أبعد من اختفاء البغدادي: العوامل المتناقضة المحددة لمستقبل داعش

صلاح أبو نار –

في أعقاب الإعلان الأمريكي عن مصرع البغدادي احتل البؤرة الإعلامية، السؤال التالي: ما تأثير مصرعه على واقع تنظيم داعش وبالتبعية مساره المستقبلي؟
ليس في الإمكان طرح إجابة دقيقة. انتهت قيادة البغدادي للتنظيم بهزيمة فادحة، ومن المحتمل أنها أفقدته غالبية صلاحياته أو حولته لمجرد قيادة تاريخية. وتحت تأثير الهزيمة والمطاردة تبنى التنظيم هيكلية جديدة تجنح صوب اللامركزية، الأرجح أن غياب البغدادي في ظلها وبافتراض احتفاظه بمكانته، لن يشكل تغييرا جوهريا في مسيرة التنظيم.

والواقع أن هذا السؤال لم يكتسب أهميته من شخص البغدادي نفسه بل من السياق الذي اختفى فيه. على مدى أكثر من عام أجريت مناقشات عديدة وصدرت عدة تقارير هامة، حول موضوع عودة داعش ومؤشراته المتنامية. ثم جاء قرار الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا والتدخل العسكري التركي الذي أعقبه، وما سيترتب عليه من احتمال عودة قوية لداعش في شمال شرق سوريا، ليكسب المناقشات مزيدا من الخصوصية. ويقودنا هذا إلى المنهج الأمثل للتعامل مع هذا السؤال، وهو الاتجاه بتفكيرنا صوب رصد واقع التنظيم الراهن عبر تتبع نمطين من العوامل:
العوامل الدافعة لعودة التنظيم وتنامي قوته، والعوامل النقيضة التي تحد من إمكانيات العودة وفرصها.
ومن المفيد البدء بإلقاء نظرة عامة على الحدود الراهنة لوجود التنظيم وعمله. علينا أن نميز بين نمطين لوجوده. وجوده كقوة عسكرية محترفة مقاتلة تتمركز في مناطق معينة. ووجوده كعناصر متناثرة وخلايا نائمة، لا تزال في أغلبها تحمل فكر التنظيم وتدين بالولاء له، لكنها لا تمارس أي أعمال ظاهرة. ولا توجد تقديرات لأعداد الفئة الثانية، ولكن من المرجح أنها كبيرة، وأن انتشارها مزيج من التفكك تحت وطأة الهزيمة والحصار، والتخطيط الهادف نشرهم حفاظا على قوى التنظيم البشرية، وتوظيفهم في أداء وظائف معينة وبناء قاعدة لتعبئة الأنصار لتوظيفها إذا تبدلت التوازنات السياسية.
وسنجد القوات المحترفة في العراق وسوريا داخل المناطق الصحراوية والجبلية والقرى المهجورة، في أقاليم صعبة التضاريس ويصعب مهاجمتها. ومنها يشنون عنفا عسكريا محدود القوة لكنه منتشر جغرافيا، تقوده مجموعات قليلة تستهدف الابتزاز المالي، والمدنيون المتعاونون مع السلطة، وممثلوها وبالتحديد المخاتير، وقوات الأمن، والقوات الكردية. يشكل وضع التنظيم أهمية خاصة وسط العوامل الداعمة لاحتمالات العودة والصعود. فقد التنظيم الآلاف بين قتلى ومعتقلين، وهجرة الآلاف ولكن العناصر الباقية هي الأكثر قتالية وعقائدية، ويمنحها هذا قوة تعوض تراجع أعدادها. واظهر التنظيم قدرا من الكفاءة في مواجهة انتكاسته؛ إذ نجح في إجراء إحلال قيادي بعد موت واعتقال قيادات الصف الأول، وأثبت قدرة على التكيف مكنته من تجنب المزيد من الخسائر، وتحول من هيكل مركزي إلى هيكل لامركزي، ونجح في الوصول إلى مصادر تمويل جديدة، وقام بإعادة نشر عسكري لجانب من قواته وإخفاء سياسي كامل لجانب آخر منها، وحافظ على درجة عالية من قدراته الاتصالية. والخلاصة أن التنظيم رغم انتكاسته، لا يزال يشكل نواة تنظيمية مرنة وقادرة على النمو والاستجابة للظروف، ولم تفقد إرادتها السياسية.
غير أن العوامل الأهم الداعمة لإمكانيات معاودة النمو سنجدها خارج التنظيم. تمنحنا دراسة حديثة لمجموعة الأزمات الدولية تحليلا لها.
أولها استمرار الوجود العسكري الأمريكي، ويشكل هذا الوجود مادة لخلافات سياسية في العراق، تراه أغلب النخب ضرورة لمواصلة تهميش داعش، ولكن بعضهم يراه احتلالا، وتصاعد رفضه بعد الضربات الجوية التي وجهت مؤخرا لقوات الحشد الشعبي. ولكن الوجود نفسه هو جزء من نسيح العلاقات الأمريكية في المشرق ومع إيران، التي تعيش أزمة مرشحة للتصاعد والصدام. وفي لحظة معينة يمكن لتحولات السياقين السابقين أن تعرضه لهجمات عسكرية أو مطالبة النخبة برحيله، وإذا حدث سترحل قوة الردع الجوي الأمريكي ويتغير التوازن لصالح داعش التي ستظهر قواتها الموجودة تحت الأرض، ويشكل ما سبق هاجسا حقيقيا يثير مخاوف العسكريين العراقيين.
والعامل الثاني هو وضع النازحين داخل العراق، انتهت الحرب ضد داعش بنزوح 1,7 مليون عراقي، وأكثرهم غير مستعد للعودة إلى مواطنهم التي دمرت ولم تمسها برامج الإعمار. ويشكل النازحون مصدرا لعاملين يمنحان معاودة داعش لصعودها قوة ملحوظة. ترك هؤلاء خلفهم عشرات القرى المدمرة المهجورة، واضحى بعضها يشكل ملاذا آمنا يمكن لها أن تعيد فيه بناء ذاتها. ولجأت السلطات إلى إسكان حوالي 450,000 منهم داخل مخيمات مزدحمة وسيئة، يتوقع كثيرون تحولها إلي حاضنات للاتجاهات المتطرفة ومصدرا لمعونة داعش.
والعامل الثالث هو عوائل داعش، وهم أسر قيل إنها ذات روابط عائلية واجتماعية بالمقاتلين، طردت من مواطنها الأصلية ويصل عدد أفرادها عشرت الآلاف، وفي مواقعهم الجديدة يتعرضون لعقاب رسمي وحصار المجتمعات المحلية، ويعجزون عن استكمال أي معاملات رسمية بسبب نقص أوراقهم. وفي وضعهم هذا ليسوا فقط مرشحين لاستئناف علاقاتهم السابقة بالدواعش، بل أيضا يشكلون حاضنة مرشحة لتوليد دواعش جدد.
ويتعلق العامل الرابع بالعدالة الانتقامية تجاه الدواعش وقواعدهم، فبعد الهزيمة قدم الآلاف إلى المحاكم، وفقا لقانون متشدد لمكافحة الإرهاب أمام قضاء متخلف، في محاكمات قاصرة أصدرت عقوبات قاسية، والكثير منهم أقحمت أسماؤهم عبر شكاوى كيدية. وصاحب ذلك نوع من العقاب الجماعي وصفه أحد المخاتير (الزعماء المحليين) قائلا:» واحد من الألف كان مع داعش، وبسببه تتحمل 500 أسرة المسؤولية.» وكل ذلك سيخلق استعدادا للتعاطف المجدد مع الدواعش، قابل للتحول لحاضنة تجنيد وقاعدة مناصرة ومنبع موارد ومعلومات.
والعامل الخامس: وضع النظام العام، ما زالت الدولة ضعيفة، والاقتصاد متدهورا، والاستثمار في البنى التحتية والخدمات منخفضا. ويزداد التدهور في مناطق سيطرة داعش السابقة، حيث دمار الحرب وقصور الإعمار، وتمنحنا الموصل أبرز الحالات. وهو ما يشكل مناخا مولدا للسخط الشعبي على الدولة، قابل للتحول إلى تعاطف مجدد مع داعش، او على الأقل يوفر إمكانيات انفجار يمكن استغلالها. وتواجه العوامل السابقة عوامل نقيضة تنفي إمكانية استعادة داعش لمكانتها القديمة، وتحد من إمكانيات عودتها القوية. أولها سنجده حاضرا بقوة في العراق، وهو تراجع المعيار الطائفي كناظم أعلى للحياة السياسية. خلال العام الأخير رصد غالبية المراقبين تراجع معيار الطائفة كناظم لخطاب معظم الزعامات السياسية، وكمعيار مقيد لنطاق تحالفات النخب السياسية، وكإطار موجة لتحركات وعلاقات الكتل الشعبية. وشكل هذا التراجع القوي تمردا على منطق النظام السياسي المؤسس 2003، وعلى مطالب احتجاجات 2013 -2014 ضد السلطة العراقية. وكانت داعش فاعلا رئيسيا فيها، وطرحت منطقها الطائفي نفسه وتمكنت من توظيفه سياسيا لتأسيس دولتها في 2015. وسوف نجد مقدمات التحولات الأخيرة، في تخلي عمليات الحشد الشعبي العراقي عن معايير الحشد الطائفي، خلال التحركات التي قادت لهزيمة 2017. والحاصل ان داعش التي أسست دولتها عبر تناقض طائفي، ثم أدارت كل عملياتها السياسية والعسكرية في العراق عبر النمط نفسه، تواجه الآن بوادر تجذر وتعميم الخطاب اللاطائفي الذي ساهم في إسقاط دولتها في 2017. الأمر الذي يعني إنها تواجه بيئة سياسية عامة آخذة في التجذر والاستيعاب، لن تقدم دعما يذكر لعوامل العودة والصعود.
وثاني هذه العوامل: تحولات النظامين الإقليمي والدولي. أضحت سوريا أكثر أمنا واستقرارا، واستعاد النظام سيطرته على أراضيه. ويجد دواعش العراق امامهم سوريا اخري. لا تمنحهم ملاذات آمنة، ولا تتدفق منها عوامل التحريض على مواصلة التمرد، ولا يأتيهم عبرها المقاتلون الاجانب، ولا تشكل مصدرا لأموال النفط المنهوب، ولا يجدون في صراعاتها مادة لتأجيج الانقسام العرقي.
وحدثت تحولات مماثلة في أدوار القوى الإقليمية والدولية. فأصبحت بعض دول المنطقة اقل تدخلا في العراق، وأكثر رغبه في توطيد علاقتها مع حكومته. ومع تحول روسيا إلى اللاعب الرئيسي في سوريا والانكماش الأمريكي، اضطرت بعض الأدوار الإقليمية الفاعلة فيها للانزواء، ومعها تحالفاتها ومواردها. وفقدت القنوات الفضائية في المنطقة غرامها بممارسه الشحن الطائفي، او الترويج لقوى المعارضة العراقية. وراجعت روسيا وامريكا واوروبا مواقفها من الجماعات الارهابية. أدركوا خطورة تجاهلهم للحرائق الإرهابية في المنطقة طالما اقتصرت نيرانها على اهلها. وتأكدوا على ضوء تجارب دامية ان الحرائق ستمتد نيرانها إليهم، والأفضل مواجهتها في مهدها.
وثالث هذه العوامل التحولات المؤسسية في العراق وسوريا. مع مرور الوقت أضحت القوات العسكرية والامنية أكثر كفاءة واقل انقساما، وسنجد مؤشرات حاسمة بمقارنة أداء القوات العراقية في عامي 2014 و2017، اي عامي انتصار داعش ثم هزيمتها. ولا يزال التطور محدودا، ويتعين إطلاق إعادة بناء جذرية، لكنه في حدوده الراهنة شديد التأثير.

ما نتائج التحليل؟

ستدفع العوامل الداعمة بإمكانيات صحوة للتنظيم، ولكنها لكي تواصل نموها في حاجة إلى سياقات عامة داعمة، وسياسات ناجحة. ومن شأن نمط العوامل الثاني منع وجود السياقات الداعمة، أما السياسات فيصعب تصور إمكانية اطلاقها. تمكنت سياسات داعش من نجاحات 2015 بفضل صورتها المبهمة في اذهان الخصوم والحلفاء. ولم تقم خبرات حكمها بنفي تلك الصورة فقط، بل خلفت أيضا وراءها قدرا مهولا من الخبرات الدامية، ستقف في وجه قبول أي سياسات عامة تطلقها.