إرسال قوة أمن أوروبية إلى سوريا فكرة شجاعة

كونستانز ستيلزينمولر – الفاينانشال تايمز – ترجمة قاسم مكي –

طرحت وزيرة خارجية ألمانيا أنجريد كرامب- كارينباور أواخر الشهر الماضي مقترحا غير عادي وجريئا للمساعدة على احتواء أكبر كارثة إنسانية في زماننا.
دعت كرامب- كارينباور إلى إرسال قوة أمنية دولية إلى شمال شرق سوريا بمساهمة عسكرية ألمانية كبيرة. لكنها واجهت انتقادا شديدا وعلنيا من زميلها في مجلس الوزراء هايكو ماس وزير الخارجية الذي وصف المقترح بعدم الواقعية في اجتماع له مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو.
لم تجد هذه الواقعة اهتماما يذكر فيما وراء برلين. لكنها رغما عن ذلك تسلط ضوءا قاسيا على الفوضي المخجلة التي تتسم بها السياسة الخارجية الغربية والأوروبية والألمانية على وجه الخصوص.
تسمى أفغانستان «مقبرة الإمبراطوريات». لكن سوريا التي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها «أرض من الرمل الملطخ بالدماء» ربما هي التي ستكون مقبرة الغرب.
زعزعت حرب الثماني سنوات في سوريا الاستقرار في الشرق الأوسط، فقد اجتذبت إليها ثلاث قوى إقليمية إلى جانب حزب الله اللبناني، كما مكنت روسيا من توسيع نفوذها بقدر مؤثر في المنطقة.
ومن جملة سكان سوريا الذين كان يبلغ تعدادهم قبل الحرب 22 مليون نسمة قتلت الحرب نصف مليون وشردت 6 ملايين آخرين داخل سوريا بالإضافة إلى عدد مماثل من الذين فروا إلى تركيا ولبنان والأردن والعراق وإلى جيران إقليميين آخرين. أيضا تقدم أقل من نصف مليون سوري بطلبات لجوء في كل بلدان أوروبا منذ عام 2015. أدى ذلك التهجير إلى تغذية التعصب العرقي وسط الأهالي ضد المهاجرين في أوروبا. وهي نزعة لا تزال أصداؤها تتردد في المجال السياسي بالقارة.
بالطبع ساهمت سلبية الحكومات الغربية في تشكل الكارثة. وأوضح ما كان ذلك حين تخطى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والبرلمان البريطاني خطوطهما الحمراء ورفضا المعاقبة على استخدام أسلحة كيماوية في سوريا.
والآن أدى سحب ترامب قوات الولايات المتحدة من شمال شرق سوريا وخيانته للأكراد السوريين حلفاء أمريكا في الحرب ضد داعش إلى تمهيد الطريق لتوغل تركي.
لقد أسلم ترامب القياد تماما هناك لثلاثة رؤساء هم رجب طيب اردوغان التركي وبشار الأسد السوري وفلاديمير بوتين الروسي. ويبدو أن الأوروبيين يعتقدون أنهم لا شأن لهم بكل ذلك. لكن القوات الخاصة الفرنسية والأمريكية كانت تقاتل جنبا إلى جنب مع القوات الأمريكية والكردية. (لا توجد لألمانيا قوات برية في سوريا لكنها كانت تدرب وتسلح وحدات البشمركة الكردية في العراق).
تبعد دمشق عن برلين بمسافة 3700 كيلومتر و4300 كيلومتر فقط من باريس. وبناء على تقدير حديث جاء حوالى 4 آلاف « مقاتل أجنبي» إلى سوريا والعراق من بلدان الاتحاد الأوروبي. لكن تم إطلاق سراح العديد من المسلحين الأجانب المسجونين أثناء الانسحاب الأمريكي المتعجل الشهر الماضي. وفي مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه القبض على زعيم داعش ابوبكر البغدادي ومقتله عرض ترامب إعادة المسلحين المولودين في أوروبا إلى بلدانهم. لكن دون شك سيحاول بعضهم أن يفعل ذلك بطريقته الخاصة.
حسب تقديرات الأمم المتحدة، تسبب التوغل التركي في نزوح ما يقرب من 180 ألف سوري. وإذا ظل هنالك خرق سريع لاتفاقات وقف إطلاق النار على نحو مماثل لذلك الاتفاق الذي قاد مفاوضاته نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس الشهر الماضي قد يحدث أيضا تدفق كبير آخر للاجئين في اتجاه أوروبا مما سيؤدي إلى المزيد من زعزعة الاقتصادات السياسية الهشة في بلدان أوروبية تمتد من البلقان وإلى اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
لكن حتى من دون وصول مقاتل أجنبي أو لاجئ واحد إلى سواحل أوروبا ، للكارثة السورية تداعيات مهمة. فأوروبا تأوي جاليات أو مهاجر( دياسبورات) تركية وكردية كبيرة. ويوجد بألمانيا لوحدها 2.9 مليون شخص من أصول تركية في حين تتراوح تقديرات عدد سكانها من الأتراك بين نصف مليون ومليون نسمة.
ربما كان مقترح كرامب-كارينباور قابل للأخذ والرد في نقاط مهمة إلى جانب أسلوبه. ولا شك أنه أيضا خدم الغرض التكتيكي المتمثل في صرف الأنظار عن عدم قدرة ألمانيا على الوفاء بالتزامها بإنفاق 2% (من ناتجها المحلي الإجمالي) على الدفاع قبل حلول عام 2031 (بدلا عن عام 2024 ، حسب الاتفاق مع حلف الناتو).
رغما عن ذلك فإن الفكرة المركزية في مقترحها صحيحة تماما. وفحواها أن سلبية أوروبا في سوريا ليست مدانة أخلاقيا فقط بل أيضا مؤذية للمصالح الأمنية الأوروبية. وأنه لا يزال من الممكن تغيير اللعبة بتشكيل قوة عسكرية معقولة الحجم وذلك في اقتران مع التوظيف المدروس لنفوذ البلدان الأوروبية على تركيا وروسيا.
لكن الركون إلى عدم الفعل تتزايد خطورته. وكما يقولون في الولايات المتحدة « إذا لم يكن لديك مقعد على المائدة فربما أنك جزء من قائمة الطعام».
* الكاتبة زميل أول «روبرت بوش» للسياسة الخارجية بمركز الولايات المتحدة وأوروبا في معهد بروكنجز