 يونيو 2014، أعلن أبو بكر البغدادي تأسيس دولة الخلافة في مدينة «الرقة» السورية، الدولة التي تتجاوز حدود سوريا والعراق، بل كل الحدود، وإعلان نهاية اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت تركة الإمبراطورية العثمانية بين بريطانيا وفرنسا.
تأسست داعش من بعض فلول الجيش العراقي بعد قرار حله من بول بريمر، الذين تمكنوا من طرد الجيش الوطني العراقي «الجديد» من الموصل، حيث أنفقت الولايات المتحدة على الأخير حوالي 25 مليارا للتدريب والتسليح. واستخدمت داعش الإرهاب لفرض الطاعة في المناطق التي احتلتها، ولتخويف أعدائها، استحوذت على أراضي، ودمرت آثارا وقيما ثقافية وتاريخية، وذبحت الأقليات، واستعبدت النساء، وحولت الأطفال إلى قتلة، في مشاهد على الهواء مباشرة، تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.
واكتسب التنظيم شهرة دولية عندما طرد القوات الحكومية العراقية من مدن كبرى في غرب العراق بعد سيطرته على مدينة الموصل، وارتكابه مذبحة سنجار التي اعتبرت إبادة جماعية. ثم اعتقل الآلاف من الإيزيديين خلال هجوم في أغسطس 2014، وكان الهدف من الحملة استراتيجي لتغيير التركيبة الديموغرافية أكثر منه استهداف بسبب الدين، حيث قامت بطرد الأكراد، وتوطين العرب. وردت الولايات المتحدة على هذه المذبحة بشن ضربات جوية ضد وحدات داعش في شمال العراق، وهو ما قاد إلى تشكيل التحالف الدولي ضد داعش، وبمساعدة الأكراد، تمكن 50 ألف إيزيدي من الفرار. وحاول داعش إظهار وحشية عناصره عبر فيديوهات التهديد وقطع الرؤوس لكل من الجنود والمدنيين وعمال الإغاثة والصحفيين، وإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا. وصنفت الأمم المتحدة التنظيم على أنه إرهابي، وحملته مسئولية ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ضد السلام والإبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما ارتكب داعش تطهيرا عرقيا على مستوى غير مسبوق في شمال العراق.
وبنهاية ديسمبر 2015، سيطر التنظيم على مساحات شاسعة من غرب العراق وشرق سوريا، وعلى ما بين 8 إلى 12 مليون شخص. وانتشرت فروعه أو المبايعين له في 18 دولة، وفي 2015، أشارت التقديرات إلى أن الميزانية السنوية للتنظيم حوالي ملياري دولار أمريكي، وأنه يتحكم في قوة من 30 ألف مقاتل. ومن بين مواطن قوة التنظيم، كانت آلته الدعائية الضخمة تشبه دعاية النازي، حيث أسس في البداية مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي التي كانت تنتج «سيديهات» وأقراص «دي في دي»، وملصقات ونشرات، ثم وسعت وجودها الإعلامي في 2013 عبر تأسيس مؤسسة «الاعتصام» و«أجناد» المتخصصة في الأناشيد والمحتوى الصوتي. وفي منتصف 2014 أسس مركز الحياة الإعلامي الذي يستهدف الغربيين وينتج مواد بعدد من اللغات منها الألمانية والإنجليزية والروسية والفرنسية. وواصل التوسع لدرجة أن جيمس كومي المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف. بي. آي» قال إن لديها أذرع إعلامية بحوالي 23 لغة. وفي يوليو 2014، أصدرت مؤسسة الحياة مجلة «دابق» الإلكترونية بعدد من اللغات، كما أطلقت إذاعة «البيان». كما استخدمت مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وتيليجرام. والأهم من كل هذا، كان حجم الأموال التي كان ينفقها التنظيم على دفع مرتبات لعناصره، ولتجنيد المقاتلين الأجانب، وتنفيذ عمليات كبرى حول العالم، بعضها كان يعتمد على أدوات بدائية للقتل مثل الطعن، أو سرقة سيارات للدهس.
ووفقا لدراسة أعدتها مجموعة العمل المالي، وهي منظمة غير حكومية أسستها الدول السبع الصناعية الكبرى، فإن تنظيم داعش اعتمد في تمويله على عدة مصادر أساسية: منها العائدات من احتلال الأراضي مثل السيطرة على البنوك واحتياطيات البترول وفرض الضرائب والابتزاز وسرقة الأصول، والثاني الاختطاف من أجل الفدية، والثالث التبرعات، والرابع الدعم المادي الذي يقدمه المقاتلون الأجانب، وجمع الأموال من وسائل الاتصال الحديثة. وظل التنظيم يواصل عملياته الإجرامية خلال ثلاث سنوات، إلى أن أعلن العراق عملية تحرير الموصل، ثاني أكبر مدنه، كما أعلن التحالف الدولي تحرير الرقة السورية في 2017.

صحيح أن داعش تلقت ضربة قوية من عمليات التحرير، إلا أنها استمرت في إعلان مسؤوليتها عن هجمات كبيرة حول العالم، ومع موت البغدادي واختيار القرشي خليفة له، واستمرار الفوضى التي تشهدها دول عربية مثل سوريا واليمن وليبيا، فإنه من المتوقع أن ينبعث التنظيم مجددا من الرماد مثل العنقاء.