مهرجان العلوم وتنمية القدرات الابتكارية

سالم بن سيف العبدلي –
كاتب ومحلل اقتصادي  –

الدول التي تقدمت في مجالات العلوم المختلفة لم تصل إلى ما وصلت إليه من نمو وازدهار من فراغ ولم يكن تطورها بالصدفة وإنما استغلت العقل البشري في صناعة هذا التقدم والنمو، وعندما ننظر إلى الكائن البشري نجد انه لا يختلف في تركيبه الفسيولوجي وفي فطرته التي فطره الله عليها إلا أن تلك الدول اهتمت بهذا الإنسان وبالعقل البشري ونمته منذ نعومة أظافره وسلحته بالعلم والمعرفة فتفوق على أقرانه من البشر.
وتعتبر العلوم الصحيحة والمتمثلة في الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الجغرافيا أساس كل تقدم وتطور لذا فإن الدول المتقدمة سخرت كل الإمكانيات المادية والبشرية من أجل استغلال هذه العلوم والاستفادة منها وعندما ننظر على سبيل المثال إلى اختراع الهاتف ونتتبع خطوات تطوره من جهاز أرضي تقليدي إلى جهاز محمول ذكي يحتوي كل ما يريده الإنسان نتيقن بأن هذه العقول تعمل من اجل التقدم والتطور .
من هنا فإن مهرجان العلوم في نسخته الثانية والذي حمل شعار «الثورة الصناعية الرابعة.. تقنيات بلا حدود»، والذي اسدل الستار عليه الأسبوع الماضي والذي نظمته وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع عدد من الجهات العامة والخاصة شكل أهمية كبيرة من حيث تعريف المجتمع وخاصة الطلبة بأهمية الابتكار والبحث العلمي، كما أن المهرجان منح فرصة للالتقاء بباحثين ومتخصصين في مجالات العلوم من داخل السلطنة وخارجها للتباحث حول أهم الابتكارات والمخترعات الجديدة وتبادل الأفكار والمعلومات فيما بينهم حيث تمت استضافة متحدثين عالميين في مجالات مختلفة وأكثر من 300 فعالية.
شارك في المهرجان أكثر من 1200 شخص يمثلون 60 مؤسسة من القطاعات الحكومية والعسكرية ومؤسسات القطاع الخاص وكانت هناك مشاركات واسعة من منظمات عالمية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA والمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN والمنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO، ومؤسسة Rolls Royce.
المشاريع الطلابية كان لها حضور في هذا المهرجان مما يدل على الاهتمام بتعزيز منظومة الابتكار ومواكبة أحدث التقنيات وبالتالي الإسهام في إعداد كوادر وطنية مؤهلة قادرة على المنافسة ومشاركة المشاريع الطلابية في هذا الحدث تعتبر فرصة لهم لعرض ابتكاراتهم ونتائج أعمالهم البحثية أمام الجمهور.
وصرحت معالي الدكتورة وزيرة التربية والتعليم لوسائل الإعلام المختلفة أثناء افتتاح المهرجان بالقول : «يأتي مهرجان عمان للعلوم في نسخته الثانية 2019م في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى الاهتمام بالعلوم من خلال إيجاد بيئة خصبة لتحفيز أبنائنا الطلبة والطالبات نحو الابتكار، وتنمية الحس العلمي لديهم، وغرس الثقافة العلمية، ودعم مواهبهم ومهاراتهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، حيث يمكّنهم المهرجان من إبراز مواهبهم وقدراتهم، كما يتيح لهم الفرصة للالتقاء بنخبة من الباحثين والمتخصصين في مجالات العلوم من داخل السلطنة وخارجها»
مؤكدة بأن تنظيم هذا المهرجان يأتي متماشيًا مع رؤية عمان 2040 ضمن محور (التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية) الذي يهدف إلى إيجاد «منظومة وطنية فاعلة للبحث العلمي والإبداع والابتكار تسهم في بناء اقتصاد المعرفة ومجتمعها»، مضيفة إنه لا شك أن المهرجان هو وسيلة من الوسائل العلمية الفاعلة لتحقيق هذا الهدف بما يسهم في دعم الاقتصاد العماني بالعديد من العلوم والمعارف التقنية.
ويستهدف المهرجان طلبة المدارس والكليات والجامعات والتربويين والأكاديميين والباحثين وأولياء الأمور إضافة إلى المؤسسات الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص المعنية بمجالات العلوم المختلفة.
المهرجان تمثل هدفه الأساسي في إيصال العلوم للطلبة على وجه خاص والمجتمع بشكل عام بوسائل سهلة وطرق محفزة للتفكير الإبداعي وإيجاد توجه إيجابي نحو العلوم والابتكار والبحث العلمي وتشجيع الطلبة على إدراك أهمية العلوم في الحياة وحثهم على الابتكار ومواكبة التوجهات العالمية القائمة على نشر العلوم والتكنولوجيا والتغيرات والتطورات المستقبلية المتوقعة من الثورة الصناعية الرابعة وتعزيز مهارات الطلبة للاندماج في المجتمع القائم على المعرفة وتشجيع الطلبة على مواصلة التعلم في التخصصات العلمية.
نظم المهرجان عددا من الفعاليات وجلسات العمل والتي ناقشت قضايا اقتصادية وتنموية مهمة للغاية كموضوع الذكاء الاصطناعي واقتصاد المستقبل، وتأثير الذكاء الاصطناعي على تضاريس العمل في المستقبل، وآفاق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، و«العلم والابتكار: الطريق السريع للثروة والرخاء»، والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي «مرئيات وتوجهات» وغيرها من المواضيع.
وفي النهاية نأمل أن ينعكس تأثير مثل هذه المهرجانات والملتقيات على التطور التقني في السلطنة وعلى تشجيع وزيادة الابتكار والبحث العلمي والذي لايزال قليلا لم يصل إلى المستوى المأمول خاصة البحوث التطبيقية، ونأمل قريبا أن نرى هناك منتجات مبتكرة بأيد عمانية ونطمح أن نرى براءات اختراع مسجلة بأسماء عمانية تنافس المنتجات الأخرى المستوردة وهذا ليس بمستحيل ولا صعب إذا ما وجدت الإرادة والعزيمة والإخلاص.