إفريقيا.. غياب أمريكي وحضور روسي

رشا عبدالوهاب –

3 سنوات من عمر رئاسة دونالد ترامب، ولم يفكر مرة واحدة خلالها في زيارة إفريقيا، في وقت ثبتت فيه روسيا أقدامها بقوة في القارة، بينما تستخدم الصين «قوتها الناعمة» لتدعيم الشراكة السياسية والاقتصادية في القارة السمراء.
وكالمعتاد، فلا توجد سوى خطوط عريضة لاستراتيجية أمريكية معلنة، دون تطبيق، تجاه إفريقيا، فقد تعهدت إدارة ترامب بتعزيز المزيد من الروابط الاقتصادية مع الشركاء الأفارقة. ووصفت الإدارة الأمريكية النفوذ الصيني والروسي في القارة بأنه «تهديد كبير» لمصالح الأمن القومي، كما أعلن جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق.
ويبدو أن بولتون، صقر الإدارة الأمريكية المجروح، رحل مع استراتيجيته التي أعلن عنها، بعد استقالته بسبب خلافاته مع ترامب. فالعلاقات بين أمريكا وإفريقيا في عهد الإدارة الحالية شبه غائبة، وتقتصر على الزيارات الرسمية للقادة الأفارقة إلى البيت الأبيض.
ويرى الخبراء أن الوجود الصيني والروسي «ملموس» في إفريقيا، فالولايات المتحدة غير مهتمة بالقارة السمراء وغائبة عنها، وسارع الروس لملء هذا الفراغ.
وتعامل ترامب مع إفريقيا بازدراء، وتسبب بأزمة دبلوماسية غير مسبوقة بعدما وصف بعض دولها بالحثالة بسبب الهجرة، كما أن القمة السنوية التي كانت تعقدها واشنطن مع القادة الأفارقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، لم يتم عقدها منذ صعود الرئيس الجمهوري إلى البيت الأبيض. وكان من المفترض أن يحضر ويلبور روس مساعد وزير التجارة الأمريكي برنامجا بعنوان «إفريقيا المزدهرة» لزيادة الشراكة التجارية مع إفريقيا في يونيو الماضي في جنوب موزمبيق، إلا أنه ألغاه بسبب تضارب في جدول مواعيده، وهو ما يحمل دلالة على عدم الاهتمام بالقارة. وينظر إلى هذا البرنامج على نطاق واسع على أنه يمثل استراتيجية البيت الأبيض تجاه إفريقيا، حيث يعطى مساعدة فنية للشركات التي تحاول التوسع في القارة.
وساعد عدد من العوامل على عودة روسيا بقوة إلى إفريقيا بعد حوالي 28 عاما على انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن بينها تراجع الاهتمام الأمريكي بالقارة، وتدهور العلاقات بين الغرب وروسيا منذ 2014، في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم إلى جانب اتهام بريطانيا لموسكو بالتورط في تسميم العميل المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري البريطانية.
ولأول مرة، تستضيف روسيا قمة تاريخية مع القادة الأفارقة في منتجع سوتشي، الواقع على البحر الأسود، خلال أكتوبر الماضي. واعتبر الرئيس فلاديمير بوتين أن القمة تفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الروسية مع الدول الإفريقية، ليكشف خطط الكرملين لمضاعفة التجارة مع الدول الإفريقية.
وخلال الفترة الماضية، تمكن بوتين من تحقيق مجموعة من الانتصارات السياسية والدبلوماسية سواء في سوريا أو فيما يخص إيران، لتنضم القمة الإفريقية الروسية لسلسلة مكاسبه بتوسيع النفوذ الجيو سياسي والاقتصادي لموسكو.
وخلال القمة، حاول الرئيس الروسي إحياء الروابط القديمة التي أنشأها الاتحاد السوفيتي السابق، حيث يسعى إلى بعث النفوذ الروسي في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن القارة السمراء لم تكن أولوية على قائمة أولويات موسكو، إلا أن الكرملين ينظر إليها باعتبارها أرضية خصبة لتعميق علاقته مع شركاء قدامى وجدد لمواجهة العقوبات الغربية وزيادة مكانتها الجيوسياسية، فهي تسجل أهدافا على حساب الولايات المتحدة.
الاتحاد السوفييتي كان قوة مهيمنة في القارة خلال الحرب الباردة، حيث استغل الإرث الاستعماري الغربي لدعم حركات التحرر وبناء النفوذ في القارة، ليفوز بدعم القادة والشعوب على حد سواء. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، انهارت هذه العلاقات أو تلاشت بسبب تقليص روسيا لطموحاتها العالمية، إلا أن الوضع تغير الآن، فقد أعلنت السلطات الروسية، بصوت واضح، عن خطط للعودة إلى إفريقيا.
بوتين أكد، في افتتاح القمة الروسية الإفريقية، أنه لا يمكنه اعتبار أن وصول حجم التجارة بين الجانبين إلى 20 مليار دولار «رقم جيد»، حيث يوجد في القارة العديد من الشركاء المحتملين الذين يمتلكون آفاقا جيدة للتجارة واحتمالات ضخمة للنمو. فحجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا قد زاد بأكثر من الضعف، وتجاوز 20 مليار دولار، من بينها 7.7 مليار (40%) مع مصر. بينما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والذي تترأس بلاده الاتحاد الإفريقي حاليا، وشارك نظيره الروسي في رئاسة القمة، إلى الدور الروسي البارز في تعزيز التعاون مع إفريقيا، واعتبر المنتدى الاقتصادي منصة مهمة لإظهار الفرص، وتطوير الاستثمار والتجارة بين الشعب الروسي وشعوب إفريقيا، ما سيعزز العلاقات بين الطرفين.
وتتبع روسيا مع إفريقيا سياسة «الاستقرار أولا، والربح ثانيا»، فالمستقبل يحمل المزيد من الآفاق والتوقعات الاقتصادية البراقة. وقمة سوتشي التي عقدت يومي 23 و24 أكتوبر الماضي تحت شعار «من أجل السلام والأمن والتطور» بحضور 54 دولة، تصدرها التعاون الاقتصادي، حيث حضر هذا الجانب بقوة وتوج بعقد اتفاقيات بقيمة 13 مليار دولار، وإعلان روسيا شطب ديون بقيمة أكثر من 20 مليار دولار لدول إفريقية، وهو مما يساوي حجم التبادل التجاري بين الجانبين خلال العام الماضي. وشدد بوتين، في البيان الختامي، على ثقته بإمكانية مضاعفة التجارة مع القارة السمراء إلى 40 مليار دولار.
وتتسع مجالات التعاون والشراكة الاقتصادية بين روسيا وإفريقيا من الطاقة (بما فيها المتجددة)، وتطوير البنية التحتية (بخاصة بناء السكك الحديدية والإسكان)، والتعدين الحديث باستخدام التكنولوجيا المتقدمة ومعالجة المعادن، والزراعة، والتكنولوجيا الرقمية، والاستكشاف، والطب، العلوم، التعليم.
وشهدت القمة توقيع 92 وثيقة من الاتفاقيات والعقود ومذكرات التفاهم بقيمة 15 مليار دولار. كما تسعى روسيا إلى بناء مناطق صناعية روسية في القاهرة، ومن بين الدول التي وقعت معها اتفاقية مصر، حيث أشارت وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري المصرية هالة السعيد، إلى أن تشييد المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس سيبدأ في غضون شهور.
وكانت موسكو والقاهرة قد وقعتا في 2018 اتفاقا لإنشاء منطقة صناعية روسية في مصر، والتي من المخطط أن تمتد على مساحة 5.25 كيلومتر مربع وباستثمارات تبلغ 6.9 مليار دولار وستنفذ على ثلاث مراحل ولمدة 13 عاما. وتأتي هذه المذكرات والاتفاقيات، في وقت تسعى فيه روسيا إلى مواجهة الدولار الأمريكي في اتفاقاتها التجارية، حيث دعا أندريه كوستين رئيس بنك «في تي بي» الروسي، ثاني أكبر البنوك في روسيا، إلى الابتعاد عن استخدام الدولار في التجارة بين روسيا والدول الإفريقية وزيادة الاعتماد على عملات أخرى في التسويات التجارية.
كما شهد المنتدى توقيع اتفاقية لإنشاء آلية مالية لتحفيز وتسهيل العلاقات التجارية بين المصدرين الروس والشركاء الأفارقة. وهكذا فإن روسيا بدأت في وضع ملامح لاستراتيجية سياسية واقتصادية تجاه القارة الإفريقية، صحيح أن لا يرقى إلى النفوذ الصيني، فقد بدأت الصين في دخول إفريقيا، في عام 2000، بعقد سلسلة من القمم، ووصلت إلى الاتفاق على مشاركة إفريقيا في «طريق الحرير» الصيني، كما أن حجم الاتفاقات الاقتصادية الروسية لا يمثل سوى عشر قيمة الاتفاقات الصينية.
إلا أن القمة الروسية يمكن اعتبارها بداية أو خطوة أولى على الطرق إلى إفريقيا الناهضة، وسط توقعات المؤسسات الاقتصادية العالمية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، بأن المستقبل الاقتصادي للقارة السمراء، خصوصا في ظل اشتعال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أو بمعنى أصح «صنع في أمريكا» و«صنع في الصين»، وانعكاس هذه الحرب على الاقتصاد العالمي، إلى جانب الأزمة الأوروبية المتمثلة في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «البريكست».
وتوقع صندوق النقد أن أسرع الاقتصادات نمو في العالم ستكون في إفريقيا سواء خلال العامين الحالي والمقبل، فغانا، على سبيل المثال، ستكون الأسرع نموا بينما تتصدر مصر قائمة الدول العشرين التي ستقود النمو العالمي في 2024. كما أن الاقتصاد الروسي يحظى بإشادة واسعة، فقد أعرب صندوق النقد الدولي، خلال العام الحالي، عن دعمه للنهج الدقيق والمبني على البيانات للبنك المركزي الروسي في وضع السياسة النقدية للبلاد.