الحرب الفكرية أولوية هامة

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي –

بعد مقتل أبو بكر البغدادي قائد منظمة داعش المتطرفة بعد عمليه سرية أمريكية شمال سوريا بدأت التكهنات تدور حول مرحلة ما بعد البغدادي وهل تنظيم داعش انتهى، وما الآليات التي من خلالها يمكن القضاء على الفكر المتطرف في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي لأن التطرف والتشدد بدأت مظاهره في الغرب من خلال منظمات إرهابية غربية لعل في مقدمتها الكابوني في الولايات المتحدة ومنظمة بايدر- ماينهوف في المانيا ومنظمة الألوية الحمراء في إيطاليا وحتى منظمة الباسك في اسبانيا؟

المنظمات المتشددة لا ترتبط بالجغرافيا او الدين بل هي فكر متشدد يهدف إلى تغيير الواقع إلى منهجية جديدة تعد هي النموذج الأصلح، ومن هنا فان اختفاء البغدادي من المشهد السياسي قد اضعف داعش بشكل كبير، كما حدث بالنسبة للقاعدة عند اختفاء ابن لادن من المشهد ايضا لأن تلك المنظمات تعتمد على الرجل الذي يمتلك كاريزما خاصة ولديه قدرات يستطيع من خلالها ان يجذب مشاعر الملايين من الشباب ورغم ذلك فإن الفكر المتشدد هو الأخطر من المواجهات المسلحة نفسها وهذا يفرض على الدول والمجتمعات أن تواجه ذلك الفكر المتشدد بفكر آخر مختلف ومن هنا تأتي أهمية الحرب الفكرية لإنهاء ذلك الفكر واتباع منهجية تعتمد على معايير الحوار والتسامح وتأهيل الشباب المغرر بهم.

ما بعد البغدادي

بعد اندحار داعش في العراق وسوريا إلى حد كبير كان وجود قيادة داعش من خلال أبوبكر البغدادي مسألة تعطي لتلك المنظمة قوة حتى لو كانت معنوية وبعد مقتل البغدادي هناك شعور بأن داعش فقدت أهم رجالها، ورغم تعيين قائد آخر وهو ابو ابراهيم الهاشمي القرشي الآن ذلك لا يعني أن داعش قد ضربت في مقتل من خلال اختفاء البغدادي من خلال مقتله رغم أن الروح المعنوية لداعش تأثرت بشكل كبير على المستوى العسكري واللوجستي، كما أن التحولات السياسية في المنطقة قد اضعف داعش كثيرا كما حدث مع تنظيم القاعدة بعد مقتل اسامه بن لادن بعمليه شبيهة بعملية مقتل البغدادي. ومن هنا فإن الفكر المتشدد قد تلقى ضربة معنوية كبيرة ورغم ذلك فإن هناك تحذيرات من قيادات عسكرية غربية بأن فرص عودة تنظيم داعش لا تزال قائمة وربما يكون سبب ذلك هو الحرب الفكرية حيث إن محاربة الفكر هي اشد أنواع المجابهات تعقيدا.

وهناك أدوات مهنيه كالإعلام، والتربية والمعرفة تلعب دورا كبيرا في تغيير المفاهيم خاصة للشباب وهو الأكثر الفئات انخراطا في التنظيمات المتشددة حتى في اوروبا الآن من خلال النازيين الجدد في المانيا وصعود حركة اليمين في الولايات المتحدة واوروبا والعنصرية ضد المهاجرين، ومن هنا فإن المواجهة الحقيقية مع داعش وغيرها من المنظمات المتشددة تأتي من خلال الفكر المستنير وهنا تأتي اهمية تلك الأدوات المهنية والتي ينبغي أن تستوعب تلك العقليات التي تعمق فكرها بالأفكار المتطرفة وعدم قبول الآخر.
ويبدو لي ان وجود جنسيات مختلفة في تنظيم داعش من الشرق والغرب يعطي المشهد تعقيدا كبيرا من خلال الثقافات المختلفة والرؤى الضبابية والأهداف التي تختلط على المنخرطين في داعش وبقية المنظمات المتطرفة ولا شك ان قيادات محددة تعطي الإلهام للشباب من اجل القتال في سبيل أفكار محددة ومتشددة، وهنا تكمن الخطورة ومن خلال مقتل البغدادي فإن تلك الأفكار لا تزال باقية ومع ذلك فان تلك النكسة المعنوية لداعش ينبغي البناء عليها من خلال التوعية والحوار وإيجاد مراكز محددة تعنى بالفكر الموضوعي وقبول الآخر ونشر قيم التسامح وان الاختلاف في الرؤى لا يعني استخدام أدوات العنف بل يمكن الوصول إلى قواسم مشتركة يمكن من خلالها العمل سويا لصالح المجتمعات والرقي بفكرها لتحقيق الأهداف السامية.

الحرب في افغانستان هي حرب فكرية بين القاعدة والغرب وحتى ضد بعض الأنظمة العربية وكذلك جماعة طالبان هي تحارب حكومة كابول لأسباب فكرية، ومن هنا فان حرب الافكار هي الاخطر من الحرب العسكرية وبصرف النظر عن اختفاء القيادات هنا وهناك فإن الفكر المتطرف لداعش سيبقى حيا في نفوس البعض على الأقل وهنا لابد من ايجاد استراتيجيه تعتمد على مواجهة ذلك الفكر كما حدث مع الفكر الشيوعي في عدد من مناطق العالم في حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وانتهى بسقوط الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان يسعى إلى نشر الفكر الشيوعي في مناطق جغرافية اقتربت من المياه الدافئة في منطقة الخليج.

داعش إلى أين؟

يمكن القول إن تنظيم داعش قد تلقي ضربة قاسية من خلال مقتل عقله المفكر ابو بكر البغدادي كما ان الضربات التي تلقاها التنظيم في سوريا والعراق وحتى في ليبيا ودول جنوب الصحراء في افريقيا قد افقدت التنظيم الكثير من قدراته وسوف يمر بعض الوقت حتى يمكن استقراء مستقبل تنظيم داعش.

وهناك تحليلات ودراسات تتحدث ان تنظيم داعش سوف يمر بالمرحلة نفسها التي مر بها تنظيم القاعدة في اعقاب مقتل زعيمه بن لادن وهو الانكماش والضعف والخلافات المتواصلة بين قياداته وهو امر جعل تنظيم القاعدة في وضع ضعيف وغير فعال وهذه الحالة سوف تنسحب على تنظيم داعش ومع ذلك فإن التنبؤ بمسارات العمل لدى داعش تبقى غامضة.

ان عدد عناصر داعش تقدر بعدة آلاف من المقاتلين وهو تنظيم خطير من خلال العمليات القاسية التي قام بها خلال السنوات الأخيرة خاصة في العراق وسوريا، ومن هنا فان موضوع الفكر المتجذر في النفوس يبقي هو الخطر الأهم في نظري وعليه لا بد من اغتنام الضعف المعنوي لداعش والقيام بمواجهة فكرية قد تنجح في إقناع الكثير من تلك العناصر للعودة إلى الطريق الصحيح والمنهج العقلاني وهي مهمة ليست سهلة ولكنها ممكنة.

ان الفكر الداعشي هو فكر متطرف وخطير ومع ذلك فان هناك نماذج اقنعها الخيار الآخر واندمجت في المجتمعات بشكل صحيح ولعل دور الاعلام يأتي في المقدمة من خلال طرح نموذج مختلف ومن خلال الرسائل الهادفة ذات المحتوى الذي يجعل الانسان يفكر ويراجع الذات بشكل مختلف بعيدا عن الفكر المتطرف والعداء ضد الآخر وانتهاج فلسفة القتل المدمرة لأن ذلك سوف يجعل المشهد اكثر تعقيدا وخطورة على المجتمعات والحضارة الإنسانية.

فأي تنظيم له دورة محددة قد تكون طويلة او قصيرة، حيث إن ذلك يعتمد على تماسك التنظيم والتمويل ووجود الجغرافيا ومع ذلك فان المواجهة الفكرية المحكمة قد تعجل بانتهاء التنظيم فكريا وهو الأمر المهم من خلال هذه المقاربة التي نحاول التوصل إلى آلية محددة لها.
داعش وغيرها من تنظيمات تعتمد على الفكر المتشدد وهذا الأخير لا يزال حيا في الغرب وان كان بشكل حزبي او من خلال التجمعات المتطرفة او من خلال قيادات تدعو إلى التعصب وإقصاء الآخر وهذا يعد عملا غير حضاري، كما ان ربط الأديان بالإرهاب هو عمل مرفوض ومن هنا فان الاتفاق على ان التنظيمات الإرهابية ليس لها حدود جغرافية او فكر ديني محدد بل تعتمد على اتجاهات متشددة تهدف إلى انهاء الآخر ورفض كل الأدوات الفكرية التي من شأنها التقريب بين التوجهات الإنسانية والوصول إلى قناعات مشتركة وليس بالضرورة متطابقة.
ويظل فكر داعش هو الذي ينبغي مواجهته بشكل مباشر من خلال آليات وادوات منهجية ومن خلال محتوى يعتمد على رسالة هادفة وصادقة وحقيقية لأن المواجهة العسكرية مهما بلغ شأنها لن تستطيع القضاء على الفكر المتشدد الذي تغلغل في النفوس التي قد تكون تائهة تبحث عن شيء مفقود في إطار المشكلات الحياتية التي يواجهها ملايين الشباب في العالم الاسلامي تحديدا.
وفي المحصلة النهائية فان مقتل البغدادي هو خسارة معنوية كبيرة لتنظيم داعش سوف يضعف من قدرات التنظيم ومع ذلك نؤكد على المقاربة الفكرية والتي تشكل الحسم الاخير لاختفاء فكر هذا التنظيم وبالتالي اختفاء الكيان نفسه بشكل تلقائي.