ما بعد مقتل البغدادي وأبرز رفاقه في إدلب

د. عبد العاطي محمد –

من المؤكد أن تعقب وقتل قيادات التنظيمات الإرهابية ظل ولا يزال من الجهود المهمة التي تبذلها الدول التي تكافح الإرهاب، وذلك بالنظر إلى أهمية دور القيادات في نشاط هذه التنظيمات، ولذلك شعرت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب بقدر كبير من الارتياح بعد أن نجحت قواتها الخاصة (الكوماندوز) في قتل زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي وعدد من أبرز رفاقه في إحدى قرى محافظة إدلب بسوريا.
وكانت هذه الإدارة قد قامت بعملية مماثلة قبل ثماني سنوات في عهد الرئيس أوباما هي قتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في إحدى قرى باكستان. ووقتها لم تكن سعادة أوباما بأقل من سعادة ترامب، إلى حد أن كلا منهما اعتبر ما جرى نصرا لنفسه وإدارته.
وفي تقييم أهمية عملية التخلص من زعيم «داعش»، كان التساؤل الأبرز المطروح، هو ما إذا كان ذلك يعد الفصل الأخير في كتابة النهاية للتنظيم الذي قض مضاجع العالم، أم أن الخطر مازال قائما.
والإجابات الأولى التي جاءت ردا على هذا التساؤل أكدت أن العملية من شأنها التقليل جدا من خطر التنظيم مستقبلا، وليس الجزم بنهايته بما يعنى أن المعركة سواء معه أو مع التنظيمات الأخرى لم تنته بعد، ولكن القدرة على توجيه ضربات قوية لإضعافها أو إنهائها تبدو الآن أكثر فاعلية. وللتدليل على ذلك قال الرئيس الأمريكي إن إدارته تعرف جيدا من هو خليفة البغدادي في إشارة إلى أنها أصبحت لديها اليد العليا في الرد على أية محاولات لاستعادة التنظيم لقوته في الفترة المقبلة، بينما سارع التنظيم، الذي اعترف بموت البغدادي وعدد من القيادات الأخرى في عملية إدلب، إلى القيام بعملية تفجير محدودة في بغداد كإشارة إلى أنه لا يزال قادرا على الحركة وأن موت البغدادي ليس نهاية للتنظيم، كما توعد الولايات المتحدة بردود انتقامية قاسية.
ولكن البحث فيما إذا كان موت البغدادي من شأنه أن يضع نهاية حقيقية للخطر الذي يمثله تنظيم «داعش» وغيره من التنظيمات المشابهة أو للتوصل إلى إجابة أقرب إلى الصواب للسؤال المطروح سلفا، ينطلق من القواعد التي توصل إليها خبراء الجماعات المتطرفة للحكم على مدى قوة أو ضعف هذه التنظيمات، أو بمعنى آخر ما الذي يجعل هذه التنظيمات تبقى ويستمر نشاطها، وما الذي يجعلها تفني، ومن ثم يتوقف نشاطها.
وأول هذه القواعد الحاكمة هي أن هذه التنظيمات معرضة دائما للانشقاقات بالنظر إلى أنها برغم اتفاق قياداتها على الأهداف غالبا ما تختلف فيما بينها في رؤية تحقيق هذه الأهداف أي في الوسائل والآليات، وغالبا ما لا تمثل جماعة واحدة محددة الخصائص وإنما تضم جماعات مختلفة التكوين الاجتماعي والفكري بل وربما المذهبي (ليس بمعنى الطائفي) وإنما بمعنى التفسير للمعتقد الديني، وغالبا أيضا ما تتنوع فيها صور الولاء وفقا لقدرة كل قيادة على تجنيد من يثقون فيهم، أي أن صور الولاء فيها لا تقف عند الولاء للتنظيم الأم، وإنما هناك ولاءات للقيادات كل على حدة، فيقال جماعة فلان ما داخل تنظيم ما من هذه التنظيمات.
والتجارب التاريخية تشهد بذلك، فعلى سبيل المثال لم تستمر جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر على حال واحدة، فقد كان لعمر التلمساني المرشد العام الثالث للجماعة طريقا مختلفا عما سار عليه محمد مهدى عاكف المرشد العام السابع، أو وجود من يطلق عليهم «القطبيين» (نسبة إلى سيد قطب) وبين من يحافظون على منهج المؤسس حسن البنا. وكذلك لم يستمر تنظيم «الجهاد» على حال واحد إلى أن وصلت آخر صوره بالالتحاق بتنظيم القاعدة (انضمام الظواهرى إلى ابن لادن). وحديثا نسبيا لم يستمر تنظيم «القاعدة» على منوال واحد، فقد خرج إلى النور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوى منفصلا عن التنظيم الأم بقيادة ابن لادن ثم الظواهرى، وظهر تنظيم جبهة النصرة في سوريا مستقلا عنهما أيضا، كما انفرد البغدادي برؤية وأسلوب مختلفين عن الجميع.
ومن الصحيح أن التنوع والانتقال من تنظيم إلى آخر كسمة من سمات الجماعات أو التنظيمات المتطرفة يساعد في الإبقاء على وجود هذه التنظيمات ومن ثم استمرار خطرها، ولكن ما لا يمكن تجنبه هو أن الانشقاقات مثلما تؤدى إلى ولادة تنظيمات جديدة، فإنها قطعا تؤدى إلى إضعاف التنظيمات الأم، وما يؤكد ذلك على سبيل المثال أن تنظيم «داعش» أصبح هو التنظيم الأخطر والأكثر انتشارا في السنوات الأخيرة مقارنة بتنظيم «القاعدة» الذي يكاد الآن مجرد ذكرى. وأما القاعدة الثانية فهي طبيعة التنظيم ذاته، هل هي مركزية أم مرنة ومفتوحة، فكلما كانت مركزية حافظ التنظيم على نشاطه وزاد من موارده وأدارها بحكمة مما يطيل عمره السياسى، بينما لا يتم ذلك لو كان مرنا أو لا تتمتع قيادته بمركزية القرار. وبينما تساعد لا مركزية القرار على إتاحة حرية الحركة للأعضاء ليقوموا بأنشطة مختلفة تعزز قوة التنظيم ومن ثم تقربه من تحقيق أهدافه (البناء العنقودى) كما تساعد في عدم كشف البناء الأم للتنظيم، فإنها في الوقت نفسه تمثل خطرا يهدد بقاء التنظيم لأنها تسمح ليس فقط بحدوث الانشقاقات، وإنما بالتخلي عن الولاء للتنظيم وخيانته أيضا. فلا مركزية البناء التنظيمي تسمح لبعض أعضائه بالخروج عليه إلى حد إفشاء أسراره، مثلما حدث في واقعتي التخلص من ابن لادن ومؤخرا من البغدادي!
ووفقا للرواية التي جاءت في تقرير الكاتب بيتر بيرجن مؤلف كتاب عشر سنوات من مطاردة ابن لادن وأذاعته قناة سى.إن.إن سقط ابن لادن نتيجة عملية للمخابرات الأمريكية غير معتادة ملخصها أنه جرى تعقب مقطع صوتى بين ابن لادن وخادمه (عربى الجنسية) تم عام 2002، ثم حدث تتبع للصوت نفسه عام 2011 في باكستان (عبر مراقبة لعدد ضخم من الاتصالات الهاتفية)، وجرى التعرف على صاحب الصوت (الخادم) عن طريق بعض من تم اعتقالهم مشتبه فيهم على أنهم ينتمون للقاعدة، وفي أغسطس 2010 نجح متعاون مع المخابرات الأمريكية بباكستان في العثور على صاحب الصوت في مدينة بيشاور الذي أبلغ رجالها بأنه يستقل سيارة بيضاء من نوع سوزوكى خلفها إطار عجلة احتياطى، تم تعقبها حيث أمكن تحديد مكان ابن لادن في منطقة أبوت أياد. وأما سقوط البغدادي فجاء نتيجة معلومات أدلى بها متعاون (أو مخبر) كان في تنظيم «داعش» وانشق نتيجة خلاف مع قياداته (قتل التنظيم أحد أقاربه)، ولجأ إلى قوات سوريا الديمقراطية التي احتضنته وحصلت منه على معلومات مهمة نقلتها للمخابرات الأمريكية عن طرق اختفاء البغدادي ومكان وجوده الأخير في إدلب.
ثالث هذه القواعد الحاكمة هو دور القيادة حيث إنها تلعب دورا مهما للغاية في قوة التنظيم واستمراره، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذه التنظيمات لا تعتمد العلاقات التنظيمية فيها على القواعد السياسية المعتادة في أية تنظيمات مدنية شرعية (الانتخابات ووجود لوائح داخلية)، وإنما على الولاء للقيادة وفقا لما تمثله من رمز وما تحظى به من قدرات شخصية بالنسبة للبناء الفكري والقدرة على الإقناع والتجنيد وفرض النفوذ وحمل الأعضاء على السمع والطاعة، وعليه فإن الانتماء والعمل مبني على العلاقة القوية بين القيادة والتابعين مباشرة وليس على أي شيء آخر، ومن ثم إذا ما اختفت القيادة انفك رباط التنظيم. ومن هنا كانت أهمية سقوط ابن لادن والبغدادي.
وفقا لما سبق فإن الانشقاقات والبناء التنظيمي غير المركزي وغياب القيادة قواعد حاكمة في اتجاه إضعاف التنظيمات الإرهابية المعاصرة، مما يعني أن موت البغدادي ومن قبله ابن لادن يعد مؤشرا على انحسار هذه التنظيمات.
ولكن هناك وجه آخر للمشهد لابد من أخذه في الاعتبار ينقل التحليل الصحيح لما جرى إلى موضع مختلف يثير القلق مستقبلا ويفترض لمواجهته قواعد وآليات مختلفة غير التخلص من القيادات. فمن الصحيح أن ضرب التنظيم في مقتل مهم في سياق وضع نهاية للجماعات المتطرفة الإرهابية، ولكن من الصعب إغفال حقيقة أخرى هي أن هذه الجماعات مثلما تعمل من خلال تنظيمات فإنها تعتمد في انتشارها وبقائها وتجددها على كونها تمثل تيارا فكريا وسياسيا ينمو ويقوى بناء على معطيات اجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية قائمة، قد يظهر تنظيم ما يحوله إلى فعل مؤثر على أرض الواقع، أو ينتظر ظهوره مستقبلا في صورة مختلفة. والقصد من ذكر التيار هو التمييز بينه وبين التنظيم، فالأول يشير إلى وجود تجمعات من الناس تؤمن بفكرة معينة لتغيير الواقع بالقوة لا يجمعها تنظيم ولا تنتمي لتنظيم حتى لو كان موجودا ولكنها تتعاطف مع الفكرة أو مع التنظيم وتنفذ توجهاته دون أي علاقة تنظيمية به. ووفقا لمسار هذه التنظيمات منذ أن ظهرت في المنطقة العربية، فإنها نتجت عن خلل جسيم في تطور المجتمعات والممارسة السياسية والتردي الثقافي واندلاع الخلافات المذهبية. وعليه من الممكن أن يسقط التنظيم في حالة «داعش» بمقتل البغدادي، ولكن التيار الذي يمثله يبقى، في انتظار زعيم آخر، وهنا موضع القلق.