ولد الهدى فالكائنات ضياء

يشكل مولد النبي عليه الصلاة والسلام حدثا استثنائيا يمكن الاستلهام منه والتأمل فيه من خلال هذه التجربة الإنسانية الراقية التي تعيد الإنسان إلى كثير من المعاني الطيبة والسمحة، فمولد خير المرسلين هو بشارة للخير والنماء والسعادة البشرية التي تأتي عبر إصلاح النفوس والأرواح والارتقاء بالمعاني والقيم وكل الفضائل الممكنة التي تقود إلى بناء الحياة الأفضل للناس.
لقد عمل الإسلام على إحداث ثورة في التاريخ الإنساني نقلت الإنسانية من طور إلى آخر وعبره تحققت الكثير من الإضافات الرائعة على صعيد تجربة الكائن البشري على وجه البسيطة، هذا التطور والرقي الذي لا يزال نوره يضيء الأرض إلى اليوم ومنه تستلهم الأجيال الدروس والعبر والقصص التي نتعلم منها العبرة ونقود حياتنا نحو السماحة والعمل والإنجازات.
فسيرة المولد النبوي الشريف وقصة الرسول الملهمة في كل نواحيها، هي دلائل خير ومعان راسخة تقود عبر مدارستها والتأمل فيها والأخذ بها إلى المزيد من الإشراق في تجربة الإنسان وحياته، بحيث ينتقل إلى ما هو أكثر جمالا في إنارة الدرب وصقل النفوس وتهيئتها لما هو أكثر ديمومة في مقتبل الحياة لكل ذات تقوم على هذا الطريق المنير والمشرق.
نحتاج اليوم -والعالم الإسلامي وكثير من الشعوب والأمم تعاني الفرقة والحروب والنزاعات المحلية وغيرها من أسباب العراك والمشاكل حتى على صعيد التمزقات المجتمعية وارتباك العلاقات الإنسانية الحميمة- إلى تأمل هذه التجربة التاريخية العميقة الدلالات، بحيث نستلهم منها طريقا مبدعا، جديدا وأصيلا في الآن نفسه، يقودنا إلى مسارات من التوقد والتزود بالمنجيات والباقيات الصالحات ودلائل الخير التي تقود لفعل الأحسن والأجود، بحيث نكون صالحين وعاملين في حقول الحياة المتعددة، في كل قطاع من قطاعات الإنتاج.
إن سيرة الإنسان في هذه الحياة ترسم عبر العمل والإنجازات وعبر ضرب المثل في التحلي بالفضائل وتأكيد القدوة الحسنة، تلك التي يأخذ منها الأبناء والجميع من حول المرء بحيث يتحول المجتمع إلى استنارة كلية وشاملة، ويتعلم الكل من خلال إطار جمعي متسع من التفاعل الإيجابي الذي يعزز قيم الخير والصلاح والاستنارة الكبيرة التي تقود لصياغة المستقبل الأفضل للإنسانية.
وعلى صعيد الأوطان فالبنيان والمضي في مسيرة التطوير لا يكتمل إلا عبر التوقف والمراجعات للذات الفردية والجمعية، لمجمل المنجزات ومن ثم اتخاذ الطريق إلى الأهداف السامية العليا والبعيدة، عبر تجاوز النقاط السلبية إلى ما هو أقوى وأبقى من النقاط الإيجابية، وهذا يأتي عبر العديد من الدروس التاريخية والآنية، ومنها استلهام سيرتنا وقصتنا في التاريخ، من خلال حفز كل الممكنات التي تعيننا على تلمس الدروب المفعمة بالجمال والضياء.
أخيرا وبهذه المناسبة الطيبة مولد النبي الأكرم، فإننا يجب أن نأخذ هذه الذكرى العطرة كنقطة انطلاق نحو وعي جديد للذات، نتلمس منها طريقا للإخلاص وتجديد الأرواح والإيمان بالذات العارفة والقادرة على العطاء من خلال سيرة لتاريخ عظيم وغني بالسير والعبر والمناهج والدروس.