الانتقال من التعمين التقليدي إلى التعمين الذكي

مرتضى بن حسن بن علي-
appleorangeali@gmail.com –

رغم كل الجهود التي تبذلها وزارة القوى العاملة لتوفير فرص عمل لأكبر عدد ممكن من الباحثين عن عمل، غير أن جهودها تصطدم بعدد متزايد من المتغيرات، فعلى سبيل المثال:
1- منذ عام 2011 إلى عام 2014، وفرت الحكومة «115» ألف وظيفة في القطاعات الحكومية المختلفة، وقد نتج عن ذلك استقالة «70» ألف من القطاع الخاص، مقابل انضمام 20 ألف إليه فقط. كثيرون قبلوا أجورا أقل من تلك المقدمة لهم في القطاع الخاص، ونتج عن ذلك انخفاض أعداد القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص بنحو «50» ألف مواطن، وانخفاض نسبة التعمين فيه، على الرغم من رفع الحد الأدنى للأجور. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة الرواتب والأجور في الحكومة، من مبلغ «2.6» مليار ريال عماني إلى «6.1» مليار ريال عماني. وعند انخفاض أسعار النفط، أدت تلك الزيادة إلى تفاقم العجز في الميزانية العامة للدولة.
2- ارتفعت حالات الدوران الوظيفي والتي تراوحت بين الاستقالات والاستغناء عن خدمات الموظفين من قبل الشركات ولأسباب مختلفة، مما يستوجب دراسة الموضوع وإيجاد حلول له عن طريق التنسيق والتعاون بين الجهات المختلفة. وبلغ مجموع من تم تعيينهم من المواطنين في الوظائف المختلفة في عام 2017 «53.433» مواطنًا ومواطنة، مقابل إنهاء خدمات «48.705» منهم، وبالتالي فان العدد الصافي الذين تم تعيينهم في عام 2017، بلغ «4.728» مواطنًا فقط. من جهة أخرى، بلغ عدد الذين تم تعيينهم من المواطنين في عام 2018 «57.943» مواطنًا مقابل إنهاء خدمات «52.806» مواطنين، بين مستقيل ومقال، وعليه بلغ صافي عدد المعينين «5.127» مواطنا فقط.
ومن المعتقد أن هذه الحالات سوف تزداد في عامي 2019 وعام 2020، بسبب الظروف الاقتصادية التي نمر بها، مما سيؤدي إلى استمرارية زيادة نسبة المنتهية خدماتهم سنويا. هذا الموضوع يستحق اهتمامًا خاصا لكونه يبدد كل الجهود المبذولة لإيجاد حلول عملية للمشكلة. هناك ظاهرة جديدة أخرى تستحق الاهتمام، لتأثيرها المباشر على سوق العمل، إذ أن هناك عددا متزايدا من الشركات تحول جزءا من أنشطتها المختلفة إلى مراكز الاتصال في الدول الأخرى، وذلك من أجل التقليل من أعداد موظفيها وتخفيض مصاريفها، وهي ظاهرة بدأت تنتشر مثلما هي منتشرة في الدول الأخرى.
ومثلما تم ذكره سابقا، فانه من الاستحالة تطبيق سياسات التعمين الحالية ونسبها المئوية غير الواقعية، بعد أن وصلت إلى الطريق المسدود، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر فيها وإحلال التعمين الذكي محلها، بدلا من التعمين التقليدي.
نسب التعمين الحالية تُعّرض الشركات إلى صعوبات عديدة، ولن تقدر على توفير وظائف جديدة، إذ يتعين على عمان الاستمرار في توسيع قاعدة المتخصصين والفنيين لاستيعاب الكم الكبير من الخريجين العمانيين من التعليم العالي أو من الكليات التقنية والمعاهد الفنية، من خلال تدريبهم المستمر. وخلاصة القول: إن سياسات التعمين بنسبها المطبقة، كانت عنصر تمكين قصير الأجل، ولكنها ليست الحل النهائي طويل الأجل، إذ يستوجب تطوير قدرات العماني الإدارية والفنية لكي يساهم إيجابيا وبصورة فعالة في تطوير المؤسسات. وعليه لا ينبغي التركيز على تحديد نسب محددة للتعمين على كل القطاعات، بعد أن تبين استحالة تحقيقها وتنفيذها، بل التركيز بدلًا من ذلك، على القطاعات الواعدة التي توفر فرصا للترقي التدريجي وتحسين الرواتب من خلال زيادة الإنتاجية بصورة مستمرة.
٣- من مجموع الباحثين عن عمل في نهاية شهر نوفمبر 2018 والبالغ «45.711»، يتبين أن غالبية الباحثين عن عمل هم من سكان مختلف المحافظات، والتي بلغت نسبتها «87.5%». علينا أن نركز أيضا على توفير الوظائف في بقية المحافظات العمانية وعدم الضغط على الشركات في محافظة مسقط فقط التي بلغت نسبة الباحثين عن عمل فيها «12.5%» فقط.
٤- هناك أراء عديدة ترى انه في سبيل تسهيل مهمة الباحثين عن عمل للحصول على فرص العمل، يستوجب التخلي عن قضية الحد الأدنى للرواتب، إذا كان الباحث عن عمل يقبل بذلك والتركيز على توفير فرص العمل وبعد ذلك يمكن للرواتب أن ترتفع مع زيادة التدريب والإنتاجية، إضافة إلى مراجعة التخصصات والاهتمام والتركيز على زيادة كفاءتهم ومن ضمنها معالجة القضايا التي أوردها تقرير «مسح الخريجين من التعليم العالي» مثل تعزيز مهارات اللغة الانجليزية والمهارات التنظيمية والتحليلية.
عمان تتمتع بعدد قليل من السكان، ومن أجل التقليل من أعداد القوى العاملة الوافدة، وفي الوقت نفسه توفير وظائف ذات قيمة مضافة للعمانيين، فلابد من توفير طلب على وظائف ذات مهارات عالية والتي لا تحتاج إلى أعداد كبيرة من القوى العاملة الوافدة ذات المهارات المتدنية. التكنولوجيا قادرة على تحويل الأعمال التقليدية إلى أعمال فائضة عن الحاجة وإحلال نظم جديدة تماما للإحلال محلها، وتعويض العامل البشري داخل المؤسسات المختلفة، ونمو الإنتاجية من دون الحاجة إلى أعداد كبيرة للعمل.
وتبرز الآن ظاهرة النمو من دون الحاجة إلى نمو في أعداد القوى العاملة، وتترسخ هذه الحالة مع الانتشار الواسع للأتمتة في كل الحقول، مما يزكي قدرة المنشآت ذات الأنشطة المختلفة، على الاستغناء من العامل البشري والاستعانة بالحلول التكنولوجية كبديل استراتيجي يمكن الحصول عليه بسهولة، ويقدم خدمة بجودة عالية، ويعمل كل الوقت بدون كلل وملل، ولا يطالب بزيادة الأجور أو بحقوق نقابية وعمالية!
ويصل تأثير التكنولوجيا إلى الأعمال الإدارية والفنية وإلى العديد من المهن كالتعليم والخدمات المالية وحتى مهن مثل المحاماة والطب، خصوصاً مع توغل مفهوم الإدارة عن بعد، والتجارة والتسويق الإلكتروني. أصبحنا أمام اقتصاد جديد يعتمد على الرقمنة والتكنولوجيا كسبيل للنمو، دونما حاجة إلى بشر مساهمين في بناء معادلة الإنتاج ومعنيين بنتائجها في التوزيع.
وعلى هذا النحو، سيؤدي إحلال الأجهزة والآلات محل العمال إلى الاستغناء عن عديد من الوظائف التقليدية لتخفيض نفقات الإنتاج، وعلى المركز الوطني للتشغيل الانتباه لذلك.
ومثلما قامت الثورة الصناعية الأولى، بإلغاء عشرات الألوف من الوظائف التقليدية وظهور وظائف جديدة مع إنتاجية أكبر وأجور أعلى، ورافق انتهاء العصر الزراعي التقليدي والانتقال نحو المنظومة الصناعية، انخفاض الوظائف الزراعية في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 85% وفي بريطانيا بنسبة 70%، مع تصاعد هائل في الإنتاج الزراعي. وإذا كانت التكنولوجيا تهدد وظائف عديدة بالاندثار، فإنها أيضا من جهة أخرى، تخلق يومياً، فرصاً عديدة للعمل، بل وتطلق قطاعات اقتصادية جديدة قابلة للتطور. ومراحل الانتقال من نسق معرفي وعصر اجتماعي إلى آخر ستؤدي إلى تراجع، وربما انقراض وظائف لتفسح المجال لمساحات شاسعة لوظائف أخرى مختلفة وأكثر إنتاجية وأكثر أجرة. أن الوظائف الجديدة تكون أداة تمكن العمال من الحصول على أنواع جديدة من العمل بطرق جديدة وأكثر مرونة وذات قيمة مضاعفة.
وعمان بعدد سكانها المحدود، بحاجة إلى توفير المزيد من الوظائف الجيدة ذات الإنتاجية العالية وفي الوقت نفسه ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي الإيجابي للقوى العاملة والمجتمع. وبهذه الطريقة سوف نتمكن من توفير وظائف ذات قيمة مضافة عالية مع تخفيض الإعداد الهائلة من القوى العاملة الوافدة.